لا يبدو أن أحداً في الولايات المتحدة يمتلك استراتيجية واضحة لكسب الحرب في إيران. فالوضع يعيد إلى الأذهان أحلك أيام حرب العراق في منتصف العقد الأول من الألفية، عندما بدت واشنطن عاجزة عن انتشال العراق من دوامة التمرد والحرب الأهلية. ورغم أن حصيلة القتلى في الصراع مع إيران لا تزال حتى الآن أقل مما كانت عليه في العراق، فإن حجم المخاطر هذه المرة أكبر بكثير، بحسب مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين.
وبحسب مجلة بوليتيكو الأميركية، لم تكن واشنطن تفتقر يوماً إلى الخطط عندما يتعلق الأمر بإيران. لكنها تجد نفسها الآن أمام مشكلة أكثر تعقيداً: كل طريق للخروج من الحرب يحمل معه ثمناً قد يكون أكبر من ثمن البقاء فيها.
فبعد أشهر من القصف والردود الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز وتصاعد الضغوط الاقتصادية، لم يعد السؤال داخل دوائر السياسة الخارجية الأميركية: كيف تنتصر الولايات المتحدة؟ بل أصبح أكثر إرباكاً: ما الذي يعنيه الانتصار أصلاً، وهل ما زال ممكناً؟
هذا هو جوهر ما تطرحه نهال توسي، كبيرة مراسلي الشؤون الخارجية في «بوليتيكو»، في مقال تحليلي ترى فيه أن حرب إيران تحولت إلى مأزق أميركي يذكّر بأسوأ سنوات حرب العراق، ولكن مع فارق جوهري: المخاطر هذه المرة عالمية، والولايات المتحدة أضعف نسبياً، والصين أقوى، والاقتصاد الدولي نفسه بات جزءاً من ساحة المعركة.
ترى الكاتبة أن واشنطن تقف أمام ثلاثة اتجاهات رئيسية لكيفية التعامل مع الحرب، لكن أياً منها لا يقدم حلاً مضموناً.
لا أحد يعرف كيف تبدو النهاية
أكثر ما يلفت في المقال هو أن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، عندما سُئلوا عن كيفية «الفوز»، لم يقدموا إجابات واضحة.
كان رد بعضهم، بحسب الكاتبة، أقرب إلى القول: كان ينبغي ألا تبدأ هذه الحرب من الأساس.
ثم جاء السؤال الأصعب: ماذا يعني النصر؟
فالبيت الأبيض، بحسب المقال، غيّر أهدافه أكثر من مرة. بدأ دونالد ترامب الحرب وهو يتحدث عن إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وتدمير قدر كبير من القدرات العسكرية لطهران، ولوّح بإمكانية تغيير النظام.
لكن الأولوية الأميركية تبدو الآن مختلفة: إنهاء سيطرة إيران على مضيق هرمز وإعادة فتحه أمام الملاحة الدولية.
وهذا التحول، وفق «بوليتيكو»، يعكس غياب هدف نهائي واضح للحرب.
مسؤول أميركي: لا أرى طريقاً للخروج
تنقل الكاتبة عن مسؤول أميركي مطلع على استراتيجية الإدارة في الشرق الأوسط قوله إنه لا يرى مخرجاً واضحاً من الأزمة.
ويرى المسؤول أن إدارة ترامب أساءت فهم طبيعة النظام الإيراني، لأنها بنت حساباتها على فكرة أن زيادة الألم العسكري والاقتصادي ستدفع النظام في النهاية إلى الانهيار.
لكن تقديره هو أن النظام لن ينهار بهذه السهولة.
أما البيت الأبيض فيؤكد أن ترامب لا يزال يفضل الحل الدبلوماسي، مع احتفاظه بجميع الخيارات إذا رفضت إيران التوصل إلى اتفاق أو واصلت ما تصفه واشنطن بـ«الإرهاب».
شبح العراق يعود من جديد
تقارن «بوليتيكو» المأزق الحالي بما حدث في العراق منتصف العقد الأول من الألفية.
آنذاك، كانت الولايات المتحدة تواجه تمرداً متصاعداً وحرباً أهلية ولم تكن تعرف كيف تنهي الأزمة، وظهرت أفكار تراوحت بين الانسحاب من المدن العراقية وتقسيم البلاد.
وفي النهاية، ساهمت زيادة عدد القوات الأميركية والتعاون مع العشائر السنية ضد تنظيم القاعدة في تغيير مسار الحرب.
لكن إيران، كما تقول الكاتبة، ليست العراق.
إيران أكبر مساحة وسكاناً، ولا توجد قوات أميركية برية داخلها، والنظام لا يزال متماسكاً، كما أن قدرته على الرد تمتد إلى حلفاء الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
الخيار الأول: التصعيد حتى إسقاط النظام
المعسكر الأول هو معسكر الصقور.
هؤلاء يريدون زيادة الضغط العسكري والاقتصادي على طهران، وتشمل الأفكار المطروحة:
- السيطرة الأميركية على جزيرة خرج، وهي مركز أساسي لصادرات النفط الإيرانية.
- السماح لإسرائيل بمزيد من عمليات استهداف القادة الإيرانيين.
- دعم الإمارات للسيطرة على الجزر الثلاث المتنازع عليها مع إيران.
- تسليح جماعات قومية وعرقية داخل إيران.
- تنفيذ موجة جديدة من القصف الأميركي تستمر نحو أسبوعين.
ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن بقاء النظام بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي قد يدفعه إلى تسريع سعيه للحصول على سلاح نووي وزيادة نشاطه العسكري في المنطقة.
وبعض هؤلاء، وفق المقال، يرى ضمناً أن إيران فاشلة أو غارقة في حرب أهلية قد تكون أقل خطراً من إيران مستقرة تحت حكم النظام الحالي.
لكن المشكلة أن لا ضمانة بأن المزيد من القصف سيؤدي إلى سقوط النظام.
فالسلطة الإيرانية، بحسب الكاتبة، متجذرة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع بصورة أعمق من نظام صدام حسين، كما أن النزعة القومية الإيرانية قد تجعل محاولات تقسيم المجتمع على أسس عرقية تأتي بنتائج عكسية.
الخيار الثاني: أوقفوا الحرب واقبلوا بتنازلات
المعسكر الثاني هو معسكر ضبط النفس، ويضم أصواتاً من اليمين واليسار الأميركي.
هؤلاء يقولون إن على واشنطن خفض التصعيد والتوصل إلى اتفاق حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات لطهران، مثل تخفيف العقوبات.
وإذا تعذر التوصل إلى اتفاق، فإنهم يدعون الولايات المتحدة إلى الانسحاب من المواجهة وترك دول المنطقة تتعامل مع النتائج.
من وجهة نظرهم، قدرات إيران العسكرية تعرضت بالفعل لضربات كبيرة، وبالتالي ليست الحرب خسارة كاملة لأميركا.
كما أن استمرار القتال يعني استنزافاً إضافياً للجنود والأسلحة والموارد، في وقت تشير فيه تقارير إلى تراجع مخزونات واشنطن من بعض الذخائر المهمة.
وتلخص جينيفر كافانا، من مركز “أولويات الدفاع” البحثي الأميركي، موقف هذا المعسكر بالقول إن على الولايات المتحدة التوقف الآن، وتقليل خسائرها، وإعادة التفكير في استراتيجيتها الدفاعية.
لكن الانسحاب يحمل مخاطره أيضاً
المشكلة هنا أن التراجع الأميركي قد يمنح إيران شعوراً بالنصر.
وقد يدفعها، بحسب معارضي هذا الخيار، إلى توثيق علاقاتها مع الصين وروسيا وزيادة نشاطها الإقليمي.
وتستدعي الكاتبة هنا تجربة أفغانستان، محذرة من أن الابتعاد عن منطقة غير مستقرة لا يعني دائماً أن آثارها لن تعود لاحقاً لتضرب المصالح الأميركية.

الخيار الثالث: خنق إيران اقتصادياً
بين الصقور ودعاة الانسحاب يظهر اتجاه ثالث.
يريد هذا المعسكر الإبقاء على الحصار البحري الأميركي على حركة السفن الإيرانية، إلى جانب العقوبات الحالية والجديدة، بهدف إنهاك الاقتصاد الإيراني حتى يرضخ النظام للمطالب الأميركية أو يواجه انتفاضة داخلية.
ويقول أنصار هذا النهج إن المسؤولية عن معاناة الإيرانيين تقع على النظام نفسه، وإن واشنطن ينبغي أن تستمر في الضغط والاستعداد لدعم الإيرانيين إذا تحركوا ضد السلطة.
لكن «بوليتيكو» تشير إلى مشكلة قديمة: الولايات المتحدة تتوقع منذ عقود تقريباً أن الاقتصاد الإيراني «على وشك الانهيار»، لكنه يواصل الصمود.
المشكلة الكبرى: هرمز
وهنا تظهر المعضلة الأشد تعقيداً.
إذا استمرت واشنطن في حصار السفن الإيرانية، فمن المرجح أن تواصل طهران بدورها تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
وبذلك لن يكون الاقتصاد الإيراني وحده هو المتضرر.
ارتفاع أسعار الوقود واضطراب إمدادات الغذاء والطاقة سيصيب العالم كله، وقد يتحول إلى مشكلة سياسية خطيرة لترامب والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني.
وبمعنى آخر: محاولة خنق الاقتصاد الإيراني قد تنتهي بخنق أجزاء من الاقتصاد العالمي أيضاً.
لماذا تبدو الحرب أخطر من العراق؟
رغم أن حصيلة القتلى في حرب إيران حتى الآن أقل من تلك التي شهدها العراق في أكثر سنواته دموية، ترى الكاتبة أن المخاطر الجيوسياسية أكبر.
خلال حرب العراق، كانت الولايات المتحدة تتمتع بهيمنة دولية أوسع ولم تكن الصين المنافس الذي أصبحت عليه اليوم.
أما الآن، فإن كل إخفاق أميركي في الشرق الأوسط يترك فراغاً يمكن لبكين وموسكو استثماره.
كما أن سيطرة إيران على مضيق هرمز تمنح هذه الحرب أثراً اقتصادياً عالمياً لم يكن موجوداً بالصورة نفسها في حرب العراق.
انتقادات لترامب من اليمين واليسار
اللافت أن الانتقادات لا تأتي من خصوم ترامب فقط.
إليوت أبرامز، أحد أبرز صقور السياسة الخارجية والذي عمل في إدارة ترامب الأولى، وصف اللحظة بأنها «شديدة الخطورة»، واتهم الإدارة بإظهار التردد وعدم الكفاءة.
كما قال دان شابيرو، المسؤول السابق في البنتاغون خلال إدارة بايدن، إن الولايات المتحدة تجد نفسها في طريق مسدود من صنعها، ولا توجد أمامها سوى خيارات سيئة.
العراق حاضر في الخلفية
تنقل «بوليتيكو» عن الباحثة سوزان مالوني من معهد بروكينغز قولها إن المأزق الإيراني يشبه حرب العراق في جانب أساسي: إنه مأزق صنعته الولايات المتحدة بنفسها وكان يمكن توقعه أو تقليل مخاطره من خلال تخطيط أفضل.
لكن المقال يشير إلى مفارقة.
فالعراق، رغم ما تعرض له بعد الغزو الأميركي عام 2003 ثم الحرب ضد تنظيم داعش، تمكن لاحقاً من إجراء انتخابات متعددة والوصول إلى قدر نسبي من الاستقرار مقارنة بماضيه القريب.
أما الخوف بالنسبة إلى الإيرانيين الذين يريدون حياة أكثر حرية، فهو أن تؤدي الحرب الحالية إلى النتيجة العكسية: نظام أكثر قمعاً في الداخل وأكثر خطورة في الخارج.
هل ينتظر الحل رئيساً أميركياً آخر؟
وتخلص الكاتبة إلى استنتاج أكثر تشاؤماً. فبعض خبراء إيران الذين يتواصلون مع مسؤولين في طهران يقولون إن القيادة الإيرانية باتت تعتقد أن ترامب غير جاد في التوصل إلى اتفاق سلام طويل الأمد، ولا يمكن الوثوق بأنه سيلتزم بأي اتفاق يوقعه.
ولهذا قد يكون على الرئيس الأميركي المقبل أن يرث الأزمة.
سيجد أمامه فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة، لكنه قد يجد أيضاً فرصة لإعادة صياغة العلاقة مع إيران واستعادة جزء من القيادة الأميركية الدولية.
وتنهي الكاتبة مقالها بسخرية واضحة، متسائلة إن كان لدى أحد «فكرة جديدة» للخروج من المأزق، قبل أن تستعير أسطورة حصان طروادة وتسأل: هل يعرف أحد كيف نصنع حصاناً خشبياً كبيراً؟
الخلاصة:
المشكلة التي تواجه واشنطن لم تعد في اختيار أفضل استراتيجية، بل في أن كل الخيارات سيئة بدرجات مختلفة: التصعيد قد يفجر إيران والمنطقة، الانسحاب قد يمنح طهران انتصاراً، والحصار قد يضرب الاقتصاد العالمي. وهذا تحديداً ما يجعل حرب إيران، في نظر «بوليتيكو»، مأزقاً قد يكون أخطر من العراق.










