الصحافة في كردستان العراق.. سلطة رابعة أم ضحية للمال السياسي؟
صحفيون وخبراء يعتقدون أن كثرة المؤسسات لا تعني بالضرورة تنوعاً حقيقياً في الخطاب الإعلامي
صلاح حسن بابان / كاتب وصحفي استقصائي عراقي
في أحد المقاهي الشعبية بشارع سالم وسط السليمانية بكردستان العراق، كان الصحفي الكردي إحسان ملا فؤاد يتنقل بهدوء بين القنوات الفضائية المحلية المعروضة على شاشة معلقة في زاوية المكان. وبينما كانت نشرات الأخبار المسائية تتوالى تباعاً، كان يتابع التفاصيل بعين الصحفي الذي أمضى سنوات طويلة داخل غرف الأخبار، قبل أن يجد نفسه خارجها.
على الشاشة، بدت الاستوديوهات حديثة ومجهزة بأحدث التقنيات، والمذيعون يتنقلون بين الأخبار والتقارير بسلاسة، فيما تتنافس القنوات على جذب المشاهدين بصور عالية الجودة وإخراج متطور. لكن بالنسبة لإحسان، فإن التطور التقني الذي شهده الإعلام في إقليم كردستان خلال السنوات الأخيرة يثير سؤالاً آخر أكثر أهمية: إلى أي مدى حافظت هذه المؤسسات على استقلالها المهني وسط بيئة سياسية شديدة الاستقطاب؟
يقول إحسان إن التنافس السياسي المتصاعد بين القوى الرئيسية في الإقليم انعكس بصورة متزايدة على التغطيات الإعلامية، خصوصاً خلال المرحلة التي أعقبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة وما رافقها من خلافات طويلة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.
وخلال تلك الفترة، تحولت القنوات الفضائية والمنصات الرقمية إلى ساحة للنقاش السياسي الحاد وتبادل الاتهامات بين الأطراف المتنافسة، في وقت يرى فيه صحفيون وخبراء أن الحدود الفاصلة بين العمل الإعلامي والعمل السياسي أصبحت أقل وضوحاً مما كانت عليه في السابق.
ومن هذا المقهى الهادئ في السليمانية، تبدأ قصة أكبر من مجرد خلافات سياسية عابرة؛ قصة قطاع إعلامي توسع بصورة لافتة خلال العقدين الماضيين، لكنه يواجه في الوقت نفسه أسئلة متزايدة حول طبيعة تمويله، ومستوى استقلاله، وقدرته على أداء دوره بوصفه سلطة رقابية في مجتمع يشهد تحولات سياسية واقتصادية عميقة.
إعلام متطور في بيئة سياسية معقدة
شهد إقليم كردستان العراق منذ مطلع الألفية الجديدة توسعاً ملحوظاً في قطاع الإعلام، تمثل في ازدياد عدد القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، بالتوازي مع تطور التقنيات المستخدمة في الإنتاج والبث وتنامي الحضور الإعلامي للإقليم داخل العراق وخارجه.
ويقول عاملون في القطاع الإعلامي إن هذا التطور ساهم في توسيع دائرة الوصول إلى الجمهور وخلق فرص عمل لآلاف الصحفيين والفنيين والإداريين، لكنه تزامن أيضاً مع تنامي تأثير الأحزاب السياسية والقوى الاقتصادية على المشهد الإعلامي.
وبعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الإقليم، والتي أعقبها تأخر تشكيل الحكومة الجديدة واستمرار الخلافات السياسية بين القوى الرئيسية، برز دور وسائل الإعلام بوصفها أحد أبرز ساحات الصراع السياسي، سواء عبر التغطيات الإخبارية أو البرامج الحوارية أو النشاط المكثف على المنصات الرقمية.
ويرى مراقبون أن هذا الواقع جعل الإعلام جزءاً من المشهد السياسي اليومي، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول حدود الفصل بين التغطية الصحفية والمواقف السياسية.
الصحفيون المستقلون وتحديات البقاء
في ظل هذا المشهد، يتحدث عدد من الصحفيين عن صعوبات متزايدة تواجه العاملين الذين يفضلون العمل خارج الأطر الحزبية.
ويقول الكاتب والصحفي حسين أسكندر إن جزءاً كبيراً من المؤسسات الإعلامية الفاعلة يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بقوى سياسية، الأمر الذي يجعل فرص العمل أمام الصحفيين المستقلين أكثر محدودية مقارنة بالمؤسسات المدعومة حزبياً أو مالياً.
ويضيف أن بعض الصحفيين يواجهون خياراً صعباً بين الانضمام إلى مؤسسات ذات توجهات سياسية واضحة أو العمل في منصات صغيرة تعاني من محدودية الموارد.
في المقابل، يرى إعلاميون آخرون أن المؤسسات الحزبية وفرت على مدى سنوات فرص عمل واسعة لآلاف العاملين في القطاع الإعلامي، وساهمت في استمرار النشاط الإعلامي رغم الأزمات الاقتصادية التي مر بها الإقليم.
ويشير الصحفي فرمان صادق إلى أن طبيعة سوق الإعلام تغيرت خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد الحاجة إلى المحتوى السريع والمنصات الرقمية، الأمر الذي انعكس على أولويات المؤسسات الإعلامية وآليات عملها واختيار كوادرها.
تحولات المشهد الإعلامي منذ التسعينيات
لفهم واقع الإعلام الحالي في كردستان، لا بد من العودة إلى التحولات التي شهدها الإقليم منذ تسعينيات القرن الماضي.
فبعد انتفاضة عام 1991 وقيام الإدارة الكردية، بدأت تظهر صحف ومجلات ومؤسسات إعلامية متنوعة، مستفيدة من أجواء الانفتاح النسبي وظهور منظمات المجتمع المدني وتعدد القوى السياسية.
وخلال السنوات اللاحقة، برزت تجارب إعلامية مستقلة لعبت دوراً مهماً في النقاش العام وكشف عدد من الملفات السياسية والاقتصادية، قبل أن يشهد القطاع تحولاً تدريجياً مع انتشار الفضائيات ووسائل الإعلام الرقمية.
ويقول الصحفي نوزت أحمد إن السنوات التي تلت عام 2013 شكلت نقطة تحول مهمة، إذ تزامنت الأزمات السياسية والاقتصادية مع توسع كبير في عدد المؤسسات الإعلامية التابعة للأحزاب أو القريبة منها، إلى جانب ظهور ما بات يُعرف في الأوساط الإعلامية بـ”إعلام الظل”، وهو مصطلح يستخدم لوصف مؤسسات لا تعلن ارتباطها السياسي بشكل مباشر رغم تداول اتهامات بشأن قربها من مراكز النفوذ.
ويرى أحمد أن هذا التحول أعاد رسم خريطة التأثير الإعلامي داخل الإقليم، وخلق بيئة تنافسية جديدة بين المؤسسات التقليدية والجهات الإعلامية الناشئة.
بين الحرية والاستقطاب
بحسب إحصائية شبه رسمية نقلها مصدر حكومي تحدث للتحقيق شريطة عدم الكشف عن هويته، يوجد في إقليم كردستان العراق نحو 1700 وسيلة إعلامية محلية وأجنبية، تشمل قنوات فضائية وإذاعات وصحفاً ومواقع إلكترونية ومنصات رقمية.
وتثير هذه الأرقام نقاشاً واسعاً بين العاملين في القطاع الإعلامي حول دلالاتها الحقيقية.
فمن جهة،
يرى مسؤولون في القطاع الإعلامي أن العدد الكبير من القنوات والمنصات يعكس وجود مساحة من الحرية الإعلامية لا تتوفر في كثير من البيئات المجاورة.
في المقابل، يعتقد صحفيون وخبراء أن كثرة المؤسسات لا تعني بالضرورة تنوعاً حقيقياً في الخطاب الإعلامي إذا كانت مصادر التمويل والقرار التحريري تتركز في أيدي عدد محدود من القوى السياسية والاقتصادية.
ويقول آزا إبراهيم، رئيس تحرير شبكة “كي إن إن” الإعلامية، إن كثرة المؤسسات الإعلامية لا تعني بالضرورة وجود تنوع حقيقي في المحتوى أو الملكية، مشيراً إلى أن جزءاً مهماً من السوق الإعلامية يرتبط بشكل أو بآخر بالقوى السياسية الرئيسية في الإقليم.
ويرى أن غياب الشفافية المالية يجعل من الصعب رسم صورة دقيقة لحجم الإنفاق الإعلامي أو طبيعة مصادر التمويل.
وبين هذين الرأيين يبقى السؤال مفتوحاً: هل استطاع الإعلام في كردستان العراق أن يحافظ على دوره بوصفه سلطة رقابية مستقلة، أم أن الاستقطاب السياسي والمال السياسي أعادا رسم حدود هذا الدور؟
ربما لا توجد إجابة واحدة على هذا السؤال، لكن المؤكد أن مستقبل الإعلام في الإقليم سيظل مرتبطاً بقدرته على تحقيق توازن صعب بين الاستدامة المالية والاستقلال المهني، وبين التعددية السياسية ومتطلبات العمل الصحفي الحر.
حول هذه القصة
عمل المرأة في المؤسسات الأمنية العراقية يعد من القضايا الجدلية ( الصحافة العراقية)
كيف ينظر المجتمع العراقي إلى عمل المرأة أمنيا؟ دراسة ميدانية
أبريل 29, 2026
الدوائر البحثية الغربية ترى أن إيران تفاوض دون تنازل، وتستعد للحرب دون تراجع (ذكاء اصطناعي- كانفا)