بينما وصل مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى موسكو بحثاً عن مخرج للحرب في أوكرانيا، كانت عواصم أوروبية تناقش سؤالاً أكثر قتامة: ماذا لو لم تنته الحرب سريعاً، وانتقلت المواجهة مع روسيا إلى استنزاف طويل يشمل المسيّرات والتخريب والهجمات الإلكترونية والبنية التحتية؟
تقارير ترسم صورة لحرب تتغير على مستويين في الوقت نفسه: مساعٍ دبلوماسية للتوصل إلى تسوية، وفي المقابل سباق عسكري وأمني سريع تتعلم فيه روسيا من ساحة القتال وتضغط على أوروبا بوسائل تقع تحت عتبة الحرب التقليدية.

1- مبعوثا ترامب في موسكو.. محاولة جديدة لوقف الحرب
وصل المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو، السبت 5 سبتمبر/أيلول، لإجراء محادثات بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا.
وبحسب «رويترز»، استقبلهما المبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف، فيما أعلن الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين سيجتمع بهما في وقت لاحق.
ومن المقرر، وفق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن ينتقل المبعوثان إلى أوكرانيا الأحد بعد انتهاء محادثاتهما في موسكو.
وتأتي الزيارة وسط مؤشرات تهدئة محدودة، بينها أمر روسي بعدم استهداف كييف لمدة ثلاثة أيام، لكن الكرملين شدد في الوقت نفسه على أن شروط بوتين لإنهاء الحرب لم تتغير، واصفاً إياها بأنها «ثابتة».
وهذا يعني أن وجود قناة تفاوضية لا يعني حتى الآن حدوث اختراق حقيقي في المواقف الأساسية للطرفين.
ورفض المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف الإعلان مسبقاً عن موعد زيارة ويتكوف وكوشنر، وقال للصحفيين:«لن أعلن شيئاً مسبقاً، لكن عندما تجري هذه الاتصالات سنبلغكم بذلك».
في أواخر يوليو/تموز، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن ويتكوف وكوشنر سيزوران أوكرانيا «خلال الأيام المقبلة».
وفي وقت لاحق، أفادت شبكة «يورونيوز» بأن مسؤولين ناقشوا احتمال تزامن الزيارة مع عيد استقلال أوكرانيا في 24 أغسطس/آب، لكن أياً من الطرفين لم يؤكد ذلك.
وفي 21 أغسطس/آب، ذكرت شبكة «تي إس إن» الأوكرانية، نقلاً عن مصادر، أن المسؤولين الأميركيين لم يكونا قد أكدا بعد زيارتهما إلى كييف.
أما في يونيو/حزيران، فقال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتفقا على أن يزور كوشنر وويتكوف روسيا «في المستقبل القريب».
وفي نهاية أغسطس/آب، وصف بيسكوف ممثلي ترامب بأنهما «ضيفان مرحب بهما في موسكو»، لكنه قال حينها إنه لا تتوافر معلومات دقيقة عن موعد وصولهما.
وفي الأول من سبتمبر/أيلول، نقلت وكالة «تاس» عن مصدر أن ويتكوف وكوشنر يكثفان تحركاتهما المتعلقة بالتوصل إلى تسوية للحرب في أوكرانيا.
لكن بيسكوف، عندما سئل عن ذلك، قال إنه «لا توجد تفاصيل محددة حتى الآن».

2- أوروبا تخشى حرباً لا تستطيع تحملها طويلاً
بالتزامن مع التحرك الدبلوماسي، تكشف «الغارديان» عن مخاوف متزايدة داخل الأوساط الدفاعية الأوروبية من أن القارة ليست مستعدة حالياً لخوض حرب استنزاف طويلة مع روسيا.
وفي نقاشات ضمن منتدى عقده مؤتمر ميونيخ للأمن، قال مسؤولون ودبلوماسيون إن أحد أكبر مواطن الضعف ليس السلاح وحده، بل مدى استعداد المجتمعات الأوروبية لتحمل حرب طويلة وتكاليفها الاقتصادية والاجتماعية.
ويعتقد بعض مخططي الدفاع أن هذا الواقع قد يدفع حلف شمال الأطلسي إلى التفكير في كيفية حسم أي مواجهة محتملة بسرعة، بدلاً من الاعتماد على القدرة على الاستمرار سنوات في حرب استنزاف.
3- المشكلة ليست حرباً تقليدية فقط
الأوروبيون لا ينتظرون بالضرورة دخول دبابات روسية أراضي حلف شمال الأطلسي.
المخاوف المتزايدة تتعلق بما يسمى «الحرب الهجينة» أو «حرب المنطقة الرمادية»: هجمات إلكترونية، وتخريب، وعمليات تضليل، ومسيّرات، واستهداف بنى تحتية، وأنشطة سرية يصعب أحياناً إثبات الجهة المسؤولة عنها بصورة فورية.
الفكرة الروسية، وفق محللين ومسؤولين غربيين، هي ممارسة الضغط وإرباك الخصوم من دون تجاوز العتبة التي تستدعي حرباً عسكرية مفتوحة مع الناتو.
4- ألمانيا تقول إنها هدف يومي لـ«حرب هجينة»
أصبحت ألمانيا في قلب هذه المخاوف بعد اتهامها روسيا بالمسؤولية عن محاولة هجوم في 4 أغسطس/آب باستخدام مسيّرة محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ/هاله، وهو مركز مهم للشحن الجوي وتستخدمه أيضاً عمليات مرتبطة بأوكرانيا.
وقالت برلين إن تقييم الشرطة والاستخبارات وطبيعة المسيّرة والمتفجرات وتقنيات التفجير دفعها إلى تحميل روسيا المسؤولية.
لكن موسكو نفت الاتهامات ووصفتها بأنها مفبركة.
وفي موازاة ذلك، تحقق السلطات الألمانية في حوادث يشتبه بأنها تخريب استهدف منشآت كهرباء. ولم تنسب ألمانيا هذه الحوادث الأخيرة إلى روسيا، وهو فارق مهم، إذ يشدد مسؤولون وخبراء على ضرورة عدم تحميل موسكو المسؤولية قبل وجود أدلة كافية.
ومع ذلك، لخّصت الحكومة الألمانية موقفها بعبارة لافتة: «ألمانيا ليست في حالة حرب، لكنها هدف يومي للحرب الهجينة».
5- قوة أوروبية أكبر مع تراجع الدور الأميركي؟
تزداد هذه المخاوف أهمية مع توقع قرارات أميركية خلال الأشهر المقبلة قد تقلص الالتزام الأميركي بالدفاع التقليدي عن أوروبا.
ولهذا يناقش الأوروبيون تعزيز التعاون بين خمس من القوى العسكرية الرئيسية في القارة، في إطار يعرف بمجموعة «إي 5»، بما يشمل بريطانيا رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي.
المجالات المطروحة للتعاون تشمل الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، وأنظمة الإنذار المبكر الفضائية، وهي قدرات تعتمد أوروبا في أجزاء مهمة منها على الولايات المتحدة.
ويرى رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن فولفغانغ إيشينغر أن أوروبا تواجه تحديات «وجودية» بينما لا يزال اندماجها الدفاعي يتحرك ببطء.
6- بحر البلطيق يصبح خط مواجهة جديداً
ألمانيا تريد أيضاً تشكيل قوة استجابة سريعة في منطقة بحر البلطيق، تسمح للدول بتبادل المعلومات بصورة أسرع والتنسيق في مواجهة المسيّرات والتخريب والهجمات الإلكترونية وحملات التضليل والاعتداءات على البنية التحتية.
تكتسب المنطقة أهمية خاصة بسبب خطوط الكهرباء والاتصالات والكابلات البحرية وخطوط الأنابيب والشحن.
وكان حلف شمال الأطلسي قد أطلق بالفعل مهمة «حارس البلطيق» لتعزيز حماية البنية التحتية تحت البحر، بينما اتفقت ثماني دول أوروبية في فبراير/شباط على تسريع دمج تقنيات جديدة في عمليات الأمن البحري.
7- الخوف الأوروبي ليس من السلاح الروسي وحده
تكشف «الغارديان» عن بعد سياسي للمشكلة.
فالمسؤولون الأوروبيون يخشون أن تستفيد موسكو من تصاعد الأحزاب الشعبوية واليمينية التي تتبنى مواقف أكثر تقارباً مع روسيا أو تدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا سريعاً.
ويعتقد بعض المسؤولين أن روسيا قد تستخدم الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل أوروبا لتقليص استعداد الرأي العام لتحمل تكاليف الدفاع.
وهنا يصبح التضليل السياسي والتأثير في الرأي العام جزءاً من الصراع، وليس مجرد قضية جانبية.
Since acquiring the original design from Iran, Russia has treated the Geran as a base platform for unprecedented wartime iteration. @csis_ai experts trace the drone’s evolution and draw lessons for U.S. policymakers.
Interact with the drone features here: https://t.co/GFBieh9vlM pic.twitter.com/na1NM1Wy9a
— CSIS (@CSIS) September 4, 2026
8- وفي أوكرانيا.. روسيا تعيد اختراع «شاهد»
بينما يدور هذا الصراع السياسي والأمني في أوروبا، تكشف دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن تحول كبير في أحد أشهر أسلحة الحرب: المسيّرة الإيرانية «شاهد-136».
حصلت روسيا على المسيّرات الإيرانية عام 2022، ثم بدأت إنتاج نسختها المحلية تحت اسم «غيران».
لكن أهم ما حدث بعد ذلك، بحسب الدراسة، هو أن الروس لم يتعاملوا معها كسلاح ذي تصميم ثابت، بل كمنصة تجريبية يمكن تعديلها باستمرار أثناء الحرب.
9- روسيا لم تعد تصنع نسخة إيرانية فقط
في البداية، كانت «غيران» قريبة جداً من «شاهد» الإيرانية من حيث الهيكل والمحرك والملاحة والرأس الحربي.
لكن روسيا أنشأت خطوط إنتاج محلية، أبرزها في ألابوغا بتتارستان ومصنع آخر في إيجيفسك.
وبمرور الوقت استُبدلت مكونات إيرانية بأخرى روسية وصينية، من المحركات إلى أجهزة الملاحة والاتصالات والرؤوس الحربية.
وهكذا أصبحت «غيران» أقل اعتماداً على إيران، وأكثر ارتباطاً بقاعدة صناعية روسية وبسلاسل توريد تشمل مكونات تجارية صينية.
10- حرب إلكترونية: أوكرانيا تشوش وروسيا تعدّل
أصبحت الحرب الإلكترونية مثالاً واضحاً على سرعة هذا التطور.
عندما حسنت أوكرانيا قدرتها على التشويش على إشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية، بدأت روسيا بإضافة أنظمة استقبال أكثر قدرة على مقاومة التشويش.
ومع كل تحسن في الدفاعات الأوكرانية، ظهرت نسخ جديدة تضم عدداً أكبر من الهوائيات وتصاميم مختلفة، بينها مكونات روسية وصينية.
وتقول الدراسة إن هذه العملية أصبحت أشبه بسباق دائري سريع:
أوكرانيا تطور وسيلة دفاع → روسيا تختبر حلاً → يرسل إلى الجبهة → إن نجح يُعمم على الإنتاج.
وأحياناً يتم ذلك خلال أسابيع فقط.
11- من مسيّرة «أطلق وانسَ» إلى طائرة يسيطر عليها مشغّل
كانت النسخة الأولى تطير إلى إحداثيات مبرمجة مسبقاً من دون قدرة حقيقية على التواصل مع المشغّل أثناء الرحلة.
لكن الروس بدأوا تركيب أجهزة اتصال خلوية وكاميرات وحواسيب صغيرة عليها.
وتطورت التجارب لاحقاً إلى شبكات راديوية تسمح للمسيّرات بالتواصل مع بعضها والعمل كمرحلات لنقل الإشارات.
والنتيجة، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن بعض نسخ «غيران» تحولت من ذخيرة تتجه إلى هدف ثابت إلى منصة يستطيع المشغّل مراقبتها والتحكم بها وإعادة توجيهها أثناء المهمة.
12- كاميرات وصواريخ ومسيّرات فوق المسيّرة
التطوير لم يتوقف عند الملاحة.
ظهرت نماذج مزودة بكاميرات للرؤية والبحث عن الأهداف، وأخرى تحمل صواريخ جو-جو لمواجهة المروحيات والمسيّرات الاعتراضية.
وفي إحدى أكثر التجارب غرابة خلال 2026، ظهرت «غيران» تحمل مسيّرتين صغيرتين يمكن إطلاقهما أثناء الطيران.
وبذلك تحولت المسيّرة نفسها إلى ما يشبه «حاملة مسيّرات» صغيرة.
13- رؤوس حربية أثقل وسرعة أكبر
طورت روسيا كذلك أنواعاً مختلفة من الرؤوس الحربية، بينها شديدة الانفجار والتشظي والحارقة والحرارية.
ثم ظهر تحدٍ آخر: المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية أصبحت أكثر قدرة على مطاردة «غيران».
كان الرد الروسي زيادة السرعة.
بدأت روسيا باستخدام محركات نفاثة بدلاً من المحركات المكبسية التقليدية، ما أدى إلى تطوير «غيران-3» التي تصل سرعتها إلى نحو 480 كيلومتراً في الساعة.
لكن الهيكل الإيراني الأصلي وصل إلى حدود قدرته على تحمل السرعات والمناورات الأعلى.
Russian Geran-4 drones DIVE into cargo ships used to resupply Kiev’s run-down army across Odessa region ports — MoD pic.twitter.com/rlSVyq9gS4
— RTRussia (@RT_Russia_) September 5, 2026
14- «غيران-4» و«غيران-5».. الخروج من قالب «شاهد»
في 2026، انتقلت روسيا إلى خطوة أكبر، فطورت «غيران-4» و«غيران-5».
الأولى حافظت جزئياً على التصميم المثلثي المعروف لكن بهيكل أقوى وأكثر انسيابية، فيما تخلت «غيران-5» بصورة أكبر عن الشكل الأصلي وأصبحت أقرب إلى صاروخ كروز.
وتشير الدراسة إلى أن روسيا أوقفت في أغسطس/آب إنتاج «غيران-3» مع إعادة توجيه خطوط الإنتاج نحو النماذج الأحدث.
وهكذا بات السلاح الذي بدأ نسخة من مسيّرة إيرانية شيئاً مختلفاً بصورة متزايدة.
15- ما الذي يقلق الأميركيين في التجربة الروسية؟
المثير للاهتمام في دراسة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ليس القول إن روسيا صنعت أفضل مسيّرة في العالم.
على العكس، يصف الباحثون «غيران» بأنها سلاح بسيط نسبياً من الناحية التقنية.
لكنهم يرون أن ميزة روسيا تكمن في سرعة التعلم.
فهي تسمح بإجراء تعديلات بدائية، مثل أجهزة مثبتة بشريط لاصق أو قطع مطبوعة بطابعات ثلاثية الأبعاد أو إلكترونيات تجارية. ثم تُختبر مباشرة في الحرب.
إذا نجحت الفكرة، تدخل خط الإنتاج بسرعة. وإذا فشلت، يتم التخلص منها.
وفي إحدى الحالات التي تستشهد بها الدراسة، كانت قطعة ملاحة قد رُكبت في مسيّرة قبل أسبوع واحد فقط من إسقاطها في أوكرانيا، ما يوحي بسرعة انتقال بعض المعدات من المصنع إلى الجبهة.
16- السؤال الأميركي: هل يستطيع البنتاغون العمل بهذه السرعة؟
وهنا تصل الدراسة إلى رسالتها الأساسية.
المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليست عدم امتلاك التكنولوجيا، وإنما أن منظومتها العسكرية والصناعية تعتمد إجراءات اختبار وتأهيل وعقوداً وموافقات أكثر صرامة.
هذه الإجراءات لها أسباب تتعلق بالسلامة والجودة والمساءلة، لكنها تجعل تعديل سلاح موجود ونشر نسخة جديدة منه خلال أسابيع أكثر صعوبة.
أما النموذج الروسي فيقبل المخاطرة والفشل والتجريب أثناء الحرب مقابل سرعة التطوير.
من موسكو إلى الجبهة.. حرب على مسارين
المفارقة أن كل هذه التطورات تحدث بينما يحاول الأميركيون التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.
ففي موسكو يجلس مبعوثا ترامب إلى طاولة المفاوضات، بينما تستعد أوروبا لاحتمال أن تستمر المواجهة مع روسيا حتى بعد توقف المعارك المباشرة في أوكرانيا.
والصورة التي ترسمها هذه التقارير هي أن التحدي الروسي لم يعد يُقاس فقط بعدد الدبابات أو الصواريخ، بل أيضاً بسرعة تحويل خبرة الحرب إلى سلاح جديد، وبالقدرة على استخدام المسيّرات والتخريب والهجمات الإلكترونية والمعلوماتية للضغط على خصوم موسكو من دون الدخول في حرب شاملة معهم.
لذلك قد يكون السؤال الذي تواجهه أوروبا والولايات المتحدة اليوم أكبر من مجرد: متى تنتهي حرب أوكرانيا؟
السؤال هو: إذا انتهت المعارك، فهل تنتهي معها المواجهة مع روسيا؟
المصادر/ «رويترز» – «الغارديان» – «فوكس نيوز» – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن







