طغت المراسم والحفاوة الدبلوماسية على زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، فيما بقيت النتائج العملية للقمة محدودة حتى مساء الخميس، بحسب “بلومبرغ“.
وتقول الوكالة إن استقبال ترامب لنظيره الصيني اتسم بـالكثير من المظاهر الاحتفالية والعبارات الودية، مقابل عدد قليل من الإعلانات الجوهرية. والمفارقة أن أهم نتيجة مرتبطة بالقمة أُعلنت حتى قبل بدء المحادثات رسمياً.
فمع هبوط طائرة شي في واشنطن، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الولايات المتحدة والصين اتفقتا على تمديد الهدنة التجارية بينهما شهرين إضافيين.
وهذا يعني، عملياً، أن القمة نجحت حتى الآن في منع عودة فورية للتصعيد التجاري، لكنها لم تنتج اتفاقاً واسعاً يعالج جذور النزاع الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم.

عشاء الدولة.. الدبلوماسية تصل إلى المائدة
ركزت «نيويورك تايمز» على الجانب الرمزي للزيارة، وتحديداً عشاء الدولة الذي أقامه ترامب والسيدة الأولى ميلانيا ترامب تكريماً لشي جين بينغ في القاعة الشرقية للبيت الأبيض.
ولم تكن قائمة الطعام مجرد تفصيل بروتوكولي؛ إذ قال البيت الأبيض إن الأطباق اختيرت بحيث تعتمد على مكونات أميركية مع «تأثير صيني خفيف»، في محاولة للجمع بين تقاليد الطهي في البلدين.
وضمت الوجبة الرئيسية سمك القاروص المغطى بالسمسم مع الملفوف الصيني الصغير، فيما تضمنت المقبلات القرع الأصفر وزيت البصل الأخضر.
أما الحلوى فضمت كريمة الفانيليا مع آيس كريم مصنوع من عسل البيت الأبيض، إلى جانب حلوى بالجوز والكرز الحامض.
الأحمر يحضر بقوة
امتدت الرسائل الدبلوماسية إلى ديكور القاعة أيضاً. فقد غُطيت الطاولات بالأقمشة الحمراء وزُينت القاعة بالزهور الحمراء، في إشارة متعمدة، بحسب الإدارة الأميركية، إلى الأهمية الثقافية للون الأحمر في الصين.
وقال البيت الأبيض إن تصميم الأمسية كان يهدف إلى التعبير عن «الدفء والاحتفال».
لكن أكثر التفاصيل رمزية كان اختيار النبيذ الفوار الذي استُخدم في نخب افتتاح العشاء.
فقد قُدم نبيذ «شرامسبرغ»، وهو نبيذ فوار من كاليفورنيا ارتبط تاريخياً بزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، الزيارة التي دشنت مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية-الصينية.
وبذلك استدعى البيت الأبيض عمداً واحدة من أهم اللحظات التاريخية في مسار التقارب بين واشنطن وبكين.
رسالة نيكسون في خلفية قمة ترامب
الإشارة إلى زيارة نيكسون تحمل دلالة تتجاوز اختيار المشروب. ففي عام 1972، ساعدت زيارة نيكسون إلى بكين في إنهاء عقود من القطيعة بين الولايات المتحدة والصين وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل العلاقات بين البلدين.
استحضار تلك اللحظة في عشاء شي يمكن فهمه بوصفه رسالة رمزية عن أهمية إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، حتى في وقت تتنافس فيه واشنطن وبكين على التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والنفوذ الجيوسياسي.
الموسيقى جزء من المشهد
تولى مغني الأوبرا الأميركي كريستوفر ماكيو صدارة البرنامج الموسيقي خلال العشاء، إلى جانب موسيقيين من الجيش الأميركي ومشاة البحرية.
وبذلك اكتمل المشهد الذي أراد البيت الأبيض تقديمه: عشاء رسمي، ورموز صينية، وإشارة تاريخية إلى نيكسون، وموسيقى عسكرية أميركية.

لكن ماذا حققت القمة فعلياً؟
هنا تبدو خلاصة «بلومبرغ» أكثر أهمية من تفاصيل العشاء: الحفاوة كانت أكبر من الحصيلة السياسية حتى الآن.
فالإنجاز الأكثر وضوحاً هو تمديد الهدنة التجارية شهرين. أما القضايا الكبرى التي تحدد مستقبل العلاقات الأميركية-الصينية فلم تظهر، في النصين اللذين أرسلتهما، مؤشرات على حدوث اختراق جوهري بشأنها.
من جهتها ترى مجلة ” ذي إيكونوميست” أن زيارة الرئيس الصيني إلى واشنطن حملت رمزية دبلوماسية أكبر بكثير من النتائج السياسية والاقتصادية التي خرجت بها المحادثات. فقد حرص الرئيس دونالد ترامب على استقبال ضيفه بطريقة استثنائية، لكن قائمة الاتفاقات المعلنة ظلت محدودة.
- استقبال نادر في المطار
كان أبرز مشاهد الزيارة استقبال ترامب شخصياً لشي جين بينغ عند وصوله إلى قاعدة أندروز قرب واشنطن في 23 سبتمبر. وتصف «الإيكونوميست» ذلك بأنه حدث استثنائي في البروتوكول الأميركي، فيما يؤكد موقع أكسيوس أن استقبال رئيس أميركي لزعيم أجنبي في المطار بات ممارسة نادرة للغاية في العقود الأخيرة.
وجاءت الحفاوة الأميركية بعد زيارة ترامب إلى بكين في مايو/أيار الماضي. وتشير المجلة إلى أن مستوى المراسم الذي وفرته واشنطن هذه المرة تجاوز ما قدمته بكين لترامب، وترى في ذلك انعكاساً لحرص الرئيس الأميركي على إبقاء علاقته الشخصية مع شي مستقرة.

- الكثير من المراسم.. والقليل من الاختراقات
تضمن برنامج الزيارة عشاء دولة في البيت الأبيض، ولقاءً خاصاً، إضافة إلى برنامج رسمي رفيع المستوى. لكن المفارقة، وفق قراءة «الإيكونوميست»، هي أن ضخامة الاستقبال لم تقابلها إنجازات سياسية بالحجم نفسه.
- أهم نتيجة: تمديد الهدنة التجارية
أبرز نتيجة عملية كانت تمديد الهدنة الاقتصادية والتجارية بين واشنطن وبكين، التي كانت مقررة أن تنتهي في نوفمبر/تشرين الثاني.
وكانت الهدنة قد أوقفت جولة من التصعيد المتبادل، استخدمت فيها إدارة ترامب الرسوم الجمركية، فيما لجأت الصين إلى القيود على تصدير المعادن والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد حيوية لصناعات التكنولوجيا والدفاع.
بكين، بحسب المقال، كانت تريد تمديد الهدنة حتى نهاية ولاية ترامب، لكن الطرفين توصلا في النهاية إلى تمديدها شهرين فقط، حتى 10 يناير/كانون الثاني 2027. وتؤكد أسوشيتد برس أيضاً الاتفاق على تمديد الهدنة التجارية شهرين، بما يعني عملياً تأجيل الخلافات بدلاً من تسويتها.
- الخلافات الكبرى بقيت بلا حل
خلف أجواء الاستقبال، بقيت ملفات استراتيجية ثقيلة بين القوتين. ومن بينها التجارة والرسوم الجمركية، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وتايوان، والقيود على الصادرات، إضافة إلى ملفات جيوسياسية من بينها إيران.
وكان ترامب قد قال إن الذكاء الاصطناعي سيكون موضوعاً مهماً في محادثاته مع شي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى رغبته في إبقاء الوضع الحالي إلى حد كبير على حاله.
أما بكين فتسعى، بحسب أسوشيتدبرس، إلى وقف دائم لمبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان وتخفيف القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتطورة، بينما تريد واشنطن تعاوناً صينياً أكبر في قضايا أخرى، بينها إيران.
- الباندا.. الاتفاق الآخر اللافت
تلفت ” ذي إيكونوميست” بسخرية إلى أن الاتفاق الجديد الآخر المعلن في اليوم الأول لم يكن متعلقاً بالتجارة أو تايوان أو التكنولوجيا، وإنما موافقة الصين على إرسال اثنين من دببة الباندا العملاقة إلى حديقة حيوان في أتلانتا.
وتستخدم المجلة هذه المفارقة للتأكيد على فكرتها الرئيسية: المشهد الدبلوماسي كان كبيراً، بينما حصيلة الاتفاقات المعلنة كانت محدودة.

ماذا تعني القمة؟
يمكن قراءة القمة، استناداً إلى ما هو معلن حتى الآن، باعتبارها محاولة لإدارة المنافسة الأميركية-الصينية ومنع تحولها إلى مواجهة اقتصادية جديدة أكثر منها محاولة لحل أسبابها. وهذا يتفق أيضاً مع تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قبل القمة، رأى أن الزيارة ستكون ثقيلة بالرمزية وتهدف إلى بناء الاستقرار، لكن من دون توقع تقدم جوهري في القضايا الخلافية.
فالهدنة التجارية مُددت، لكنها لم تتحول إلى اتفاق طويل الأمد؛ والخلاف بشأن التكنولوجيا وتايوان والمعادن النادرة ما زال قائماً؛ في حين يبدو أن الطرفين يريدان، في الوقت الراهن، إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وتجنب انفجار جديد في العلاقة.
وتخلص المجلة إلى أن القمة نجحت في شراء مزيد من الوقت والمحافظة على الهدوء النسبي بين أكبر اقتصادين في العالم، لكنها لم تقدم حتى الآن تسوية للخلافات الهيكلية بينهما.