هدنة بلا أفق… لماذا مدّد ترامب وقف النار مع إيران رغم التهديد بالتصعيد؟

أبريل 22, 2026
125

ترامب يحاول تحقيق معادلة صعبة: الضغط على إيران اقتصاديًا وعسكريًا دون الانزلاق إلى حرب جديدة (البيت الأبيض)

في لحظة بدت فيها واشنطن أقرب إلى استئناف الضربات العسكرية، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسارًا مختلفًا: تمديد وقف إطلاق النار مع إيران دون تحديد سقف زمني واضح.

القرار، الذي جاء وسط تعثر المفاوضات وصمت إيراني لافت، يعكس مزيجًا معقدًا من الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، ويكشف في الوقت ذاته عن عمق الانقسام داخل طهران، وحدود الضغط الأميركي في واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط المعاصرة.

 التطورات الأخيرة تشير إلى أننا لسنا أمام مجرد “هدنة محارب”، بل أمام محاولة أميركية لاستغلال التصدعات العميقة في هيكل السلطة الإيراني لإجبار طهران على “اتفاق شامل” ينهي الصراع الذي بات يهدد بتدشين أكبر أزمة طاقة في التاريخ الحديث.

ويكشف موقع أكسيوس الأميركي اللحظات الأخيرة قبل اتخاذ قرار تمديد وقف إطلاق النار، ويقول إنه “بعد ظهر يوم الثلاثاء، اجتمع ترامب مع فريق الأمن القومي الخاص به: ناائبه جي دي فانس، ومبعوثيه إلى المنطقة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وزير الخارجية ماركو روبيو، وزير الدفاع بيت هيغسيث، مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف، رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين ومسؤولين رفيعي المستوى آخرين.

وعند الدخول (إلى الاجتماع)، لم يكن بعض مستشاري ترامب أنفسهم يعرفون نحو أي اتجاه يميل: ضربة هائلة للبنية التحتية للطاقة في إيران، أم مزيد من الوقت للدبلوماسية. لقد اختار الأخير في نهاية المطاف.

أولاً: لماذا فضّل ترامب التمديد بدل التصعيد؟

رغم تهديده السابق باستئناف القصف، اختار ترامب تمديد الهدنة لمنح الدبلوماسية فرصة إضافية.

القرار يعكس رغبة واضحة في تجنب حرب طويلة وغير شعبية داخليًا، خاصة مع تأكيده المتكرر أن الولايات المتحدة “حققت أهدافها العسكرية”.

بعض مستشاريه رأوا أن الضغوط الحالية كافية (خصوصًا الحصار البحري)، ولا حاجة لتصعيد فوري.

في المقابل، حذّر آخرون من أن التمديد قد يمنح إيران وقتًا للمماطلة وإعادة ترتيب أوراقها.

وشهد الموقف الأميركي تذبذباً حاداً يعكس صراعاً داخلياً بين خياري الحسم العسكري ومنح الدبلوماسية فرصة أخيرة:

تراجع تكتيكي: بعد تصريح ترامب بأنه “يتوقع البدء بالقصف”، فاجأ الجميع بتمديد وقف إطلاق النار استجابة لوساطة باكستانية قادها رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير (الغارديان).

معضلة الطائرة الجاثمة: كشف موقع شبكة سي إن إن الأميركي عن ساعات من التوتر في واشنطن، حيث ظل جي دي فانس نائب الرئيس  ينتظر على مدرج القاعدة الجوية بانتظار إشارة من طهران، لكن “الصمت الإيراني المريب” حال دون إقلاع الطائرة نحو إسلام آباد.

رغبة في إنهاء الحرب: يرى محللون أن ترامب، رغم نبرته الاستعلائية، سئم الحرب ويرغب في الخروج من نزاع غير شعبي، شريطة الحصول على اتفاق “عظيم” لا يشبه اتفاق الرئيس السابق بارااك أوباما عام 2015، بحسب موقع أكسيوس.

أكسيوس ترى أن صمت مجتبى خامنئي يربك المسؤولين الإيرانيين (تنسيم)
أكسيوس ترى أن صمت مجتبى خامنئي يربك المسؤولين الإيرانيين (تنسيم)

ثانياً: صمت طهران وانقسامها… عقدة التفاوض الأساسية

واجهت الإدارة الأميركية ما وصفته بالانقسام و”الصمت شبه الكامل” من الجانب الإيراني قبل جولة مفاوضات جديدة كانت مقررة في إسلام آباد، مما  جعل من الصعب على الأميركيين تحديد ما إذا كان هناك طرف إيراني قادر فعليًا على اتخاذ قرار نهائي.

وتجمع المصادر الصحفية على أن “الشرخ” في القيادة الإيرانية هو العقبة الكبرى أمام أي تسوية:

صمت المرشد: تشير تقارير “أكسيوس” و”سي إن إن” إلى أن المرشد الجديد “مجتبى خامنئي” يلتزم صمتاً مطبقاً أو بالكاد يتواصل، وجنرالات الحرس الثوري الإيراني الذين يسيطرون الآن على البلاد والمتفاوضون المدنيون الإيرانيون على خلاف علني بشأن الاستراتيجية.”

صراع الحرس والمفاوضين: برز انقسام حاد بين قادة الحرس الثوري الذين يرفضون تقديم تنازلات، وبين الفريق التفاوضي بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وبحسب أكسيوس، فإن اغتيال علي لاريجاني في مارس/ آذار الماضي دمر “حلقة الوصل” التي كانت تضبط عملية صنع القرار.

مهلة الأيام الخمسة: كشف مسؤولون لموقع أكسيوس أن ترامب منح طهران مهلة تتراوح بين 3 إلى 5 أيام فقط لتوحيد موقفها وتقديم مقترح موحد، مؤكداً أن الصبر الأميركي ليس مفتوحاً.

الرسالة واضحة:

إما العودة إلى طاولة المفاوضات بسرعة

أو عودة الخيار العسكري إلى الواجهة

ثالثاً: الحصار البحري.. السلاح الذي يعوض القصف

في الوقت الذي توقفت فيه الغارات، استمر “الخنق الاقتصادي” كأداة ضغط رئيسية:

تجفيف السيولة: يؤكد ترامب ووزير خزانته أن الحصار سيستمر حتى تفرغ خزائن إيران من “الكاش” وتتوقف آبار النفط عن العمل (الغارديان).

حرب المضيق: يسخر ترامب من تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز، معتبراً أنها تريد فتحه بشدة لجني الأموال لكن الحصار الأمريكي يمنعها، وما تهديداتها إلا محاولة لـ “حفظ ماء الوجه”، بحسب أكسيوس.

القرصنة والسيادة: وصفت طهران التحركات الأمريكية واعتراض السفن في المحيط الهندي بأنها “إرهاب دولة”، معتبرة أن الحصار لا يختلف عن القصف العسكري، بحسب موقع سي إن إن .

رابعا: أزمة ثقة وتصعيد في الخطاب

ردود طهران جاءت حادة، إذ اعتبر مسؤولون إيرانيون أن:

“الطرف الخاسر لا يفرض شروطًا”

وأن استمرار الحصار “يعادل القصف ويستدعي ردًا عسكريًا”

كما شككت إيران في نوايا واشنطن، معتبرة التمديد مناورة لكسب الوقت أو التحضير لضربة مفاجئة.

خامسا: نقاط الخلاف الجوهرية ما زالت عالقة

المفاوضات لا تزال تصطدم بملفات شائكة، أبرزها:

مستقبل برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني

مصير المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب

حجم العقوبات التي سيتم رفعها

النفوذ الإقليمي الإيراني ودعم الحلفاء

سادساً: التداعيات العالمية والأزمة الوجودية

زلزال الطاقة: حذر رئيس وكالة الطاقة الدولية من أن هذه المواجهة، مع إغلاق المضيق الذي يمر عبره 20% من طاقة العالم، خلقت “أكبر أزمة في تاريخ أسواق الطاقة العالمية”، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

تصفية القوة: ويرى موقع أكسيوس أن ترامب يتبجح بأنه قضى على القوات البحرية والجوية الإيرانية وعلى قيادات الصف الأول، مما يجعل إيران بلا خيارات سوى “الاستسلام” على طاولة المفاوضات.

تمديد الهدنة لم يكن خطوة نحو السلام بقدر ما هو إدارة مؤقتة للأزمة.

ترامب يحاول تحقيق معادلة صعبة:

الضغط على إيران اقتصاديًا وعسكريًا

دون الانزلاق إلى حرب جديدة

لكن المعادلة تبقى هشة:

انقسام طهران يعقّد التفاوض

وتمسك واشنطن بشروطها يحدّ من فرص التفاهم

وتخلص تقارير أكسيوس وسي إن إن والغادريان إلى أن الأزمة الإيرانية-الأميركية تقف حالياً على ركيزتين هشّتين: حصار بحري خانق من جهة، وفراغ سياسي في طهران من جهة أخرى. تمديد وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب ليس تنازلاً، بل هو “اختبار نهائي” لقدرة طهران على إنتاج قرار موحد في ظل صمت “المرشد” وتصاعد نفوذ جنرالات الحرس الثوري.

وإذا لم تنجح الوساطة الباكستانية في جلب وفد إيراني مفوض إلى إسلام آباد خلال الأيام القليلة القادمة، فإن “الخيار العسكري” الذي أرجأه ترامب سيعود للطاولة بقوة، مما قد يتحول وقف إطلاق النار من فرصة دبلوماسية إلى مجرد استراحة قصيرة قبل جولة تصعيد جديدة.

حول هذه القصة

تصريحات ترامب المفاجئة تربك صفقة إنهاء حرب إيران

ألغام مضيق هرمز… سلاح رخيص قد يشلّ العالم في ساعات

هدنة على حافة الانفجار… إيران ترفض التفاوض وترامب يتوعد

اترك تعليقاً