بينما تتحدث واشنطن عن تقدم في المفاوضات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز، ترفع طهران سقف مطالبها وتربط عودة الملاحة الطبيعية بحزمة واسعة من الشروط، من رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة إلى التعويض عن أضرار الحرب وإنهاء الحصار البحري.
وبحسب مجلة نيوزويك الأميركية، دفعت هذه المطالب وزير الدفاع الأميركي الأسبق مارك إسبر إلى القول إن إيران لا تتصرف كطرف يبحث عن تسوية سريعة، بل كطرف يعتقد أنه أصبح في موقع أقوى على طاولة التفاوض.

لماذا يرى إسبر أن إيران تشعر بأنها تتقدم؟
قال إسبر، الذي شغل منصب وزير الدفاع خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، إن قائمة المطالب الإيرانية الجديدة لا تترك مساحة كبيرة للتسوية، واعتبرها دليلاً على أن طهران أصبحت أكثر ثقة بموقعها التفاوضي.
وبحسبه، فإن الأهم من مضمون الشروط نفسها هو الرسالة التي تعكسها: إيران تعتقد أنها تملك اليد العليا وأنها قادرة على استخدام مضيق هرمز للضغط على الولايات المتحدة وانتزاع تنازلات منها.
ووصف إسبر بعض المطالب بأنها تتجاوز ما يمكن لواشنطن قبوله، ورأى أن إيران باتت تتفاوض من موقع أكثر جرأة.
ماذا تريد طهران؟
بحسب مسؤولين إيرانيين، تشمل الشروط المطروحة لإعادة فتح المضيق بصورة كاملة:
- وقف العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران وحلفائها في المنطقة.
- إنهاء الحصار البحري الأميركي.
- رفع العقوبات المفروضة على طهران.
- انسحاب القوات البحرية والجوية الأميركية من محيط إيران.
- دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران خلال الحرب.
- الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
وتقول طهران إن هذه المطالب تمثل حقوقاً أساسية لا يمكن التراجع عنها، سواء في الحرب أو في المفاوضات.
اتفاق عُمان يقترب.. لكن ليس نهاية الأزمة
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الاتفاق مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة عبر مضيق هرمز أصبح في «مراحله النهائية».
لكن هذا الاتفاق، وفق الموقف الإيراني، لا يعني بالضرورة عودة المضيق إلى العمل الطبيعي فوراً، لأن طهران تربط الفتح الكامل للممر البحري بتلبية مطالبها الأوسع من جانب الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن اتفاقاً فنياً أو مؤقتاً بشأن مسارات السفن قد يكون ممكناً، من دون أن يؤدي تلقائياً إلى تسوية سياسية شاملة.
لماذا يمثل هرمز ورقة قوة كبيرة؟
يمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية نحو خُمس شحنات النفط العالمية، ما يجعله واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم.
ولهذا فإن قدرة إيران على تعطيل الملاحة أو رفع مخاطر المرور فيه تمنحها ورقة ضغط تتجاوز حجم القوة العسكرية التقليدية.
وقال جوشوا تاليس، المسؤول السابق في البحرية الأميركية، إن الهجمات المحدودة نسبياً على السفن التجارية يمكن أن تخلق تأثيراً واسعاً يتجاوز الضرر المباشر، لأن شركات الشحن وشركات التأمين والبحارة يعيدون حساب مخاطر العبور.
وهذا يعني أن عدداً محدوداً من الهجمات يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين، وتغيير مسارات السفن، وتعطيل التجارة العالمية.
هل يمنح اتفاق هرمز إيران انتصاراً استراتيجياً؟
يحذر منتقدون لمقترحات الترتيب الجاري مع عُمان من أن منح إيران دوراً رسمياً في إدارة حركة الملاحة داخل المضيق قد يمثل مكسباً استراتيجياً مهماً لطهران.
فالمسألة، من وجهة نظرهم، لا تتعلق فقط بعودة السفن إلى العبور، بل بمن يملك سلطة تنظيم حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وإذا حصلت إيران على دور رسمي ودائم في هذا الملف، فقد يُنظر إلى ذلك بوصفه اعترافاً عملياً بنفوذها على المضيق.
واشنطن تقول إن إيران تحت الضغط
في المقابل، تقدم إدارة ترامب قراءة مختلفة.
فقد قال نائب الرئيس جي دي فانس إن إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية شديدة وإنها تريد إنهاء الصراع، فيما أكد ترامب مراراً وجود تقدم في المفاوضات.
إسبر يعترف بأن الاقتصاد الإيراني يمر بأزمة حادة، لكنه يرى أن هذا الضعف لم ينعكس حتى الآن على سلوك طهران التفاوضي.
بل يعتقد أن المؤسسة العسكرية الإيرانية لا تزال تمسك بعملية صنع القرار، وأن ذلك يجعل إيران أكثر تشدداً في بعض الملفات.
ولهذا دعا إلى توسيع الضغط الاقتصادي على طهران بمشاركة حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا.
الهجمات الإقليمية تزيد المخاوف
أشار إسبر أيضاً إلى الهجمات الأخيرة في المنطقة، معتبراً أنها توحي بأن الصراع قد يتسع بدلاً من أن ينحسر.
وجاءت تصريحاته بعد إعلان الحوثيين مسؤوليتهم عن هجوم بطائرة مسيرة على مصفاة جازان السعودية، وكذلك بعد اتهام الإمارات لإيران بمهاجمة سفينة مرتبطة بشركة نفط حكومية إماراتية.
وتثير هذه الهجمات مخاوف من أن تؤدي الحرب إلى مزيد من الاضطرابات في أسواق الطاقة والملاحة الإقليمية.
ماذا بعد؟
المحطة المقبلة تتمثل في ما إذا كانت إيران وعُمان ستنجحان في إتمام اتفاق الملاحة، ثم ما إذا كانت طهران ستخفف شروطها أو تتمسك بها بالكامل.
وفي حال بقيت المطالب كما هي، فقد يكون من الصعب الوصول سريعاً إلى اتفاق شامل مع واشنطن.
أما إذا قبلت الولايات المتحدة ترتيبات تمنح إيران دوراً رسمياً في إدارة حركة السفن داخل المضيق، فقد يتجاوز الأمر مجرد تسوية مؤقتة للحرب، ليعيد رسم ميزان النفوذ في الخليج.
الخلاصة التي يطرحها تقرير «نيوزويك» هي أن إيران لا تتفاوض حالياً باعتبارها الطرف الأضعف. سواء كانت هذه القراءة دقيقة أم لا، فإن رفع سقف مطالبها يوحي بأنها تعتقد أن ورقة هرمز منحتها مساحة أكبر للمناورة والضغط على واشنطن.








