أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
دراسات وبحوث

الدين والسلطة والرجل.. كيف تفكك هناء رياض بنية «الذكورية»؟

الدين والسلطة والرجل.. كيف تفكك هناء رياض بنية «الذكورية»؟

صلاح حسن بابان/ إعلامي وكاتب عراقي

بينما تحولت شرفة منزلي إلى ما يشبه “فرنًا ساخنًا مفتوحًا” بسبب حرارة أحد أيام يوليو/تموز، وكانت الطيور تُغرق نفسها في أحواض المياه أمام المنزل، كان الكتاب ذو الغلاف الأسود الذي بين يديّ ساخنًا أيضًا كالشارع، لكن بعنوانه اللاذع والنقدي: “الذكورة خلف الأبواب المغلقة”، وبمضمونه الانفعالي الانتقامي تجاه الرجل أولًا، ثم الدين والسلطة ثانيًا.

ازدادت صفحات الكتاب حرارةً واشتعالًا كلما قلّبتها؛ فقد وُجّه النقد اللاذع إلى الرجل الذي استغل الدين والسلطة والمال والحروب والجنة والنار لمصلحته على حساب تدمير المرأة، وإبادتها نفسيًا وجسديًا ومعنويًا وماديًا من أجل أن تبقى “الذكورة” أو “الذكورية” في المقدمة، ولا بأس أن تبقى “حواء الأنثى” في الخلف دائمًا، فوجودها من عدمه مرتبط بالرجل الذكر حصرًا، وتعود ملكيتها له، وإن تطور الزّمكان واختلف.

“الذكورة خلف الأبواب المغلقة” كتابٌ للكاتبة والإعلامية العراقية هناء رياض. يقع الكتاب في 88 صفحة، وهو من الحجم المتوسط، صادر عن دار نشر ومكتبة أحمد المظفر في بغداد، ورقم إيداعه (963) في دار الكتب والوثائق ببغداد.

الذكورة أم الذكورية؟

على الرغم من أن الكتاب يتبنى أسلوبًا تحليليًا ونقديًا في وقتٍ واحد دون انسلاخ أحدهما عن الآخر في جميع صفحاته، إلا أن الكاتبة تتحول فيه إلى طبيبة باردة ظاهريًا، كأنها تُشرّح جثة بطريقة خالية من أيّ تعاطف إنساني. تُطلق العنان لأدواتها التشريحية من دون أي رحمة وتغرّسها في “جسد الرجل” بنقدها اللاذع ضد السلطة والدين والجنس وغيرها من الظواهر الأخرى، وكيف أصبحت هذه الأدوات في يد الرجل -بصفته ذكرًا- لتحقيق مآربه وغرائزه على حساب تدمير المرأة.

إن خلوّ كتابات الكاتبة من أي تعاطف نقدي أو لغوي تجاه الرجل، وهي توجّه إليه وابلًا من الانتقادات وتحمّله مسؤولية انهيار القيم الأخلاقية، وانتشار الحروب والرذيلة، وضياع الحقوق الإنسانية، وفقدان الهوية، جعلها تقع في الخلط؛ أو بالأحرى لم تفرّق أو تحدد هل الجثة التي تشرحها بأدواتها التحليلية والنقدية الانفعالية تعود إلى “الذكورة” بما تعنيه كجنس بيولوجي وخصائص طبيعية (وقد ذكرتها 45 مرة في الكتاب)، أم “الذكورية” (التي وردت 27 مرة) والمقصود بها الأفكار والسلوكيات الاجتماعية المرتبطة بالهيمنة، وكلاهما صفتان متلازمتان بالرجل.

يتناول الكتاب، بقراءته التحليلية والنقدية الشاملة، مفهوم “الذكورية” السائد في المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ، وكيف خضع الدين والسلطة والجنس والعادات والتقاليد والهوية الإنسانية لإشباع غرائز الرجل وتحقيق طموحاته. مع ذلك، يبدو أن الكاتبة قد ركزت أكثر على “الذكورة” بمعناها الاجتماعي، بدلاً من التركيز على “الذكورية” التي تقصدها في كتابها، في محاولة منها لتفكيك الرؤية الفكرية والتحليلية التي تقدمها بشأن الأبعاد الثلاثة التي تناولها الكتاب: الرجل، والسلطة، والدين.

“الذكورة” سمة إنسانية يمتلكها الرجل بوصفه “كائنًا ذكرًا”، يتميز بصفات وخصائص لا توجد في الكائنات الأخرى. ومع ذلك، تبدو المؤلفة في حيرة من أمرها، إذ تُشير مرارًا وتكرارًا إلى “الذكورة” دون أن تدرك أن المقصود في هذا الكتاب هو “الذكورية” بمعناها الأوسع -أي الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالهيمنة بوصفها ظاهرة بنيوية وسلوكية لا جنسًا بيولوجيًا، وليست “الذكورة” بسمتها الإنسانية.

تؤكد رياض في مواطن عديدة أن مفهومها عن “الذكورية” لا يشير إلى الرجل كجنس أو ككيان بيولوجي، بل تحلله كعقلية ونظام وطريقة تفكير تقوم على إضفاء الشرعية على السلطة والقوة، واعتبار السيطرة فضيلة، وفرض الطاعة، وازدراء الرحمة باعتبارها ضعفًا. ومع ذلك، فهي ترفض بشدة التبرير البيولوجي للعنف الذكوري؛ فالهرمونات الذكرية توفر الطاقة لكنها لا تخلق بوصلة أخلاقية أو أنظمة قمعية، بل إن البيولوجيا تتحول إلى أيديولوجية استبدادية عندما يُسقط المجتمع عليها أدوارًا وسلطات.

ثنائية الدين والسلطة

في هذا الكتاب، تُصرّح الكاتبة بوضوح أنه في مجتمعاتنا البشرية، وراء كل امرأة تُقتل، أو تنتحر، أو تُغتصب، أو ترتكب الزنا، أو تُستعبد، أو تموت، أو تُهجّر، أو تخون، أو تُجهض، يقف رجل ذو عقلية ذكورية سلطوية، يُساعده في ذلك الدين والسلطة والجنس الاجتماعي في فرض هيمنته وذكوريته.

كما تُشير، في معرض نقدها للدين والسلطة، إلى أن السلطة مؤنثة، لكن الطامح إليها رجل؛ وأن الجنة مؤنثة، لكن الرجل يقتل، ويُهجّر، ويغتصب، ويستعبد، ويشنُّ الحروب، ويفعل أي شيء لدخولها؛ وأن النار (الجحيم) مؤنثة، لكن الدين يقول إن أغلب من يدخلونها من النساء؛ وأن الحرب مؤنثة، لكن قائدها ومُفتعلها رجل، وأن السلطة والدين حوّلا مجتمعاتنا إلى ما يُشبه الغابة بلا قوانين إلا تلك التي تخدم الرجل، مُنكرَيْن على النساء أي حقوق إنسانية. وتُجادل بأن الدين والسلطة يُعلّماننا أن الرجل يبقى السيد والحاكم المطلق وصاحب الحق وبيده القرار والمصير حتى وإن كان كائنًا شريرًا، وأن المرأة تبقى خادمة مطيعة له، حتى لو كانت ملاكًا.

وتُحمّل الدين مسؤولية تحويل النصوص الدينية والروحية إلى ما يشبه سياجًا أو جدارًا من الاستبداد والمحظورات التي تخدم الرجل لكونه “ذكرًا”، وتحاول خنق العقول التي تبحث عن الحقيقة أو تكشفها.

وبالمثل، تُشبّه هناء السلطة في كتابها بمسرحية هزلية كتبها وأخرجها وصمم رقصاتها ووزع أدوارها الخوف -خوف الرجل الذكر من الحقيقة والمواجهة- حيث ترتدي “الذكورة” أقنعة زائفة صنعتها السلطة والدين لتجميل صورتها وتغطية عري “العقول الذكورية”.

وترى أن السلطة والدين كلاهما حولا البيت إلى معمل أول للذكورية، يعمل على برمجة الأطفال لا تربيتهم، ويمنح الذكر السلطة ويطالب البنت بالخضوع وتقديم الخدمات فقط من خلال السلطة الصوتية التي تظهر بشكل علني عبر توزيع الأدوار، ويخضع فيه جسد الأنثى ولباسها وضحكاتها للرقابة الشديدة، مقابل منح حرية كاملة لتحركات الذكر.

والحال ذاته مع المدرسة؛ إذ تنتقد دورها في ترسيخ الطاعة بنقلها الممارسات الذكورية إلى المؤسسة التعليمية من خلال رفع قيمة الطاعة إلى مستوى أعلى من التفكير النقدي، ويُستخدم العقاب المباشر أو الإذلال العلني لترسيخ فكرة أن “الجسد لا ينتمي إلى صاحبه بل إلى المؤسسة”؛ وبذلك تكون الأنثى مقيدة، بينما الولد مطلق وحر.

وتنتقد المؤلفة الهيمنة التاريخية للنظام الذكوري في التفسير (تأويل النصوص الدينية) والفقه والقضاء، من خلال تأطير النصوص بإطار ذكوري وتهميش الذات الأنثوية. وقد أدى ذلك إلى قراءة النصوص الدينية من منظور الأقوى والأكثر نفوذًا -الرجل- وتحويل الوصاية من مسؤولية إلى استبداد، والطاعة إلى خضوع مطلق، مع اعتبار المرأة هي الهدف المقصود. علاوة على ذلك، تمنح معظم تفسيرات النصوص الدينية الرجل الحق في التأديب والسيطرة، بالإضافة إلى تحويل التنظيم السياسي إلى إطار مُقدس يحظر المعارضة ويدعو إلى قبول الظلم كاختبار وامتحان ديني.

وقد همّشت هذه التفسيرات –من وجهة نظر هناء– فعليًا المسائل الأخلاقية المتعلقة بإنسانية المرأة وحريتها وكرامتها عبر التاريخ، بينما تعيد إنتاج السلوكيات نفسها تحت غطاء مختلف، وربما مختلف شكلًا فقط لا مضمونًا، في عصرنا الحالي، وفي مجتمعاتنا العربية تحديدًا.

وتستشهد المؤلفة كدليل على ذلك بأفعال تنظيم “داعش” في سبي النساء واستعبادهن وإخضاعهن، وهو نتيجة لاستمرار بقاء تفسير النصوص مفتوحًا منذ ظهور الدين وإلى اليوم، وجعلها كقوالب خرسانية (كونكريتية) رافضة للتجديد أو الاجتهاد فيها، مما أدى إلى احتكار السلطة الذكورية وإدامتها لصالح الرجل وتهميش المرأة.

الدولة والسياسة بعقلية الغابة

ترى المؤلفة أن نشأة السلطة السياسية اقترنت بغريزة قيادة القطيع في الغابة لمن يملك القوة والعضلات؛ حيث نقل الإنسان هذا المنطق الكهفي واستبدل بالمخالب السلاح والتصريحات الرسمية. وركزت بشكل مطلق على أن القيادة الذكورية لا تتسامح مع وجود ند أو منافس؛ فالسلطة تُدار بوصفها ملكية شخصية ومعركة صفرية، مستشهدة ببعض الجذور التاريخية والمواقف الدينية والسياسية محليًا ودوليًا، مثل القتل الأول (قابيل وهابيل) كمثال لإلغاء المنافس لرفض الترتيب الثاني، وإعدام أصحاب السلطة لأبنائهم لحماية العرش (كسليمان القانوني على سبيل المثال لا الحصر).

وترى من خلال ذلك أن كل هذا يعني أن الشر والعنف قد يختفيان من المجتمع البشري إذا تخلّت “الذكورية” عن الدين الذي شكّل عقليتها الهشة، دافعًا إياها إلى شن الحروب خوفًا من المواجهة وطمعًا في إمبراطوريات زائفة، وإذا اعترفت بالمرأة ككائن بشري متساوٍ مع الرجل في الحقوق والمسؤوليات والواجبات، لا كعبدة أو خادمة.

وتشبّه العنف الذكوري بنقص نفسي وعجز ذاتي؛ إذ إن عنف الذكور ليس استعراضًا للقوة، بل هو تعويض عن مشاعر النقص، ونتاج عواطف مكبوتة وعدم القدرة على التعبير عنها، أو سلوك مكتسب من خلال الملاحظة والتقليد. وتستكشف كيف ابتكرت الذكورية ما تسميه “الرياضيات العنيفة” لإطلاق العنان للنزعات العدوانية وتكريس مفهوم إيذاء الآخرين كإنجاز، وكيف تتحول الإمبراطوريات والحروب إلى “ذكورة جماعية” يعبّر النظام السياسي من خلالها عن قلقه النفسي وهوسه بالسيطرة.

وبذلك تؤكد أن أخطر أنواع العنف هو العنف الرمزي الذي يُمارس باسم الدين والقانون والعرف، والذي يُقنع الضحية بأن الاستبداد أمر طبيعي، وهذا ما يدفع المجتمعات إلى فقدان حصانتها الأخلاقية عندما يصبح القتل وانتهاك الحقوق أمرًا شائعًا ومجرد إجراء إداري روتيني.

غياب الجنس الأدبي وحضور المعنى

من وجهة نظر شخصية متواضعة، لا يمكن إنكار أن هذا الكتاب يمثل تجربة نقدية جريئة وشجاعة، وتُعد مساهمة إيجابية في المشهد الثقافي النسوي العراقي، وذلك بأسلوبه المباشر وجرأته الأخلاقية النسوية في العرض والنقد والتحليل، وتفكيك المفاهيم المعقدة، وتقديم رؤية مختلفة مفادها أن الدين لم يستبعد أو يُقصِ الإنسان، بل تم إقصاء الإنسان باسم الدين والتفسير الذكوري للنصوص الدينية، مع التأكيد على أهمية كسر الرابط “غير المنطقي” بين ما هو مقدس (النصوص الدينية والروحية) والهيمنة الذكورية، من أجل استعادة القيم الإنسانية والكرامة الأخلاقية لكل رسالة سماوية.

ومن نقاط ضعف الكاتبة أنها لم تحدد جنس هذا الكتاب وإلى أي نوع أدبي ينتمي؛ فهل ينتمي مثلاً إلى مقالات الرأي، أم نصوص نثرية مفتوحة، أم آراء نقدية؟ فغياب التحديد لنوع الجنس الأدبي على غلاف الكتاب يضع القارئ في حيرة من أمره: هل هو يقرأ مقالات رأي، أم آراء نقدية، أم نصوصًا نثرية مفتوحة؟ وعدم الإجابة عن هذه الأسئلة يعني وقوع الكاتبة في فخ غموض الأجناس الأدبية.

بالإضافة إلى ذلك، تناولت هناء في كتابها مواضيع الدين والسلطة والجنس والعادات والتقاليد والرجولة والتعصب الذكوري بأسلوب عاطفي انفعالي وجداني مُتحيّز، دون الاعتماد على المنهج العلمي أو الاستشهاد بالوثائق والنصوص والمصادر والمراجع والأدلة والأحداث التاريخية. فضلاً عن ذلك، اقتصرت كتابتها لمواضيع في مجالات الفكر والفلسفة والنقد السياسي والأدبي على لغة صحفية بحتة، وليست بلغة أدبية ترتقي إلى مستوى مثل هذه الموضوعات الفكرية والاجتماعية. فمن السهل على أي أديب، بغض النظر عن نوع الأدب الذي يكتب فيه، أن يكتب بلغة صحفية رصينة، بينما يصعب على الصحفي أو الإعلامي الكتابة بلغة أدبية مُتقنة على مستوى المفردات والجمل وأسلوب العرض. ولعل هذا يعود إلى طغيان اللغة الصحفية وتغلبها على موهبتها الفطرية من خلال ممارستها لمهنة الصحافة والإعلام لنحو ثلاثة عقود، خاصةً وأن هناء رياض تُعدّ من الجيل الذهبي في الإعلام العراقي، وتحديدًا في مجال الإذاعة.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.