تجمع ثلاث دراسات وتحليلات أميركية حديثة على أن لبنان أصبح أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب المواجهة المستمرة بين حزب الله وإسرائيل، بل لأنه تحول إلى عنصر مؤثر في المفاوضات الأميركية الإيرانية.
وبينما يرى بعض الباحثين أن حزب الله نجح في فرض لبنان على طاولة التفاوض عبر استراتيجية تصعيد محسوبة، يحذر آخرون من أن استمرار الضغوط قد يدفع البلاد نحو انقسام داخلي خطير، فيما يشدد فريق ثالث على أن أي اتفاق بين لبنان وإسرائيل لن يصمد من دون دبلوماسية طويلة الأمد وضمانات دولية.
أولًا: كيف يفسر الباحثون إدراج لبنان في التفاهم الأميركي الإيراني؟
وبحسب دراسة نشرها موقع “وور أون ذا روكس” الأميركي المتخصص في قضايا الأمن القومي والاستراتيجية العسكرية، لم يدخل لبنان اتفاق الإطار بين واشنطن وطهران بالصدفة، بل نتيجة استراتيجية انتهجها حزب الله لإبقاء الجبهة الجنوبية في حالة توتر مستمر، بما يمنع فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الإقليمية.
ويقول الباحثون إن الحزب حافظ على مستوى تصعيد محسوب، بحيث يبقي احتمال توسع الحرب قائمًا دون الانزلاق الكامل إليها، وهو ما اعتبرته الدراسة وسيلة ضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل أثناء المفاوضات مع إيران.

ثانيًا: ما الذي تقوله الدراسة عن أداء حزب الله؟
بحسب الدراسة، تعرضت القدرات العسكرية للحزب خلال العامين الماضيين لضربات كبيرة، شملت تراجع مخزونه من الصواريخ الدقيقة وتعقيد خطوط الإمداد بعد التطورات في سوريا.
لكن الباحثين يرون أن الحزب عوض جزءًا من هذا التراجع عبر الاعتماد بصورة أكبر على الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، خاصة المسيّرات التي يصعب التشويش عليها إلكترونيًا.
وتشير الدراسة إلى أن الهجمات لم تكن عشوائية، بل استهدفت مواقع عسكرية وآليات هندسية وأنظمة دفاع جوي إسرائيلية، في محاولة لرفع كلفة العمليات الإسرائيلية تدريجيًا.
ثالثًا: ماذا كانت النتيجة السياسية؟
يرى معدو الدراسة أن استمرار الضغط العسكري جعل واشنطن تعتبر استقرار الجبهة اللبنانية شرطًا ضروريًا لإنجاح أي تفاهم أوسع مع إيران.
وبحسب هذا التقييم، اضطرت الولايات المتحدة إلى زيادة ضغوطها على إسرائيل لخفض التصعيد، وهو ما أدى في النهاية إلى إدراج لبنان ضمن اتفاق الإطار.
لكن الدراسة تحذر في الوقت نفسه من أن ذلك منح إيران ورقة تفاوض إضافية يمكن استخدامها مستقبلًا في أي أزمة مع واشنطن.
رابعًا: لماذا تعتبر الدراسة أن واشنطن تواجه معضلة؟
ترى الدراسة أن الولايات المتحدة أصبحت تحاول تحقيق هدفين متناقضين:
دعم الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها.
وفي الوقت نفسه التفاوض مع إيران التي تملك نفوذًا واسعًا عبر حزب الله.
ويقول الباحثون إن استمرار هذا التناقض قد يجعل أي اتفاق هشًا، لأن أي تصعيد في لبنان قد ينعكس مباشرة على المفاوضات الأميركية الإيرانية.
هل يقترب لبنان من سيناريو ليبيا؟
وفي تحليل آخر نشره موقع ” ريسبونسبل ستيتكرافت”، يطرح الكاتب سؤالًا مختلفًا: هل يمكن أن يؤدي الضغط لنزع سلاح حزب الله إلى حرب أهلية داخل لبنان؟
ويستند التحليل إلى تصريحات السفير الإسرائيلي في واشنطن، الذي تحدث عن وجود تراجع في دور بعض الضباط الشيعة داخل الجيش اللبناني بسبب موقفهم من حزب الله.
الرئيس اللبناني جوزيف عون نفى وجود خطة لإعادة تشكيل الجيش أو تنفيذ برنامج أميركي لاستبعاد ضباط شيعة، لكن الكاتب يحذر من أن مجرد التفكير في إعادة تشكيل الجيش على أسس طائفية قد تكون له تداعيات خطيرة.
لماذا؟
لأن الجيش اللبناني، بحسب التحليل، يمثل المؤسسة الوطنية الأكثر توازنًا بين الطوائف، وأي خلل في هذا التوازن قد يهدد الاستقرار الداخلي.
ويستشهد الكاتب بآراء محللين يعتبرون أن إضعاف الطابع الوطني للجيش قد يفتح الباب أمام صراع داخلي جديد.

ماذا عن الولايات المتحدة؟
يرى التحليل أن مصالح واشنطن لا تتطابق بالكامل مع المصالح الإسرائيلية.
فالكاتب يجادل بأن حزب الله، رغم خلاف واشنطن معه، لا يشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة يبرر المخاطرة بانهيار الدولة اللبنانية.
كما يحذر من أن انهيار مؤسسات الدولة قد يوفر بيئة مناسبة لعودة تنظيمات متشددة مثل داعش، على غرار ما حدث سابقًا في العراق وسوريا.
ولهذا يدعو الكاتب الإدارة الأميركية إلى فصل سياستها تجاه لبنان عن الأهداف الإسرائيلية، والتركيز على استقرار الدولة اللبنانية أولًا.
لماذا تفشل اتفاقات وقف إطلاق النار؟
أما الدراسة المنشورة في “ذا كونفيرزيشن” فتتناول تاريخ اتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1949.
ويرى الباحثان أن معظم الاتفاقات السابقة لم تُنهِ الصراع، بل وفرت فترات هدوء مؤقتة استغلها كل طرف لإعادة ترتيب أوضاعه استعدادًا لجولة جديدة.
ما الجديد في الاتفاق الحالي؟
يعتبر الباحثان أن الظروف الحالية تختلف عن السابق، لأن حزب الله تعرض لخسائر كبيرة، كما أن المزاج السياسي داخل لبنان أصبح أكثر استعدادًا لمناقشة قضية السلاح مقارنة بسنوات سابقة.
لكنهما يؤكدان أن تنفيذ الاتفاق يظل صعبًا بسبب عاملين رئيسيين:
استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان.
رفض حزب الله للاتفاق بصيغته الحالية.
هل يمكن نزع سلاح حزب الله؟
لا تستبعد الدراسة حدوث تقدم في هذا الملف، لكنها ترى أن نجاحه يتطلب:
استمرار الدعم الدولي للحكومة اللبنانية.
تقوية الجيش اللبناني.
توفير دعم اقتصادي للدولة.
ممارسة ضغوط على إسرائيل لخفض عملياتها العسكرية.
ويرى الباحثان أن أي محاولة لفرض الحل بالقوة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وربما تمنح حزب الله فرصة لاستعادة جزء من شرعيته السياسية.
خلاصة مشتركة
رغم اختلاف زوايا النظر، تتفق الدراسات الثلاث على عدة نقاط رئيسية:
لبنان أصبح عنصرًا أساسيًا في أي تفاهم أميركي إيراني.
استمرار الحرب في الجنوب يهدد أي اتفاق إقليمي أوسع.
استقرار لبنان يتطلب دورًا دبلوماسيًا أميركيًا أكثر فاعلية.
أي معالجة أمنية فقط، من دون حلول سياسية، قد تؤدي إلى دورة جديدة من الصراع.
مستقبل الاتفاق الحالي سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة جميع الأطراف على منع التصعيد وتحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية مستدامة.
المصادر / موقع “وور أون ذا روكس” – ريسبونسبل ستيتكرافت – “ذا كونفيرزيشن”








