في توقيت بالغ الحساسية، تستعد الولايات المتحدة لإنهاء وجودها العسكري المتبقي في العراق، بينما تتعرض إقليم كردستان لهجمات متزايدة. وفي خضم هذا المشهد، لا تخطط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى الآن، لتجديد الاتفاق الذي يوفر مساعدات عسكرية لقوات البيشمركة، في خطوة يخشى مسؤولون أكراد أن تترك فراغاً أمنياً وتزيد قدرة إيران على الضغط على الإقليم.
وتكتسب القضية أهمية إضافية لأن موعد انتهاء اتفاق الدعم، في 30 سبتمبر/أيلول المقبل، يتزامن مع الموعد المقرر لانسحاب آخر قوات التحالف الدولي من العراق.
ماذا تخطط واشنطن؟
بحسب أربعة مصادر تحدثت إلى هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أبلغ مسؤولون في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) مسؤولين عراقيين وأكراداً خلال اجتماعات أخيرة أن الإدارة لا تعتزم تمديد مذكرة التفاهم الخاصة بالمساعدات الأمنية للبيشمركة.
لكن القرار، وفق أحد المصادر، لم يُحسم نهائياً بعد، إذ لا تزال واشنطن تدرس شكل تعاونها الأمني مع العراق وإقليم كردستان بعد الانسحاب العسكري.
وتأسست آلية الدعم الحالية بموجب مذكرة تفاهم وقعها البنتاغون مع حكومة إقليم كردستان العراق عام 2016، ثم جرى تجديدها في 2022.

ماذا ستخسر البيشمركة؟
تضم قوات البيشمركة نحو 180 ألف عنصر، وحصلت خلال السنة المالية الأميركية 2026 على نحو 61 مليون دولار ضمن برنامج مكافحة تنظيم «داعش».
وتستخدم الأموال في مجالات تشمل التسليح والتدريب العسكري ودفع المخصصات المالية.
لكن البنتاغون اقترح في مشروع موازنة 2027 إلغاء هذه المساعدات بالكامل، على أساس أن تنظيم «داعش» هُزم وأن الأموال ينبغي إعادة توجيهها إلى أولويات أخرى. ولا يزال مشروع الإنفاق معلقاً بسبب الخلافات الأوسع داخل الكونغرس بشأن الموازنة.
لماذا يثير التوقيت القلق في أربيل؟
المشكلة بالنسبة إلى المسؤولين الأكراد ليست مالية فقط، بل تتعلق بما يحدث حول الإقليم.
فبحسب التقرير، تعرضت كردستان العراق خلال الحرب الإيرانية لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما يخشى مسؤولون أكراد أن يؤدي تراجع المظلة الأمنية الأميركية إلى تشجيع طهران على ممارسة مزيد من الضغط العسكري والسياسي.
ويشير التقرير، نقلاً عن بيانات جمعها مركز أبحاث أميركي، إلى تسجيل 158 هجوماً بالصواريخ أو المسيّرات نفذتها إيران أو جماعات مدعومة منها داخل إقليم كردستان العراق حتى أواخر مايو/أيار.
نهاية الدعم تتزامن مع نهاية مهمة التحالف
المفارقة الأبرز أن مذكرة دعم البيشمركة تنتهي في 30 سبتمبر/أيلول، وهو اليوم نفسه المحدد لإنهاء الوجود المتبقي لقوات التحالف الدولي في العراق ضمن مهمة مكافحة «داعش».
وبذلك تدخل البلاد في الأول من أكتوبر/تشرين الأول مرحلة أمنية جديدة، بعد انتهاء الحملة العسكرية الدولية التي قاتلت فيها البيشمركة إلى جانب القوات الأميركية والتحالف ضد التنظيم.
كما يُتوقع، بحسب «بي بي سي»، إغلاق آخر قاعدة عسكرية أميركية متبقية في العراق والموجودة في أربيل مع مغادرة قوات التحالف.
واشنطن: القوات العراقية ستتولى المهمة
لا يقدم الموقف الأميركي الرسمي حتى الآن تأكيداً صريحاً بأن المساعدات ستتوقف.
فقد أحال البيت الأبيض «بي بي سي» إلى بيان للبنتاغون يؤكد أن الولايات المتحدة والعراق والتحالف حققوا نجاحاً كبيراً في هزيمة «داعش»، وأن قوات الأمن العراقية، بما فيها البيشمركة وقوات أمن إقليم كردستان، ستتولى قيادة مكافحة التنظيمات الإرهابية داخل العراق.
أما وزارة الخارجية الأميركية فقالت إن تركيزها ينصب على تنفيذ الانسحاب وضمان قدرة الحكومة العراقية على نزع سلاح الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران وحماية سيادة العراق.
مفارقة القنصلية الأميركية
يلفت التقرير إلى مفارقة سياسية لافتة: احتمال إنهاء المساعدات العسكرية يأتي بعد أقل من عام على افتتاح الولايات المتحدة في أربيل مجمع قنصلياً بلغت كلفته نحو 800 مليون دولار.
وعند افتتاحه، وصف مسؤول أميركي المجمع بأنه دليل على أهمية العلاقة بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان العراق.
وهذا يجعل السؤال المطروح في أربيل يتجاوز مبلغ الـ61 مليون دولار إلى طبيعة الالتزام الأميركي طويل الأمد تجاه الإقليم.
تحذير من تكرار خطأ ما بعد 2011
يربط بعض المسؤولين والخبراء الأميركيين بين الوضع الحالي وتجربة الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، قبل أن تضطر القوات الأميركية إلى العودة بعد صعود «داعش» وسيطرته على مناطق واسعة عام 2014.
ويرى جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق في العراق وتركيا والذي عمل في إدارة ترامب الأولى، أن مواصلة دعم البيشمركة تمثل «أموالاً تُنفق في مكانها الصحيح»، مستشهداً بما حدث عندما اجتاح «داعش» أجزاء واسعة من شمال وشمال غرب العراق.
أما جيسون كامبل، المسؤول السابق في البنتاغون، فيرى أن البيشمركة كانت في الخطوط الأمامية للحرب الدولية على «داعش»، محذراً من أن وقف الدعم قد يجعل الأكراد من بين أكثر الأطراف عرضة للاستهداف الإيراني.
هل تنسحب أميركا تماماً من الملف الأمني؟
ليس بالضرورة. فالتقرير يشير إلى أن إدارة ترامب تبحث إمكانية إقامة علاقة أمنية ثنائية جديدة مع العراق بعد انتهاء مهمة التحالف.
وجرت بالفعل مناقشات بشأن اتفاق دفاعي محتمل، لكن تفاصيله لم تتضح بعد، بما في ذلك الدور الذي سيُمنح لإقليم كردستان العراق ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة.
ماذا يعني ذلك للعراق؟
القضية أوسع من مجرد وقف 61 مليون دولار من المساعدات. فهي تطرح ثلاثة أسئلة رئيسية: من سيملأ الفراغ الأمني بعد انسحاب التحالف؟ وهل تستطيع بغداد ضمان أمن الإقليم من دون مظلة أميركية مباشرة؟ وكيف ستتغير موازين القوى مع إيران والجماعات المتحالفة معها؟
لذلك فإن انتهاء اتفاق دعم البيشمركة في اليوم نفسه الذي تنتهي فيه مهمة التحالف قد يمثل تحولاً في شكل العلاقة الأميركية مع العراق، وليس مجرد إجراء مالي.
والأهم أن التقرير نفسه يشدد على أن القرار النهائي بشأن مستقبل التعاون الأمني ما زال قيد المراجعة.
المصادر/ بي بي سي – فيرست بوست








