لم تعد الكارثة التي ضربت الحدود بين النيبال والتبت مجرد فيضانات موسمية عنيفة. فبعد أربعة أيام من السيول الخاطفة، تحولت مناطق واسعة على إلى ما يشبه المستنقعات وبدأت تتكشف صورة أكثر قتامة: بلدات مُسحت أجزاء منها، عشرات الجسور والطرق دُمرت، مشروعات كهرومائية غرقت في الطين، فيما دخلت عمليات الإنقاذ يومها الرابع وسط سباق مع الزمن للعثور على آلاف المفقودين. والأخطر أن الكارثة قد لا تكون انتهت؛ إذ وضعت السلطات النيبالية البلاد في حالة تأهب قصوى مع استمرار الأمطار وظهور مخاطر فيضانات جديدة.
وبحسب أحدث الأرقام، ارتفع عدد القتلى إلى أكثر من 600 شخص، بينما لا يزال أكثر من 2400 شخص في عداد المفقودين. وتورد وكالة «أسوشيتد برس» أرقاماً مختلفة قليلاً، في مؤشر إلى صعوبة حصر الخسائر وسط الدمار وانقطاع الطرق والاتصالات.
Terrifying footage shows a flash flood sweeping through the Nepal–Tibet border, trapping people on rooftops and balconies. At least 469 have been killed, with hundreds still missing. pic.twitter.com/xRgRWmwut7
— Weather Monitor (@WeatherMonitors) August 28, 2026
فيضان لم يشبه ما عرفته نيبال
بدأت الكارثة الأربعاء 26 أغسطس/آب، عندما ضربت فيضانات خاطفة مناطق جبلية على امتداد الحدود النيبالية-الصينية.
لكن مسؤولة منظمة «أكشن إيد نيبال» سوجيتا ماثيما تقول إن وصف ما حدث بأنه مجرد «فيضان» قد لا يعكس قوته، مشبهة إياه بـ**«تسونامي»** بسبب السرعة الهائلة للمياه وحجم الدمار الذي خلفته.
فقد جُرفت طرق وجسور بالكامل، وغمرت المياه والطين المنازل، بينما لا تعرف السلطات حتى الآن عدد الأشخاص الذين ربما ما زالوا مدفونين تحت الوحل أو عالقين داخل الأنفاق والمباني.
لماذا أصبحت عمليات الإنقاذ شديدة الصعوبة؟
تواجه فرق الطوارئ سلسلة من العقبات في الوصول إلى المناطق المنكوبة. فالأمطار المستمرة وسوء الأحوال الجوية عطّلا عمليات الإنقاذ الجوي مؤقتاً، بينما أدى انهيار الطرق والجسور إلى عزل مناطق كاملة.
كما انقطعت الكهرباء والاتصالات في بعض المواقع، ما اضطر فرق الإنقاذ والسكان إلى الاعتماد على المولدات والألواح الشمسية.
وفي الوقت نفسه، يواصل الجيش استخدام المروحيات لنقل الناجين من المناطق التي يتعذر الوصول إليها براً، فيما يبحث رجال الإنقاذ بين أكوام الطين والحطام عن ناجين.
جثامين تصل باستمرار.. وأخرى يصعب التعرف عليها
تكشف المشاهد الواردة من المشارح جانباً آخر من حجم المأساة. فقد قال مسؤول محلي إن الجثامين تصل بصورة متواصلة من مناطق مختلفة، فيما أفادت السلطات بأن مئات الجثث أصبحت في حالة تجعل التعرف إلى أصحابها بالغ الصعوبة.
واضطرت الحكومة النيبالية إلى طلب مساعدة الحكومات الأجنبية والمؤسسات الدولية لتوفير ثلاجات لحفظ الجثامين إلى حين تحديد هويات الضحايا والعثور على عائلاتهم.
وأقر وزير الخارجية النيبالي شيسير خانال بأن إمكانات بلاده محدودة في التعامل مع كارثة بهذا الحجم.
This isn’t just a water apocalypse. 💔
This is a catastrophic, unimaginable mega-apocalypse. 🌊🇳🇵
The sheer force of the water, mud and debris is beyond words. Anyone who survived this nightmare in Nepal is not just lucky – they have survived what feels like seven lifetimes in… pic.twitter.com/Eg8ZXdUkWK
— Ananda Nepali (@anandanepali99) August 29, 2026
آلاف العائلات تنتظر خبراً
وراء أرقام المفقودين مأساة إنسانية تتسع كل ساعة. عائلات تنتظر أمام مراكز الإنقاذ، وأخرى تبحث عن أقارب فقدوا منذ وصول المياه، وبين المفقودين مئات الأجانب الذين كانوا موجودين في المنطقة الحدودية.
لكن وسط الأخبار القاتمة، ظهرت قصص نجاة استثنائية؛ أبرزها إنقاذ امرأة تبلغ 97 عاماً من تحت أنقاض دار للرعاية. ووصفها أحد أقاربها بعد إخراجها بأنها بدت مثل «محاربة».
الخطر لم ينتهِ بعد
المشكلة الأكبر الآن أن نيبال لا تتعامل فقط مع آثار الفيضان السابق، بل تستعد لاحتمال حدوث فيضانات وانهيارات جديدة.
وتحذر السلطات من استمرار الأمطار، فيما تشير تقارير إلى تشكل بحيرة جديدة في منطقة أعلى مجرى المياه، ما يثير الخشية من تدفق مفاجئ آخر إذا ارتفع منسوبها أو انهارت الحواجز الطبيعية المحيطة بها.
لهذا أعلنت الحكومة حالة تأهب مرتفعة، خصوصاً أن الأراضي المشبعة بالمياه والطين أصبحت أكثر عرضة للانهيارات.
ماذا عن الجانب الصيني؟
على الجانب الصيني، استؤنفت عمليات البحث في معبر غيرونغ الحدودي الذي تعرض لدمار واسع.
وأظهرت وسائل الإعلام الصينية رجال إنقاذ يصلون سيراً على الأقدام أو باستخدام القوارب، فيما استخدمت طائرات مسيرة للوصول إلى بعض المواقع.
وكان المنقذون يطرقون الأرض بالمجارف ويصيحون: «هل هناك أحد؟»، بحثاً عن أشخاص ربما ظلوا محاصرين تحت الأنقاض.
ومن بين المفقودين مئات الأجانب من أكثر من 30 دولة كانوا في المنطقة للعمل أو الرحلات الجبلية أو زيارة أحد الجبال المقدسة.
People were standing on a house balcony when a devastating flash flood suddenly struck the Nepal–Tibet border region. With floodwaters surrounding them, there was no clear way out pic.twitter.com/XtjWOdgIYs
— Surajit (@surajit_ghosh2) August 28, 2026
حصيلة ثقيلة.. ونحو 3 آلاف مفقود
بحسب «أسوشيتد برس»، ارتفعت الحصيلة الإجمالية في نيبال والتبت إلى 633 قتيلاً ونحو 3 آلاف مفقود حتى السبت 29 أغسطس/آب.
وفي نيبال وحدها، أعلنت وكالة إدارة الكوارث مقتل 626 شخصاً وفقدان 2426 آخرين، بينما قالت السلطات الصينية إن سبعة أشخاص قتلوا وإن 554 شخصاً ما زالوا مفقودين في الجانب الصيني.
وتمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ أكثر من 3700 شخص في نيبال حتى الآن، لكن الأعداد قد تستمر في التغير مع الوصول إلى مناطق كانت معزولة.
مروحيات تنقل الناجين
في منطقة نواكوت، استأنفت مروحيات الجيش عملياتها بعدما أجبرها سوء الطقس على التوقف مؤقتاً.
كانت بعض المروحيات تتجه إلى المناطق المنكوبة محملة بالملابس والأرز والمعكرونة سريعة التحضير والمساعدات، ثم تعود وعلى متنها ناجون لا يملكون في كثير من الأحيان سوى الملابس التي يرتدونها.
وشوهد جنود يحملون أطفالاً رضعاً تم إجلاؤهم، فيما حمل أحد الجنود امرأة مسنة على ظهره إلى خيمة طبية لفحصها.
يعودون إلى بيوت لم تعد موجودة
في القرى التي انحسرت عنها المياه، بدأ بعض السكان رحلة مؤلمة للبحث عما تبقى من ممتلكاتهم وسط الطين والحطام.
طفل خرج من قريته حاملاً صندلاً غارقاً بالطين انتشله من منزله، بينما عادت شوبا شريثا للبحث عن كلبتها «سويتي» التي اضطرت إلى تركها عندما اجتاحت السيول المنطقة. وعندما وجدتها، جلست إلى جانبها وسقتها الماء من زجاجة.
في كاتماندو.. الأمل يتراجع بعد أربعة أيام
في العاصمة كاتماندو، تحولت جدران المستشفى الحكومي الرئيسي إلى ما يشبه لوحة ضخمة للمفقودين.
تتنقل العائلات بين مكتب الاستعلامات والقوائم المعلقة على الجدران، حاملة صور أقاربها، فيما وضعت السلطات صوراً لجثامين مجهولة الهوية أملاً في أن يتعرف إليها أحد.
وقالت ديل مايا لاما، التي تبحث عن شقيقها البالغ 26 عاماً والذي كان يعمل سائقاً لدى شركة للطاقة الكهرومائية:
«جئت إلى هنا على أمل أن أجده.. لا توجد أي معلومات عنه».
وقالت امرأة أخرى تبحث عن قريب لها: «أشعر باليأس. لقد مرت أربعة أيام».
وسجلت العائلات لدى مكتب المساعدة في أحد المستشفيات وحده نحو 1600 بلاغ عن مفقودين.
أكثر من 100 شخص قد يكونون داخل نفق
تتركز واحدة من أعقد عمليات الإنقاذ في مشروع للطاقة الكهرومائية بمنطقة راسوا.
وتعتقد السلطات أن أكثر من 100 شخص قد يكونون عالقين داخل نفق امتلأ بالطين الكثيف.
ويصل ارتفاع الوحل في بعض المواقع إلى ما بين 1.2 و1.5 متر، ما يجعل التحرك شديد الصعوبة. واضطرت فرق الإنقاذ إلى استخدام الحبال والسلال للوصول إلى بعض المحاصرين.
كما أن محدودية الأماكن التي تستطيع المروحيات الهبوط فيها تزيد تعقيد العملية.
لماذا قفز عدد المفقودين فجأة؟
تكشف «نيويورك تايمز» عن سبب مهم وراء الارتفاع الحاد في عدد المفقودين من يوم إلى آخر.
فمئات العمال في مشروعات الطاقة الكهرومائية المتضررة لم يكونوا مدرجين أصلاً في الإحصاءات الأولية للمفقودين. ومع بدء حصر العمال، قفز الرقم إلى أكثر من 2400 شخص، أي أكثر من ضعف الحصيلة المسجلة في اليوم السابق.
وهذا يعني أن الحجم الحقيقي للكارثة لم يكن واضحاً خلال الساعات والأيام الأولى.
كارثة جبلية غير مسبوقة
يصف كمال كيشور، المسؤول البارز في الأمم المتحدة المعني بالحد من مخاطر الكوارث، حجم ما حدث بأنه استثنائي.
وقال إن المنطقة، في حدود الذاكرة الحية، لم تشهد كارثة جبلية بهذا الحجم، مشيراً إلى أن الأضرار طالت الأرواح وسبل العيش والمباني والبنية التحتية والجسور ومحطات الطاقة الكهرومائية وإنتاج الكهرباء.
وتقول «نيويورك تايمز» إن عشرات الكيلومترات من الطرق وأكثر من 40 جسراً دُمرت.
صور الأقمار الصناعية تكشف ما حدث قرب الجليد
أظهرت صور أقمار صناعية التقطتها شركة «بلانيت لابس» منطقة نهر لانغتانغ ليرونغ الجليدي على الحدود بين نيبال والتبت يومي 25 و26 أغسطس/آب، أي قبل الكارثة وأثناء تطورها.
وتربط التقارير الكارثة بانهيار جليدي أدى إلى تشكل بحيرة واندفاع المياه، في منطقة يحذر العلماء منذ سنوات من حساسيتها الشديدة لذوبان الأنهار الجليدية.
بحيرة جديدة تثير الخوف من فيضان ثانٍ
حتى أثناء البحث عن المفقودين، ظهر تهديد جديد.
فبعد الكارثة تشكلت بحيرة حاجزية في أعالي جبال الهيمالايا وبدأت مياهها بالفيضان، ما أثار مخاوف من انهيار الحاجز الطبيعي وإطلاق موجة جديدة باتجاه المناطق المنكوبة.
وأصدرت السلطات النيبالية تحذيرات متكررة، فيما جابت الشرطة بعض البلدات بمكبرات الصوت مطالبة السكان بالانتقال إلى مناطق مرتفعة.
لكن بيانات صينية لاحقة أشارت إلى انخفاض مستوى مياه البحيرة بنحو 10 أمتار مقارنة بذروته صباح الخميس، ما قلل خطر انهيارها، وإن لم يلغِه تماماً.
من الإنقاذ إلى الإعمار.. فاتورة بالمليارات
لكن المرحلة الأصعب بالنسبة إلى نيبال قد تبدأ بعد انتهاء عمليات البحث.
فالبلاد ذات الموارد المحدودة تعتمد بدرجة كبيرة على السياحة وتحويلات العاملين في الخارج، كما أن تضاريسها الجبلية تجعل إصلاح الطرق والجسور وشبكات الكهرباء مهمة مكلفة ومعقدة.
وتشير التقديرات الحكومية الأولية إلى أن قيمة الأضرار المادية تجاوزت 1.3 مليار دولار، فيما يتوقع وزير المالية أن تصل كلفة التعافي وإعادة الإعمار إلى عدة مليارات من الدولارات.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بمشروعات الطاقة الكهرومائية، وهي جزء مهم من البنية التحتية والاقتصاد النيبالي.
تغير المناخ في خلفية الكارثة
تضع «نيويورك تايمز» الكارثة أيضاً ضمن سياق هشاشة نيبال أمام تغير المناخ.
فالعلماء يحذرون منذ سنوات من أن ذوبان الأنهار الجليدية في الهيمالايا يؤدي إلى تكوين بحيرات جبلية يمكن أن تتحول، عند انهيار حواجزها، إلى مصدر لفيضانات مفاجئة ومدمرة.
وحتى في السنوات العادية، تتسبب الأمطار الموسمية في سيول وانهيارات طينية وإغلاق الطرق. لكن ما حدث هذه المرة تجاوز، وفق خبراء ومسؤولين، نطاق الكوارث المعتادة.
The Ministry of Foreign Affairs organised a press briefing today by Hon. Minister for Foreign Affairs Mr Shisir Khanal on the Government’s ongoing search, rescue and relief efforts, following the devastating floods in the Bhote Koshi River.
The briefing concluded with an… pic.twitter.com/2W34ccrdzZ
— MOFA of Nepal 🇳🇵 (@MofaNepal) August 29, 2026
النيبال تطلب مساعدة خارجية
وفي ظل هذه الظروف المأساوية، طلب وزير الخارجية النيبالي شيسير خانال مساعدة أجنبية متخصصة في عدد من المجالات الفنية، خصوصاً إنقاذ أشخاص عالقين داخل نفق، والتعرف إلى هويات الجثامين وحفظها.
وأوضح خانال، في تصريح لوكالة «رويترز» مساء الجمعة، أن نيبال لا تحتاج إلى دعم خارجي عام في عمليات البحث والإنقاذ، لكنها تحتاج إلى خبرات تقنية في مجالات تفتقر إليها.
وقال: «قدمنا بالفعل طلبات للحصول على خدمات متخصصة ومساعدة فنية في المجالات التي لا نملك فيها ما يكفي من الخبرة والمعرفة التقنية».
ويخوض الجيش النيبالي عملية إنقاذ شديدة الخطورة داخل نفق تابع لمشروع للطاقة الكهرومائية في منطقة راسوا المنكوبة بالفيضانات. وأظهرت مشاهد رجال الإنقاذ وهم يزحفون وسط طبقات كثيفة من الوحل للوصول إلى المحاصرين ونقلهم إلى بر الأمان.
كما طلبت النيبال من الهند والصين تزويدها بجسور «بيلي»، وهي جسور معدنية مؤقتة مسبقة الصنع يمكن تركيبها بسرعة، بهدف إعادة فتح طرق النقل والاتصالات في المناطق المنكوبة، بعدما دمرت الفيضانات نحو عشرين جسراً.
الحصيلة المؤقتة للكارثة
بحسب أحدث الأرقام الواردة في التحديث:
- 2478 شخصاً على الأقل ما زالوا مفقودين على جانبي الحدود بين نيبال والتبت.
- أكثر من 3700 شخص أُنقذوا في نيبال حتى الآن.
- نحو 93 ألف شخص تضرروا من الكارثة، وفق تقديرات الصليب الأحمر.
- 777 أجنبياً على الأقل في عداد المفقودين، بينهم سياح وعمال أجانب.
- الخلاصة: دخلت نيبال مرحلة تتجاوز إحصاء القتلى والمفقودين. فبعد إنقاذ آلاف الأشخاص، سيكون عليها إعادة بناء الجسور والطرق ومحطات الكهرباء والقرى، وربما إعادة توطين سكان لن يكون بمقدورهم العودة إلى منازلهم أصلاً. وبين أكثر من 600 قتيل وآلاف العائلات التي لا تزال تنتظر خبراً عن مفقوديها، يبدو أن «طوفان الهيمالايا» سيترك آثاره على البلاد لسنوات.









