كريم حسين
أعادني طرح الفنان العراقي كاظم الساهر 18 أغنية في ألبومه الجديد «بلا عنوان»، غالبيتها قصيرة نسبياً، إلى نبوءة لافتة أطلقها الفنان الراحل عبد الحليم حافظ قبل نحو نصف قرن بشأن مستقبل الأغنية العربية.
ففي آخر حفل خاص له في زفاف أبنة الرئيس المصري أنور السادات، في 2 يناير/كانون الثاني 1977، اي قبل نحو ثلاثة اشهر من وفاته، تحدث «العندليب الأسمر» عن أغنية المستقبل، متوقعاً أن تصبح قصيرة جداً، وشبّهها، بحسب التعبير المتداول، بـ”شكة الدبوس” ( وَخْزَةُ الدَّبُّوس)، بل بالغ في تصوير الفكرة بالقول إنها قد تصبح «1000 أغنية في 15 دقيقة».
وهنا تكمن المفارقة.
عبد الحليم عاش في زمن كانت فيه الأغنية العربية تمتد أكثر من ساعة، وكانت الحفلات تسمح للمطرب بإعادة المقاطع والتفاعل طويلاً مع الجمهور. ومن أشهر أعماله الطويلة «قارئة الفنجان» و” نبتدي منين الحكاية و” أي دمعة حزن لا لا” و” موعود” وغيرها، التي ارتبطت بالمرحلة الأخيرة من مسيرته.
ومع ذلك، كان يتخيل مستقبلاً تتحول فيه الأغنية إلى عمل سريع وخاطف.
البومي الجديد “بلا عنوان” صار متوفّر على كل المنصات، ولا يمكن وصلكم الخبر من بدري؟ https://t.co/dO2wN72ts3 pic.twitter.com/8XgRHrRdJM
— كاظم الساهر Kadim Al Sahir (@KadimAlSahirORG) August 27, 2026
ألبوم بلا عنوان
بعد نحو نصف قرن، يأتي كاظم الساهر، وهو أحد أبرز الفنانين العرب الذين حافظوا على القصيدة والأغنية الممتدة نسبياً، ليطرح ألبوماً يضم 18 أغنية، بينها أعمال قصيرة مقارنة بالقالب الذي ارتبط باسمه طوال عقود.
ولم يكن عبد الحليم، بطبيعة الحال، يقصد حرفياً أن يستمع الجمهور إلى ألف أغنية خلال ربع ساعة. كان التعبير أقرب إلى المبالغة الساخرة في وصف اتجاه الأغنية نحو الاختصار والسرعة.
لكن المثير أن جزءاً من تلك الرؤية تحقق، وإن بصورة ربما لم يكن «العندليب» يتخيلها.
فالأسطوانة والحفلة والإذاعة لم تعد وحدها تحدد شكل الاستماع إلى الموسيقى. جاءت المنصات الرقمية والهواتف و«يوتيوب» و«سبوتيفاي»، ثم منصات الفيديو القصير مثل «تيك توك»، لتغيّر عادات الجمهور، وتضع الأغنية في منافسة مستمرة على انتباه مستمع يستطيع الانتقال إلى عمل آخر خلال ثوانٍ.
مفارقة أخرى
المفارقة أن عبد الحليم نفسه لم يكن طوال مسيرته مطرب الأغنيات الطويلة فقط. فقد قدم أعمالاً قصيرة لا تتجاوز بضع دقائق، خصوصاً في مراحل من مسيرته، إلى جانب الأغنيات الطويلة التي ارتبطت بصورته في الذاكرة العربية.
أما مع كاظم الساهر فتبدو الرحلة معكوسة إلى حد ما. فقد عرفه الجمهور بالقصائد والأعمال الطويلة نسبياً، من «مدرسة الحب» و«أنا وليلى» إلى قصائد نزار قباني، قبل أن يصل في 2026 إلى ألبوم يضم 18 أغنية في عصر أصبح فيه الاختصار والسرعة جزءاً من طريقة استهلاك الموسيقى.
وبين عبد الحليم الذي تخيل قبل نحو نصف قرن أغنية خاطفة مثل «شكة الدبوس»، وكاظم الساهر الذي يطرح اليوم 18 أغنية في ألبوم واحد، يبقى السؤال:
هل كان العندليب يرى مبكراً ما ستفعله التكنولوجيا والمنصات الرقمية بالأغنية العربية؟









