أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياحة وسفر

بعيدا عن السياسة ونشرات الأخبار.. هكذا تبدو الحياة اليومية في بغداد

بعيدا عن السياسة ونشرات الأخبار.. هكذا تبدو الحياة اليومية في بغداد

في بغداد، لا يحتاج الزائر إلى البحث طويلاً عن المشهد الذي يلخص المدينة. يكفي أن يدخل الشورجة صباحاً، حيث تتداخل رائحة الهيل والقهوة والعطور مع أصوات الباعة وحركة المتسوقين، ثم يعبر المدينة مساءً نحو دجلة، حيث تجلس العائلات في المقاهي والمطاعم وتمتد جلسات الشاي حتى وقت متأخر.

وبين الصورتين تعيش عاصمة تتجاوز في تفاصيلها الصورة التي صنعتها عنها عقود من الحروب والأزمات: مدينة مزدحمة ومتعبة أحياناً، لكنها شديدة الحيوية، تتغير بسرعة من دون أن تتخلى عن عادات عمرها قرون.

هذه المفارقة ربما تكون المدخل الأفضل لفهم الحياة اليومية في بغداد. فالمدينة ليست فقط عاصمة تاريخية تحتفظ بأسواقها القديمة ومطبخها وطقوس ضيافتها، وليست أيضاً مجرد مدينة تعاني الازدحام والكهرباء والبنية التحتية. إنها مزيج من الاثنين: حياة حديثة تتوسع فيها مراكز التسوق والمطاعم وخدمات التوصيل، إلى جانب نمط اجتماعي ما زال الشاي والعائلة والسوق والحي يشكلون أعمدته الأساسية.

سوق الشورجة، أحد أقدم وأشهر مراكزها التجارية
سوق العطارين في الشورجة، أحد أقدم وأشهر مراكز بغداد التجارية ( منصة إكس)

الشورجة.. التجارة بوصفها حياة اجتماعية

قليلة هي الأماكن التي تكشف شخصية بغداد مثل سوق الشورجة، أحد أقدم وأشهر مراكزها التجارية. ففي أزقتها الضيقة تتكدس متاجر التوابل والمنسوجات والعطور والشاي والفواكه المجففة والأدوات المنزلية، بينما تختلط روائح الهيل والزعفران والقهوة المطحونة حديثاً.

لكن الشورجة ليست مجرد سوق.

فالتجارة هنا تحمل بعداً اجتماعياً؛ يعرف بعض التجار زبائنهم منذ سنوات، ويُسكب الشاي بين عملية بيع وأخرى، بينما تنتقل الأحاديث بسهولة من أسعار البضائع إلى شؤون العائلة والسياسة والطقس.

اللافتات المرسومة على واجهات بعض المحال، والأبواب الحديدية القديمة، وحركة البشر المستمرة، تعيد التذكير بتاريخ بغداد بوصفها مركزاً تجارياً رئيسياً منذ العصور الوسطى، حين كانت المدينة محطة أساسية في شبكات التجارة بين الشرق والغرب.

لكن بغداد التجارية لم تتوقف عند الشورجة. فعلى امتداد المدينة ظهرت خلال العقود الأخيرة مناطق تجارية جديدة ومراكز تسوق حديثة ومتاجر ومطاعم عالمية ومحلية، فيما توسعت الضواحي وانتشرت الأنشطة التجارية على جانبي الطرق الرئيسية.

وهكذا يعمل اقتصاد المدينة بإيقاعين في الوقت نفسه: إيقاع السوق القديمة وإيقاع العاصمة الحديثة.

كثير من البغداديين بطقس بسيط: استكان شاي قوي وحلو
كثير من البغداديين يبدؤون بطقس بسيط: استكان شاي قوي وحلو ( شنخوا الصينية)

صباح بغداد يبدأ من استكان الشاي

قبل أن تصل المدينة إلى ذروة ازدحامها، يبدأ يوم كثير من البغداديين بطقس بسيط: استكان شاي قوي وحلو، وأحياناً مع الهيل، إلى جانب الصمون العراقي الطازج.

وقد يكون الإفطار أكثر دسامة مع القيمر والدبس أو البيض والطماطم، لكن الشاي يظل العنصر الأكثر ثباتاً.

فهو ليس مجرد مشروب في بغداد، بل جزء من اللغة الاجتماعية للمدينة. يقدم للضيف، وللزبون في بعض المحال، وخلال جلسات العمل، وفي المقاهي، وبعد الطعام. وقد يتحول طلب «استكان آخر» إلى وسيلة لإطالة حديث بدأ قبل نصف ساعة.

وهذه الضيافة تتجاوز الشاي. فالطعام في الثقافة العراقية مرتبط بفكرة المشاركة، ولذلك قد يجد الزائر نفسه أمام إصرار مضيفه على تناول المزيد، ويُنظر إلى قبول الضيافة بوصفه تعبيراً عن التقدير والألفة.

مدينة تستيقظ مبكراً.. ثم تهرب من الظهيرة

تبدأ الحركة في العديد من الأسواق والمتاجر في وقت مبكر، خصوصاً خلال أشهر الصيف، حين يحاول الناس إنجاز أعمالهم قبل أن تصل درجات الحرارة إلى ذروتها.

لكن إيقاع المدينة يتغير مع الظهيرة. ففي الصيف تصبح الأماكن المكيفة ملاذاً من الحرارة، وتتراجع بعض الأنشطة الخارجية قبل أن تستعيد الشوارع حيويتها تدريجياً في ساعات العصر والمساء.

وهذه الدورة اليومية تساعد على تفسير جانب من شخصية بغداد: مدينة قد تبدو مرهقة نهاراً ثم تستعيد حياتها مع غروب الشمس.

ومع انخفاض الحرارة، تمتلئ المطاعم والمقاهي، وتخرج العائلات، ويلتقي الأصدقاء، فيما تصبح ضفاف دجلة متنفساً لمن يريد الابتعاد لبعض الوقت عن ازدحام الطرق.

المسكوف.. حين يصبح الطعام جزءاً من هوية المدينة

إذا كان الشاي رفيق الحياة اليومية، فإن المسكوف هو أحد أكثر الأطباق ارتباطاً بصورة بغداد.

سمك الكارب النهري يُشق ويثبت بالقرب من نار مفتوحة ليُطهى ببطء، قبل أن يقدم مع الخبز والمخللات. ولعقود ارتبط تناوله خصوصاً بالمطاعم الممتدة على شارع أبي نواس بمحاذاة دجلة.

لكن المطبخ البغدادي أوسع بكثير من المسكوف.

الكباب حاضر في المطاعم الشعبية والراقية، والدولمة وجبة ترتبط في أذهان كثيرين بالبيت واجتماع الأسرة، بينما يحضر التشريب والبرياني والمرق والأرز على موائد الغداء.

أما الصمون، بخبزه الطازج وشكله المميز، فيبقى عنصراً يومياً يصعب فصل رائحته عن صباح الأحياء البغدادية.

ولا يظهر الطعام فقط في المطاعم. فالمشروعات المنزلية الصغيرة باتت جزءاً من المشهد أيضاً؛ من إعداد الكعك والحلويات حسب الطلب إلى خدمات الطعام والتوصيل، في انعكاس لقدرة السكان على تحويل مهارات منزلية إلى مصادر دخل.

نصب التحرير أحد المعالم البارزة في بغداد
نصب التحرير أحد المعالم البارزة في بغداد ( أوج 24)

ماذا يقول البغداديون عن مدينتهم؟

بعيداً عن أدلة السفر والصور السياحية، تقدم نقاشات السكان على الإنترنت صورة مختلفة وأكثر عملية.

وفي خلاصة مستمدة من نقاشات وتعليقات متداولة في مجتمع بغداد على منصة «ريديت»، نادراً ما يبدأ السؤال بـ«ماذا أزور؟». الأسئلة أكثر ارتباطاً بالحياة نفسها: أين أجد شقة مناسبة؟ كيف أصل إلى هذا الحي؟ أين توجد قهوة هادئة للدراسة؟ أين أركن السيارة قرب النهر؟ وما المنطقة الأنسب للسكن؟

تظهر بغداد من خلال هذه النقاشات كمدينة تعتمد إلى حد كبير على المعرفة المحلية.

معرفة أي طريق أسرع، ومن أين تستقل وسيلة النقل، وأي متجر أفضل، وأين تجد خدمة بسعر مناسب، وأي حي أقرب إلى العمل أو الجامعة، قد تكون أكثر أهمية في الحياة اليومية من معرفة أشهر معالم المدينة.

ويكشف ذلك أيضاً عن أحد عناصر القوة فيها: تبادل المعلومات والمساعدة بين الناس. فالسكان يقترحون المقاهي والعيادات والمتاجر والشقق ووسائل النقل، ويقدمون حلولاً لمشكلات ربما تبدو بسيطة لكنها تحدد جودة الحياة اليومية.
إنفوجرافيك يوضح التقاليد، الطعام، والروتين اليومي في العراق مع مقارنة بين بغداد وأربيل.

الوجه الآخر.. الزحام والإيجارات والكهرباء

لكن الصورة ليست رومانسية بالكامل.

فالحديث عن بغداد سرعان ما يصل إلى الازدحام المروري والنقل وتكاليف السكن ومشاكل الكهرباء والخدمات.

التنقل داخل مدينة بهذا الحجم قد يكون مرهقاً، خصوصاً لمن لا يعرف طرقها وأحيائها جيداً. وقد تتحول المسافة القصيرة على الخريطة إلى رحلة أطول بسبب الازدحام.

كما تظهر الإيجارات والضغوط المالية ضمن الاهتمامات المتكررة، إلى جانب البحث عن سكن مشترك أو مناطق أقل كلفة.

أما البنية التحتية، فليست بالمستوى نفسه في جميع أنحاء المدينة، ولذلك تختلف التجربة اليومية أحياناً من حي إلى آخر. وهذا التفاوت هو أحد أسباب صعوبة اختزال بغداد في وصف واحد.

إنها قد تكون مريحة وعصرية في منطقة، ومزدحمة وشاقة في أخرى على بعد بضعة كيلومترات فقط.

الإيجابيات.. لماذا يحب الناس بغداد؟

  • براعة السكان في إيجاد الحلول: قدرة واضحة على التعامل مع مشكلات الحياة اليومية بطرق عملية.
  • ثقافة الطعام والفطور: حضور قوي للأكلات المحلية وطقوس الإفطار.
  • مدينة تاريخية وثقافية غنية: إرث تاريخي وثقافي عميق.
  • روح المجتمع والتعاون: تبادل النصائح والمساعدة بين الناس.
  • المرونة في الدراسة والعمل: القدرة على التكيف والعثور على حلول تناسب ظروف الحياة المختلفة.

السلبيات.. أبرز الشكاوى

  • صعوبة التنقل: شبكة المواصلات قد تكون مربكة، خصوصاً لمن لا يعرف المدينة جيداً.
  • الضغوط المالية والإيجارات: تكاليف السكن والمعيشة تشكل مصدر قلق متكرر.
  • الكهرباء والبنية التحتية: تفاوت في مستوى الخدمات واستقرارها.
  • المخاوف الأمنية للغرباء: بعض القادمين إلى المدينة يطرحون أسئلة تتعلق بالأمان واختيار المناطق.
  • قلة خيارات الترفيه منخفضة التكلفة: البحث عن أماكن مناسبة ورخيصة لقضاء الوقت يمثل موضوعاً متكرراً.

المقاهي بدلاً من النوادي

مع حلول المساء، تظهر سمة أخرى للحياة الاجتماعية في بغداد.

فالحياة الليلية، وفق الصورة التي تقدمها نقاشات السكان، لا تقوم أساساً على النوادي والحانات كما في بعض العواصم العالمية. الجزء الأوسع منها يدور حول المقاهي والمطاعم واللقاءات العائلية وجلسات الأصدقاء والأماكن القريبة من دجلة.

البعض يبحث عن مقهى للدراسة، وآخر عن مكان هادئ للحديث، وعائلات تبحث عن مطعم أو حديقة، فيما يفضل آخرون مجرد المشي بالقرب من النهر.

وهكذا لا يعني «ليل بغداد» بالضرورة السهر الصاخب؛ فقد يكون ببساطة طاولة عليها عدة استكانات شاي وحديث طويل بين أصدقاء.

من السوق إلى المول

وتكشف تجربة التسوق بدورها عن التحول الذي تعيشه المدينة.

فإلى جانب الشورجة والأسواق الشعبية والمتاجر المتخصصة، أصبحت مراكز مثل بغداد مول والمنصور مول جزءاً من الحياة الاستهلاكية الحديثة، مع توسع المطاعم والعلامات التجارية والخدمات الجديدة.

كما دخل التسوق الإلكتروني وخدمات التوصيل تدريجياً إلى العادات اليومية، مع منصات محلية وإقليمية مثل «مسواگ» و«توترز»، وإن كان التسوق التقليدي لا يزال يحتفظ بمكانته.

وفي الأسواق الشعبية خصوصاً، تبقى المساومة جزءاً مألوفاً من عملية الشراء، فيما تتوافر الإلكترونيات والملابس والمواد الغذائية والمنتجات المستوردة بدرجات وأسعار متفاوتة.

العائلة قبل كل شيء

ورغم كل مظاهر التحديث، تظل العائلة الوحدة الأساسية في الحياة الاجتماعية.

الغداء قد يتحول إلى اجتماع عائلي، والعطلات إلى زيارات، والمساء إلى نزهة مشتركة. وحتى المطاعم صممت في جانب كبير منها لخدمة هذا النمط الاجتماعي.

ويظهر ذلك أيضاً في الضيافة. فالزائر لا يُعامل دائماً بوصفه عميلاً أو غريباً؛ الدعوة إلى الطعام، والإصرار على الشاي، وتقديم المساعدة، كلها سلوكيات متجذرة في الثقافة المحلية.

وفي المقابل، هناك أعراف اجتماعية ينبغي للزائر مراعاتها، خصوصاً في ما يتعلق بالملابس والتصوير واحترام الأماكن الدينية وشهر رمضان، إضافة إلى الحذر عند تصوير المواقع العسكرية ونقاط التفتيش.

ويأتي إنشاء خط الترام ذي الطابع التراثي ضمن مشروع إحياء شارع الرشيد في المنطقة الممتدة بين ساحتي الميدان والرصافي، وتحويله إلى مركز ثقافي وتجاري يعتمد وسائل نقل صديقة للبيئة.وبذلك يجمع ترام شارع الرشيد الجديد بين الشكل التراثي الذي يستحضر ترام بغداد القديم والتكنولوجيا الكهربائية الحديثة، ضمن مشروع أوسع لإعادة الحياة إلى أحد أشهر شوارع العاصمة التاريخية.
خط الترام ذي الطابع التراثي ضمن مشروع إحياء شارع الرشيد ( مواقع التواصل الاجتماعي)

مدينة تتعلم باستمرار كيف تدبر يومها

قد يكون من السهل وصف بغداد بتاريخها: العباسيون، دجلة، الأسواق، الكتب، الشعر والمقاهي. ومن السهل أيضاً وصفها بأزماتها: الحروب والزحام والكهرباء والبنية التحتية.

لكن الحياة اليومية تقع في المساحة الواقعة بين الصورتين.

إنها في صاحب متجر يصب الشاي لزبونه في الشورجة، وطالب يبحث عن مقهى هادئ واتصال جيد بالإنترنت، وعائلة تختار مطعماً على دجلة، وسائق يحاول العثور على طريق أقل ازدحاماً، وشاب يبدأ مشروعاً صغيراً من المنزل.

ومع حلول المساء، حين تخف حرارة الشمس وتزداد حركة الشوارع، تظهر بغداد التي قد لا تقولها نشرات الأخبار كاملة: مدينة تحمل أثقالاً كثيرة، لكنها تمتلك قدرة لافتة على تحويل الحياة اليومية نفسها إلى وسيلة للاستمرار.

في بغداد، يبدو الماضي حاضراً في السوق والطعام والعادات، لكن المدينة لا تعيش فيه. إنها تحاول كل صباح، وسط الزحام والتحديات، أن تصنع لنفسها يوماً جديداً.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.