بينما تبدو الحرب الأميركية الإيرانية عالقة من دون حسم عسكري أو اختراق دبلوماسي، بدأت واشنطن تتحرك على مسارين متوازيين: الأول عسكري ولوجستي لإبقاء النفط يتدفق عبر مضيق هرمز، والثاني اقتصادي يهدف إلى تشديد الخناق على إيران والدول والشركات التي تساعدها على الالتفاف على العقوبات.
وتكشف تقارير غربية عن تحوّل واضح في الاستراتيجية الأميركية: بدلاً من الرهان على أن الضربات العسكرية وحدها ستجبر طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات، تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب الآن تقليص قدرة إيران على إرباك أسواق الطاقة، وفي الوقت نفسه زيادة كلفة استمرارها في الحرب.
ممر ليلي للنفط عبر هرمز
وفق موقع “أكسيوس”، أنشأ الجيش الأميركي خلال الأسابيع الأخيرة ممراً منظماً لمرور ناقلات النفط عبر الجزء الجنوبي من مضيق هرمز بمحاذاة الساحل العُماني. ويقول مسؤولان أميركيان إن ما بين 15 و20 ناقلة تدخل المضيق أو تخرج منه كل ليلة، وإن حجم النفط المنقول وصل إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً، أي ما يقارب نصف المستوى الذي كان يمر قبل الحرب.
ولا تقتصر العملية على مرافقة ناقلات محملة بالنفط إلى خارج الخليج. فالقوات الأميركية تساعد أيضاً ناقلات فارغة على دخول الخليج من بحر العرب، والتوجه إلى موانئ دول المنطقة لتحميل النفط، ثم الخروج مجدداً عبر الممر نفسه.
وتُنظم الحركة في قوافل ليلية ضمن نوافذ زمنية محددة، مع توفير غطاء جوي لمواجهة الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز الإيرانية. وتقول المصادر الأميركية إن العملية أصبحت أكثر سهولة بعد حملة عسكرية استمرت نحو أسبوعين وأضعفت بعض قدرات إيران على الرادار والمراقبة البحرية.
وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فإن المغزى الاقتصادي لذلك كبير: نجاح واشنطن في إخراج كميات أكبر من النفط يخفف جانباً من الضغط الذي دفع أسعار الخام إلى الارتفاع خلال الحرب. فقد أدى تراجع حركة السفن عبر هرمز خلال الأسابيع الماضية إلى صعود النفط فوق 90 دولاراً للبرميل في بعض الجلسات، مع استمرار مخاوف الأسواق من اضطراب طويل الأمد في أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
لكن هذه الصورة ليست محسومة تماماً. فـ«الغارديان» تشير إلى أن بيانات تتبع السفن، ومنها بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في بيانات وتتبع حركة السفن وتجارة الطاقة والسلع، أظهرت أن حركة العبور لا تزال منخفضة، ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت الكميات الفعلية مساوية للتقديرات الأميركية.
ترامب ينقل المعركة إلى الاقتصاد
في الوقت نفسه، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة وصفها بأنها أقسى عملية اقتصادية تُفرض على دولة، محذراً أي بلد أو شركة أو مؤسسة مالية تساعد إيران من «عواقب اقتصادية هائلة».
وتشمل القائمة التي ذكرها البيت الأبيض تهريب النفط، والتحويلات النقدية، وخطوط المبادلة المالية، وشركات الواجهة، وسجلات السفن وشبكات الصرافة. والمقصود عملياً هو تضييق المساحات التي سمحت لإيران طوال سنوات بالالتفاف على العقوبات الأميركية والغربية.
وبحسب «الغارديان»، تمثل الخطوة امتداداً لعملية أميركية أطلقت تحت اسم ” عملية «الغضب الاقتصادي”، وهدفها حرمان طهران من الإيرادات والقنوات المالية الخارجية. وهي تأتي بعدما أوقفت واشنطن حملة ضربات جوية مكثفة لم تحقق الهدف السياسي الأساسي المتمثل في إعادة إيران إلى المفاوضات.
وهذا ما يجعل الاستراتيجية الجديدة أشبه بـحرب استنزاف اقتصادية: السماح لنفط حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بالخروج عبر هرمز، مع السعي في الوقت نفسه إلى منع النفط الإيراني من الوصول إلى الأسواق.

الصين هي الاختبار الحقيقي
لكن تنفيذ هذه الاستراتيجية يصطدم بعقبة رئيسية: الصين.
فبكين هي أهم مشترٍ للنفط الإيراني وأحد أكبر الشركاء الاقتصاديين لطهران. وبالتالي فإن فرض حصار اقتصادي حقيقي على إيران قد يتطلب عقوبات ثانوية على البنوك والشركات الصينية التي تتعامل معها.
وهنا تظهر المعضلة أمام ترامب. فالإدارة الأميركية تريد زيادة الضغط على إيران، لكنها لا تريد بالضرورة فتح مواجهة اقتصادية جديدة مع الصين، خصوصاً في ظل العلاقات التجارية الحساسة بين واشنطن وبكين.
ويقول غريغوري برو من «مجموعة أوراسيا» إن أي إجراءات أميركية جديدة مؤثرة يجب أن تستهدف شركاء إيران التجاريين، لكنه يرى أن اتخاذ خطوات قاسية ضد الصين سيكون صعباً لأن بكين هي الدولة الأكثر أهمية للمستقبل الاقتصادي الإيراني
هل يمكن خنق إيران اقتصادياً؟
التقارير لا تقدم إجابة حاسمة.
من جهة، تستطيع الولايات المتحدة فرض كلفة عالية جداً على إيران إذا جمعت بين حصار النفط والعقوبات على البنوك وشركات الشحن وشبكات الالتفاف على العقوبات.
لكن من جهة أخرى، عاشت إيران لعقود تحت عقوبات قاسية وطورت شبكات معقدة من الناقلات السرية وشركات الواجهة والوسطاء الماليين.
كما أن اقتصاديين وخبراء أمنيين يشككون في أن الضغط الاقتصادي وحده سيدفع القيادة الإيرانية إلى تغيير موقفها السياسي أو العسكري. وتلفت «سي إن إن» إلى أن نجاح استراتيجية الاستنزاف يتطلب أشهراً، وربما سنوات، من الضغط المتواصل، وهو ما يحتاج إلى درجة كبيرة من الصبر السياسي والتنسيق مع الحلفاء.
المواجهة الجديدة: من يملك وقتاً أطول؟
وهنا تكمن العقدة الحقيقية.
واشنطن تراهن على أن تتدهور قدرة الاقتصاد الإيراني قبل أن تتصاعد كلفة الحرب داخل الولايات المتحدة. أما طهران، فتراهن على العكس: استمرار اضطراب هرمز وارتفاع أسعار النفط يمكن أن يضغطا على الاقتصاد الأميركي والرأي العام، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
لذلك فإن المعركة لم تعد فقط حول من يسيطر عسكرياً على المضيق، بل حول من يستطيع تحمّل الاستنزاف لفترة أطول.
فالولايات المتحدة تحاول الآن تنفيذ معادلة شديدة الطموح: إبقاء نفط الخليج متدفقاً إلى الأسواق، ومنع إيران من الاستفادة من صادراتها، وردع هجماتها على السفن، والضغط على شركائها التجاريين في الوقت نفسه.
إذا نجحت، فقد تخفف واشنطن أحد أخطر أسلحة إيران في الحرب: القدرة على تحويل هرمز إلى مصدر دائم للفوضى الاقتصادية العالمية. أما إذا فشلت، فقد تجد إدارة ترامب نفسها أمام المشكلة نفسها التي واجهتها منذ بداية الحرب: قوة عسكرية كبيرة وضغط اقتصادي هائل، لكن من دون وسيلة واضحة لإجبار طهران على قبول شروطها.
المصادر: أكسيوس، الغارديان، سي إن إن، سي إن بي سي








