بعد نحو ستة أشهر من الحرب، تبدو المواجهة الأميركية-الإيرانية وكأنها تنتقل إلى مرحلة جديدة، فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين، حزمة عقوبات مشددة تستهدف الدول والشركات والجهات التي تواصل التعامل التجاري مع إيران، في حملة وصفها بـ**«يوم الإنزال الاقتصادي»، وتهدف إلى زيادة الضغط على طهران من دون العودة، في الوقت الراهن، إلى الضربات العسكرية.
وبحسب تقرير لموقع أكسيوس، تراهن واشنطن على توسيع نطاق العقوبات الثانوية، أي معاقبة أطراف غير إيرانية تتعامل مع طهران، لتصبح هذه الأداة المسار الأميركي الرئيسي في مواجهة إيران، على الأقل حتى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، حين قد يعود الخيار العسكري إلى الطاولة.
لكن طهران ترد بالتهديد بوقف تدفق النفط من الخليج، فيما تدخل الصين وعُمان وباكستان على خط أزمة قد تمتد تداعياتها من مضيق هرمز إلى أسواق الطاقة العالمية.
🚨 BREAKING: 🇺🇸 US Treasury Secretary Bessent says anyone who helps Iran with money laundering, will be removed from the US Dollar system. pic.twitter.com/NzUZxDhgj5
— Ash Crypto (@AshCrypto) August 24, 2026
واشنطن تغيّر أدوات الضغط
وكشف بيسنت ي مؤتمر صحفي اليوم الاثنين عن تفاصيل حملة عقوبات جديدة قال إنها ستكون من أشد حملات الضغط المالي التي فرضتها واشنطن على خصم.
وقال إن “أي تعامل اقتصادي مع النظام الإيراني سيعرّض المسؤولين عنه لكامل قوة الولايات المتحدة”، مؤكداً أن الحملة لن تستثني أحداً، بما في ذلك الصين. ولم يحدد مهلة زمنية للامتثال للعقوبات، لكنه حذر من أن صبر واشنطن «ليس بلا حدود».
لكن خبراء يشيرون إلى أن إيران تخضع أصلاً لواحد من أكثر أنظمة العقوبات شمولاً في العالم، ولذلك قد لا تكمن أهمية الحزمة الجديدة في إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات بقدر ما تكمن في تشديد تنفيذ العقوبات الموجودة واستهداف الدول والشركات التي تساعد إيران على الالتفاف عليها.
وكان بيسنت حذر، في مقال رأي نُشر بصحيفة فاينانشال تايمز الأحد، من أن «يوم إنزال اقتصادي قادم لإيران»، كما وجّه تحذيراً إلى الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران، من دون أن يكشف تفاصيل كثيرة عن الإجراءات المرتقبة.
وتتوافق تصريحات بيسنت مع تهديدات أطلقها الرئيس دونالد ترامب الأسبوع الماضي، حين لوّح هو الآخر بـ«يوم إنزال اقتصادي» ضد إيران، متعهداً بفرض «عواقب اقتصادية هائلة» على الدول التي تواصل التجارة مع طهران. وتهدف واشنطن، بحسب التقرير، إلى زيادة الضغط الاقتصادي لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

النفط في صدارة الأهداف
يُتوقع أن يكون قطاع النفط الإيراني محور الحملة الأميركية الجديدة، باعتباره أحد أهم مصادر الإيرادات والعملات الأجنبية لطهران.
وهنا تظهر الصين بوصفها العنصر الأصعب في الحسابات الأميركية. فبكين هي المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، بينما تعتمد طهران على شبكة من المصافي الصغيرة وشركات الشحن والمصارف ومكاتب الصرافة لإتمام عمليات البيع وتحويل عائداتها.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز، تراجعت بالفعل عروض الخام الإيراني للمشترين الصينيين خلال الأسابيع الأخيرة مع تشديد القيود الأميركية واضطراب الملاحة، وانخفضت صادرات إيران بصورة حادة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
لكن نجاح واشنطن في زيادة الضغط يعتمد إلى حد كبير على مدى استعداد الصين والدول التي تمر عبرها الأموال الإيرانية للتعاون معها.
الصين تقول: لن نخضع بسهولة
بكين أعطت أول إشارة واضحة إلى أنها لا تعتزم الانضمام تلقائياً إلى الحملة الأميركية.
وقالت وزارة الخارجية الصينية إنها ستراقب التطورات وستتخذ الإجراءات الضرورية لحماية مصالحها وحقوقها، داعية في الوقت نفسه إلى ضبط النفس والحوار، ومعتبرة أن العقوبات والضغط لا يمثلان طريقاً فعالاً لحل الأزمة.
وهذا يضع واشنطن أمام معضلة: فإذا أرادت خنق صادرات النفط الإيرانية فعلياً، فقد تحتاج إلى فرض عقوبات أشد على شركات ومؤسسات صينية، وهو ما قد يفتح جبهة اقتصادية جديدة بين أكبر اقتصادين في العالم.
ولهذا يرى محللون أن قدرة ترامب على فرض عزلة كاملة على إيران ستكون محدودة ما لم تتعاون بكين، خصوصاً أن الصين أثبتت في السابق استعداداً لتحدي العقوبات الأميركية الأحادية.

طهران ترد بتهديد الخليج
إيران، من جانبها، لم تتعامل مع الإعلان الأميركي باعتباره خطوة اقتصادية فقط.
رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي حذر الدول المجاورة من الانضمام إلى ما وصفه بـ«الحرب الاقتصادية» الأميركية، وقال إن الدول التي تشارك في فرض قيود اقتصادية على إيران قد تُعامل باعتبارها خصماً.
وذهب رضائي أبعد من ذلك، مهدداً بأنه إذا شاركت دول الخليج في الحملة الأميركية فإن إيران قد تمنع خروج النفط من الخليج ومضيق هرمز وتستهدف طرق تصدير أخرى.
هذه التصريحات تمثل موقفاً إيرانياً معلناً، وليس دليلاً على أن طهران اتخذت بالفعل قراراً بتنفيذ هذه التهديدات.
وفي الوقت نفسه، شددت السلطات الإيرانية القيود على المرور عبر هرمز، محذرة السفن التي لا تلتزم بقواعدها من احتمال التعرض للغرامات أو الاحتجاز أو المصادرة.

داخل طهران.. رسالتان مختلفتان
ورغم اللغة التصعيدية، تعكس تصريحات المسؤولين الإيرانيين اختلافاً في الأولويات داخل مؤسسات الحكم.
الرئيس مسعود بزشكيان قال إن إيران «لا تستطيع الاستمرار في الحرب إلى الأبد»، ودافع عن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها طهران وواشنطن في يونيو، معتبراً إياها أفضل طريق للخروج من حالة «لا حرب ولا سلام».
في المقابل، يواصل مسؤولون أمنيون وشخصيات محافظة استخدام لغة أكثر تشدداً، ويرفضون تقديم تنازلات تحت الضغط.
أما وزير الخارجية عباس عراقجي فيرى أن العودة الأميركية إلى العقوبات تعكس، من وجهة نظره، فشل الضغط العسكري، ويقول إن الحل يجب أن يأتي عبر الحوار القائم على الاحترام والمصالح المتبادلة. رويترز نقلت عنه رفضه الاعتقاد بأن الحزمة الجديدة ستدفع إيران إلى الاستسلام.
هل تستطيع العقوبات فعل ما لم تفعله الحرب؟
هذه هي نقطة الخلاف الأساسية بين واشنطن وطهران.
الإدارة الأميركية تراهن على أن الجمع بين الخسائر العسكرية وتراجع صادرات النفط والعقوبات المالية والعزلة الدولية سيضع الاقتصاد الإيراني تحت ضغط لا يمكن تحمله.
لكن منتقدي هذه الاستراتيجية يشيرون إلى أن إيران عاشت تحت العقوبات الأميركية منذ عقود، وأن الضغط الاقتصادي ألحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد ومستوى معيشة الإيرانيين، لكنه لم يؤدِ حتى الآن إلى قبول طهران بالشروط الأميركية الأساسية.
كما أن العقوبات نفسها تحمل تكاليف على الاقتصاد العالمي. أسعار النفط لا تزال شديدة الحساسية لأي اضطراب في هرمز، فيما ظل عدد السفن التي تعبر المضيق منخفضاً بصورة كبيرة مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
هرمز.. باب التفاوض لم يُغلق
وسط هذا التصعيد، تبقى سلطنة عُمان إحدى أهم قنوات الحوار.
ومن المقرر أن يزور وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي طهران الثلاثاء لمواصلة المحادثات بشأن مضيق هرمز، بما في ذلك ترتيبات الملاحة والأمن الإقليمي.
كما يزور قائد الجيش الباكستاني عاصم منير طهران، في مؤشر إلى استمرار مساعي الوساطة الإقليمية رغم تعثر التفاهم الأميركي-الإيراني السابق.
وتدور المفاوضات الإيرانية-العُمانية حول كيفية تنظيم المرور في المضيق، مع طرح أفكار تتعلق بمسارات محددة للسفن وآليات لإدارة الحركة البحرية.
معركة قد تتجاوز إيران
المفارقة أن «المعركة الاقتصادية» التي تريد واشنطن توجيهها ضد إيران قد لا تبقى ثنائية.
فإذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات ثانوية واسعة على الشركات والمصارف والدول التي تتعامل مع طهران، ستنتقل المواجهة إلى الصين ودول الخليج ومراكز مالية وتجارية أخرى.
أما إذا نفذت إيران تهديداتها بتعطيل صادرات الطاقة، فقد يكون الأثر سريعاً على أسعار النفط والتضخم والنقل البحري، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت العقوبات الجديدة ستضعف إيران، بل ما إذا كان بإمكان واشنطن فرض عزلة اقتصادية حقيقية عليها من دون فتح مواجهات اقتصادية وسياسية جديدة، وما إذا كانت طهران سترد اقتصادياً فقط أم ستعيد التصعيد إلى مياه الخليج.
وبين تهديد أميركي بـ«أقسى عقوبات في التاريخ»، ورد إيراني بوقف النفط، ومحاولات عُمانية لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، تدخل الأزمة مرحلة قد يكون فيها المال والنفط والمصارف والسفن أدوات مواجهة لا تقل أهمية عن الصواريخ.








