أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

أوزبكستان تستعيد ماضيها الإسلامي.. لماذا الآن؟

أوزبكستان تستعيد ماضيها الإسلامي.. لماذا الآن؟

تحت قبة زرقاء ضخمة في قلب العاصمة الأوزبكية طشقند، تجتمع مخطوطات عمرها قرون — في مقدمتها مخطوطة سمرقند أو مصحف عثمان المنسوب للخليفة الراشد عثمان بن عفان (رضي الله عنه) — إلى جانب شاشات حديثة تروي قصص الخوارزمي وابن سينا والبيروني وأولوغ بيك. يبدو المشهد للوهلة الأولى احتفاءً بالماضي، لكنه ينطوي على مشروع أكبر: أوزبكستان تستعيد إرثها الإسلامي لبناء هويتها الوطنية الحديثة وتعزيز حضورها العالمي.  أوزبكستان تفتح خزائن الماضي.. لماذا تستعيد إرثها الإسلامي الآن؟

أوزبكستان تستعيد ماضيها الإسلامي.. لماذا الآن؟

وبحسب تقرير لصحيفة “كوريا هيرالد”،  لا تتجه «أوزبكستان الجديدة» بقيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف نحو أسلمة الدولة، وإنما تحاول استعادة جزء من تاريخها الذي تعرض للانقطاع خلال الحقبة السوفيتية، وتقديم الإسلام باعتباره حضارة للعلم والثقافة والتنوير، وليس ديناً فقط.

مصحف عثمان
مخطوطة سمرقند (أو مصحف عثمان) المنسوبة  إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه (مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان)

استعادة تاريخ انقطع لعقود

بعد استقلال أوزبكستان عام 1991 عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، برز سؤال حساس أمام الدولة ذات الأغلبية المسلمة: كيف تستعيد إرثها الإسلامي من دون التخلي عن نظامها العلماني؟

ويقدم مركز الحضارة الإسلامية في طشقند إجابة الحكومة عن هذا السؤال.

فخلال الحكم السوفيتي، أدت القيود المفروضة على المؤسسات الدينية إلى تغيير العلاقة بين الإسلام والذاكرة التاريخية والهوية العامة. وبعد 35 عاماً من الاستقلال، تعتقد السلطات أن الوقت حان لكي تروي أوزبكستان تاريخها بنفسها.

ويقول شيرزود أسدوف، السكرتير الصحفي للرئيس ميرضيائيف، إن الاستقلال لم يمنح البلاد السيادة السياسية والاقتصادية فقط، وإنما منحها أيضاً القدرة على تقديم قصتها إلى العالم، مؤكداً أن التراث التاريخي والروحي لا ينبغي أن يبقى «خلف جدران المتاحف».

قلعة آرك التاريخية في بخارى
قلعة آرك التاريخية في بخارى ( موقع كاسبيان بوست)

آسيا الوسطى لم تكن مجرد طريق للقوافل

إحدى الرسائل الأساسية للمشروع هي تغيير الصورة التقليدية لآسيا الوسطى باعتبارها مجرد منطقة مرت عبرها قوافل طريق الحرير.

فطشقند تريد التذكير بأن المنطقة كانت أيضاً مركزاً لإنتاج المعرفة.

منها جاء محمد بن موسى الخوارزمي، الذي ارتبط اسمه بالجبر والخوارزميات، وابن سينا في الطب، وأبو الريحان البيروني في العلوم، وأولوغ بيك في الفلك، إلى جانب الإمام البخاري، أحد أبرز علماء الحديث.

ويرى مسؤولون أوزبك أن استحضار هؤلاء ليس مجرد احتفال بشخصيات تاريخية، بل جزء من مشروع فكري يقوم على ما يصفونه بـ**«مواجهة الجهل بالتنوير»**.

صحيفة كوريا هيرالد
طشقند تسمح بـالتصالح مع هويتها الإسلامية التاريخية من دون جعل الدين أساساً لنظام الدولة (صحيفة كوريا هيرالد)

الإسلام حضارة وليس مشروعاً سياسياً

يحاول التقرير توضيح نقطة أساسية: أوزبكستان لا تزال دولة علمانية دستورياً.

لذلك تركز الحكومة على الجانب الحضاري والفكري من الإسلام أكثر من الجانب الديني السياسي، وتقدمه بوصفه تراثاً يضم العلوم والطب والرياضيات والفلك والفلسفة والثقافة.

وقال الباحث الإعلامي الأوزبكي بيروني عليموف إن مركز الحضارة الإسلامية ليس موجهاً للمسلمين وحدهم، مشيراً إلى أن المسيحيين والبوذيين واليهود وغيرهم مرحب بهم، لأن الحديث عن الحضارة الإسلامية، وفق رؤيته، يتجاوز الإسلام بوصفه ديناً.
وهذه المعادلة تسمح لطشقند بـالتصالح مع هويتها الإسلامية التاريخية من دون جعل الدين أساساً لنظام الدولة.

لوحة فنية تستحضر أجواء سمرقند في القرن الخامس عشر (سانجاي كومار/كوريا هيرالد)
لوحة فنية تستحضر أجواء سمرقند في القرن الخامس عشر (سانجاي كومار/كوريا هيرالد)

من الخوارزمي إلى «النهضة الثالثة»

يرتبط المشروع أيضاً برؤية سياسية وثقافية أوسع يطلق عليها ميرضيائيف اسم «النهضة الثالثة».

والفكرة تقوم على استلهام العصور التي كانت فيها مدن المنطقة مراكز عالمية للعلوم والفنون، وتحويل ذلك الإرث إلى مصدر إلهام للأجيال الجديدة.

واقترح ميرضيائيف إنشاء مركز الحضارة الإسلامية عام 2017 ضمن اهتمام حكومته بالتعليم والتنوير. وبعد نحو ثماني سنوات من العمل، افتُتح المركز في مارس/آذار 2026، واستقبل، بحسب التقرير، نحو نصف مليون زائر حتى الأول من يونيو/حزيران.

التاريخ يتحول إلى قوة ناعمة

لكن المشروع لا يستهدف الداخل الأوزبكي وحده.

فطشقند تريد أيضاً تحويل تاريخ سمرقند وبخارى وخيوة وترمذ إلى أداة دبلوماسية وثقافية تعزز مكانة أوزبكستان دولياً.

ومن خلال استضافة الصحفيين والباحثين والزوار الأجانب، تحاول البلاد تقديم نفسها بصورة مختلفة عن تلك التي ارتبطت بها خلال الحقبة السوفيتية: دولة حديثة ومنفتحة، لكنها تمتلك جذوراً حضارية عميقة.

ماذا تريد «أوزبكستان الجديدة»؟

الخلاصة أن العودة إلى الماضي الإسلامي ليست، وفق التقرير، عودة دينية بالمعنى السياسي بقدر ما هي محاولة لإعادة كتابة الهوية الوطنية بعد عقود من الحكم السوفيتي.

تريد طشقند أن تقول إن تاريخها لم يبدأ باستقلالها عام 1991، وإن آسيا الوسطى لم تكن هامشاً تمر عبره الحضارات، بل ساهمت في صنعها.

وبذلك يتحول التراث الإسلامي إلى أداة ذات وظيفتين: في الداخل، بناء هوية وطنية أكثر اتصالاً بالتاريخ؛ وفي الخارج، صناعة قوة ناعمة تقدم أوزبكستان باعتبارها وريثة حضارة علم ومعرفة، ودولة حديثة تتطلع في الوقت نفسه إلى المستقبل.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.