أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

معتقلو داعش الأجانب في العراق.. ماذا أراد الزيدي قوله من برلين؟

معتقلو داعش الأجانب في العراق.. ماذا أراد الزيدي قوله من برلين؟

في خضم زيارة ركزت بدرجة كبيرة على النفط والاستثمار والعلاقات العراقية-الألمانية، أعاد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في برلين فتح واحد من أكثر الملفات الأمنية والقانونية حساسية بالنسبة إلى العراق وأوروبا: مصير آلاف المعتقلين الأجانب المرتبطين بتنظيم «داعش» الذين نُقلوا من شمال شرقي سوريا إلى العراق.

وقال الزيدي، خلال مؤتمره الصحفي مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس الثلاثاء، إن ملف المعتقلين الأجانب المنتمين إلى داعش يخص القضاء، والحكومة ليس لها سلطان عليه، في تأكيد على أن التعامل مع هؤلاء يخضع للسلطة القضائية العراقية وليس لقرار سياسي من الحكومة.

لكن وراء هذه العبارة المختصرة ملف أكثر تعقيداً؛ فالعراق بات مسؤولاً عن آلاف المتهمين المنتمين إلى عشرات الجنسيات، في وقت تختلف فيه الدول المعنية بشأن استعادتهم ومحاكمتهم، وتثار تساؤلات حول الأدلة وإجراءات التقاضي وعقوبة الإعدام والضغط الذي قد تشكله هذه القضايا على السجون والمحاكم العراقية.

وقبل يوم واحد فقط من تصريحات الزيدي، نشرت ديفورا مارغولين، الباحثة المتخصصة في مكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قراءة بعنوان «محاكمات الدولة الإسلامية في العراق: دور الولايات المتحدة»، رأت فيها أن انتقال ملف المعتقلين إلى المرحلة القضائية يضع العراق وشركاءه أمام اختبار يتجاوز مجرد محاكمة عناصر التنظيم.

من مخيمات سوريا إلى المحاكم العراقية

بدأت المشكلة بعد الهزيمة الميدانية لتنظيم «داعش» عام 2019، عندما بقي آلاف الرجال والنساء والأطفال المرتبطين بدرجات متفاوتة بالتنظيم في مخيمات ومراكز احتجاز تديرها ما تعرف بـ«قوات سوريا الديمقراطية» في شمال شرقي سوريا.

ومع تدهور الوضع الأمني هناك مطلع 2026 والمخاوف من عمليات هروب، طلبت بغداد من واشنطن تسهيل نقل نحو 5700 محتجز إلى العراق.

وفي الأول من سبتمبر/أيلول، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي استكمال مرحلة استجواب 5704 متهمين من عناصر «داعش» المنقولين من شمال شرقي سوريا، والانتقال إلى إحالتهم إلى محاكم الموضوع، كل بحسب الأدلة والوقائع في قضيته.

ويقول مجلس القضاء إن الملف يضم أشخاصاً من 67 جنسية، بينهم 3497 سورياً و474 عراقياً، إضافة إلى مواطنين من دول عربية وأوروبية وأجنبية أخرى.

وهنا تكتسب تصريحات الزيدي معناها القانوني: القضاء العراقي يقول صراحة إن الملف أصبح تحت سلطته، وإن كل قضية يفترض أن تحسم استناداً إلى الأدلة الخاصة بصاحبها.

دالزيدي أك
الزيدي أكد أن التعامل مع المعتقلين المرتبطين بداعش يخضع للسلطة القضائية العراقية ( وكالة الأنباء العراقية)

لماذا يهم هذا الملف ألمانيا وأوروبا؟

اختيار الزيدي الحديث عن القضية في برلين ليس منفصلاً عن البعد الأوروبي للملف.

فبين المحتجزين رعايا دول أوروبية، بينما رفضت دول عديدة على مدى سنوات استعادة بعض مواطنيها المرتبطين بـ«داعش»، لأسباب أمنية وقانونية وسياسية. وبعض الدول استعادت نساء وأطفالاً، لكنها كانت أكثر تردداً في استعادة الرجال المتهمين بالقتال أو العمل مع التنظيم.

وهنا تظهر إحدى نقاط الخلاف الأساسية: إذا بقي هؤلاء في العراق، فإنهم يخضعون للقوانين والمحاكم العراقية، ومنها قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 الذي يمكن أن تترتب عليه أحكام بالإعدام، في حين تحظر دول أوروبية عقوبة الإعدام.

لذلك لا يتعلق النقاش فقط بسؤال من يحاكم عناصر داعش؟، وإنما أيضاً: أين تجري المحاكمة؟ وما الأدلة المستخدمة؟ وأين تنفذ العقوبة؟ وهل تستعيد الدول مواطنيها إذا قرر العراق تسليمهم؟
إنفوجرافيك يوضح التحديات القانونية والمسؤولية الدولية تجاه ملف المحتجزين الأجانب من تنظيم داعش في العراق.

بغداد: القضاء صاحب القرار

موقف الزيدي ينسجم مع الموقف الذي أعلنه القضاء العراقي منذ بدء التعامل مع الملف.

فالمركز الوطني للتعاون القضائي الدولي أكد أن المشتبه بهم، بصرف النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم السابقة داخل التنظيم، يخضعون لسلطة القضاء العراقي.

لكن التطورات اللاحقة تظهر أن الخضوع للقضاء العراقي لا يعني بالضرورة أن جميع المحتجزين سيحاكمون أو يبقون في العراق.

فالتحقيقات أدت بالفعل إلى الإفراج عن أشخاص لم تتوافر أدلة كافية ضدهم. وأعلن العراق، على سبيل المثال، أنه لم يجد أدلة كافية لمواصلة احتجاز 457 من أصل 3497 سورياً نقلوا إليه، ويستعد لإعادتهم، كما أُفرج عن عراقيين وقاصرين في حالات أخرى.

وهذا التفريق مهم؛ إذ إن وجود شخص سابقاً في منشأة احتجاز مرتبطة بـ«داعش» لا يعني، من الناحية القانونية، ثبوت ارتكابه جريمة.

معهد واشنطن: العراق لا ينبغي أن يتحمل العبء وحده

هنا تنتقل ورقة معهد واشنطن من توصيف المشكلة إلى طرح رؤية سياسية أميركية لكيفية التعامل معها.

وترى مارغولين أن تولي العراق الملف يمكن أن ينهي سنوات من الاحتجاز غير المحدد ويوفر مساراً لمحاسبة المتهمين بجرائم التنظيم، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تحديات تتعلق بإجراءات جمع الأدلة، وضمان المحاكمات العادلة، وسرعة التحقيقات، وظروف السجون، وعقوبة الإعدام.

وتستحضر الباحثة الانتقادات التي وجهتها منظمات حقوقية في السابق إلى محاكمات عراقية لمتهمين بالانتماء إلى «داعش»، خصوصاً بين عامي 2017 و2019، بشأن سرعة بعض الإجراءات وادعاءات انتزاع اعترافات بالإكراه واستخدام عقوبة الإعدام.

وفي المقابل، تشير الورقة إلى تطورات تعتبرها إيجابية، بينها الإفراج عن أشخاص بعد عدم العثور على أدلة كافية ضدهم، والتعاون العراقي مع مؤسسات قضائية دولية، وتبادل الأدلة المتعلقة بجرائم التنظيم.

61 دولة.. والمشكلة لم تعد عراقية فقط

العقدة الأكبر أن القضية ذات طبيعة دولية.

فالعراق يجري اتصالات مع عشرات الدول بشأن مواطنيها، وبعض الحكومات تريد استعادتهم، فيما تفضل أخرى بقاءهم ومحاكمتهم في العراق.

وترى مارغولين أن بغداد لا ينبغي أن تتحمل وحدها العبء القضائي والأمني والمالي المترتب على آلاف المحتجزين. وتدعو الولايات المتحدة إلى الضغط على شركائها لاستعادة مواطنيهم عندما لا تتوافر أسباب كافية لاستمرار احتجازهم، ودعم ترتيبات تسمح بمحاكمة آخرين أو قضاء عقوباتهم في بلدانهم الأصلية.

كما تقترح أن يستخدم «التحالف الدولي» شبكته الواسعة لتوفير تمويل ومساعدة فنية وتبادل للأدلة مع العراق على مدى سنوات.

معضلة الأدلة

هناك مشكلة أخرى لا تقل تعقيداً عن مكان المحاكمة: كيف يمكن إثبات ما فعله كل متهم أثناء وجود «داعش»؟

ليس كل المحتجزين في وضع قانوني واحد. فهناك، وفق السلطات العراقية، أشخاص شغلوا مواقع قيادية وأمنية وعسكرية وإعلامية داخل التنظيم، وآخرون متهمون بتقديم دعم مالي أو لوجستي أو إداري أو تقني، بينما ترتبط بعض القضايا باستعباد نساء إيزيديات.

وفي المقابل، أظهرت التحقيقات وجود أشخاص لم تكن الأدلة ضدهم كافية لاستمرار احتجازهم.

وهذا يجعل فحص كل حالة بصورة منفردة أساسياً، بدلاً من التعامل مع آلاف المحتجزين بوصفهم مجموعة قانونية واحدة.

كما أن الجرائم ارتكبت في مناطق مختلفة من العراق وسوريا، والمتهمين ينتمون إلى عشرات الدول، بينما توجد أجزاء من الأدلة لدى حكومات ومؤسسات دولية مختلفة. ومن هنا تأتي أهمية التعاون القضائي وتبادل الأدلة.

نهاية المهمة العسكرية لا تعني نهاية ملف «داعش»

تأتي تصريحات الزيدي أيضاً في لحظة انتقالية بالنسبة إلى العلاقة الأمنية بين العراق والتحالف الدولي.

فمع انتهاء المهمة العسكرية متعددة الجنسيات، لا تختفي الملفات التي خلفتها الحرب على «داعش». بل إن قضية المحتجزين قد تصبح واحدة من أبرز أشكال التعاون في مرحلة ما بعد المهمة العسكرية.

وترى قراءة معهد واشنطن أن واشنطن تستطيع الانتقال من الدور العسكري المباشر إلى دور مختلف يشمل المساعدة في تمويل الاحتجاز والمحاكمات، وتبادل الأدلة، وتشجيع الدول على استعادة مواطنيها، ودعم التنسيق بين بغداد ودمشق.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: الحرب العسكرية على دولة «داعش» انتهت منذ سنوات، لكن المعركة القانونية مع إرثها قد تستمر سنوات أخرى.

ماذا تعني عبارة الزيدي عملياً؟

عندما يقول رئيس الوزراء العراقي إن الحكومة «ليس لها سلطان» على ملف المعتقلين الأجانب، فإنه يرسم حدوداً واضحة بين القرار التنفيذي والقرار القضائي.

لكن استقلال المسار القضائي لا يلغي الدور الحكومي والدبلوماسي بالكامل.

فالحكومة ستظل معنية بالعلاقات مع الدول التي يحمل المحتجزون جنسياتها، وباتفاقيات الإعادة والتسليم، وبتمويل السجون، والتعاون الأمني والدولي، بينما يعود إلى القضاء تحديد المسؤولية الجنائية لكل متهم وإصدار الأحكام وفق القانون العراقي.

وبالتالي، فإن الملف يتحرك على مسارين متوازيين: قضائي عراقي يحدد مصير المتهمين، وسياسي ودبلوماسي دولي يبحث أين وكيف يمكن إدارة تبعات تلك الأحكام والمحتجزين على المدى الطويل.

ومن هنا، قد يكون السؤال الذي يواجه بغداد بعد إنهاء استجواب أكثر من 5700 متهم أكبر من مجرد كيفية محاكمتهم: هل يتحول العراق إلى المكان الذي يحمل وحده العبء القانوني والأمني لإرث «داعش» الدولي، أم تنجح بغداد في إعادة توزيع المسؤولية على الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المحتجزون؟

قراءة معهد واشنطن تميل بوضوح إلى الخيار الثاني، وتدعو واشنطن والدول الأعضاء في التحالف الدولي إلى تحمل جزء من المسؤولية. أما تصريح الزيدي في برلين، فيضع في المقابل قاعدة عراقية واضحة للمرحلة المقبلة: حين يتعلق الأمر بثبوت الجريمة والحكم على المتهم، فإن القرار للقضاء وليس للحكومة.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.