أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
جولة الصحافة

رحلات غامضة إلى جزيرة نائية.. ما الذي تبحث عنه أمهات صينيات؟

رحلات غامضة إلى جزيرة نائية.. ما الذي تبحث عنه أمهات صينيات؟
سايبان قطعة صغيرة من أميركا تقع جغرافياً على عتبة آسيا

في غرفة العمليات بمستشفى صغير وسط المحيط الهادئ، وجدت مترجمة تُدعى «ميلاني» نفسها تحمل حقيبة زرقاء وبيضاء ممتلئة بالنقود، بينما كانت امرأة صينية في السادسة والثلاثين تُنقل على عجل لإجراء عملية قيصرية.

لم تكن المرأة سائحة عادية. فقد قطعت رحلة طويلة من الصين إلى جزيرة سايبان، وهي إقليم أميركي بعيد في غرب المحيط الهادئ، من أجل هدف واحد: أن يولد طفلها على أرض أميركية ويحصل على الجنسية الأميركية.

قالت المرأة للمترجمة إنها ادخرت المال لأكثر من خمس سنوات من أجل هذه الرحلة. لم تكن، بحسب ميلاني، تبدو ثرية، لكنها كانت مستعدة لإنفاق مدخراتها كي تمنح ابنها ما وصفته بـ«خيارين» في المستقبل: الصين أو الولايات المتحدة.

هكذا تبدأ صحيفة «تلغراف» البريطانية تحقيقها من سايبان، حيث تحولت ظاهرة تعرف باسم «سياحة الولادة» من نشاط كان واضحاً للعيان قبل سنوات إلى ممارسة أقل ظهوراً وأكثر إثارة للجدل.

جزيرة أميركية على أبواب آسيا

سايبان ليست ولاية أميركية، لكنها جزء من كومنولث جزر ماريانا الشمالية المرتبط بالولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن عرض الجزيرة لا يتجاوز نحو خمسة أميال ويبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، فإن موقعها يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة.

فهي تقع على بعد نحو 1700 ميل من تايوان، و1800 ميل من الصين، و1400 ميل من اليابان، كما تفصلها رحلة جوية قصيرة عن غوام، التي تضم منشآت عسكرية أميركية مهمة. وللمنطقة تاريخ عسكري بارز؛ فقد سيطرت القوات الأميركية على سايبان من اليابان عام 1944، فيما انطلقت من جزيرة تينيان المجاورة الطائرة التي ألقت القنبلة الذرية على هيروشيما.

لكن قصة سايبان الحديثة مختلفة تماماً: نساء حوامل، شقق مؤجرة، مترجمون وسائقو سيارات أجرة ومتاجر أطفال، واقتصاد صغير نشأ حول رغبة بعض العائلات الصينية في منح أبنائها مستقبلاً أميركياً.

عندما أصبحت الولادة قطاعاً اقتصادياً

تقول الصحيفة إن الظاهرة بدأت تتسع منذ عام 2009، في وقت كانت سايبان تحاول إنقاذ اقتصادها بعد انهيار صناعة الملابس التي كانت توفر آلاف الوظائف.

وفي محاولة لجذب السياح الصينيين، سُمح لهم بدخول الجزيرة من دون تأشيرة مسبقة لفترات محددة. وكانت النتيجة غير المتوقعة ظهور سوق متخصصة في استقبال النساء الراغبات في الولادة هناك.

وبلغت الظاهرة ذروتها عام 2018، عندما نُسبت 581 ولادة إلى «سياحة الولادة»، أي نحو 46% من جميع الولادات في الجزيرة، وفق الأرقام التي أوردها التحقيق نقلاً عن مؤسسة الرعاية الصحية المحلية.

وفي تلك السنوات، لم يكن وجود الحوامل الصينيات سراً.

يتذكر عامل في متجر محلي أن رؤية النساء الحوامل على الشواطئ وفي الشوارع كانت أمراً مألوفاً، فيما تقول صاحبة متجر إنها كانت تتلقى باستمرار طلبات لتوصيل الخضراوات والبقالة إلى نساء صينيات لم يكن باستطاعتهن حمل المشتريات بسبب الحمل.

من الشواطئ إلى الشقق المغلقة

لكن المشهد تغير.

بعد تقليص مدة الإقامة المسموح بها إلى 14 يوماً، يقول سكان تحدثت إليهم الصحيفة إن الظاهرة أصبحت أقل وضوحاً. ويزعم بعضهم أن نساء يتجاوزن مدة الإقامة ثم يبقين داخل شققهن حتى موعد الولادة.

وتصف «تلغراف» شبكة خدمات غير رسمية تحيط ببعض النساء: سائقون ينقلونهن إلى المستشفى، ومترجمون يرافقونهن خلال الفحوص، وعاملات يعدّدن الطعام، وطلبات بقالة تصل عبر تطبيق «ويتشات».

لكن الصحيفة نفسها تشدد على أنها لم تجد دليلاً على أن الشركات المحلية التي تقدم هذه الخدمات تعلم بالضرورة أن بعض النساء تجاوزن مدة إقامتهن أو تتعمد مساعدتهن على ذلك.

ولا يزال على شاطئ الجزيرة متجر ضخم يحمل اسماً لافتاً: ” أمهات وأطفال أميركا”؛ واجهة باهتة لمحل مليء بالحفاضات وعربات الأطفال والألعاب، وكأنه أثر باقٍ من سنوات ازدهار هذا النشاط.

صناعة تبيع «مستقبلاً أميركياً»

الأكثر إثارة أن مواقع إلكترونية باللغة الصينية لا تزال، بحسب التحقيق، تسوّق سايبان باعتبارها مكاناً مناسباً للولادة.

إحدى الشركات تعرض تولي إجراءات شهادة الميلاد، ورقم الضمان الاجتماعي، ووثائق السفر والجواز الأميركي للمولود، فيما تقدم مواقع أخرى الرحلة باعتبارها مزيجاً من السياحة والولادة والإقامة في جزيرة استوائية.

وتعرض صوراً لمنازل وشقق فاخرة وتعد الأمهات ببيئة «خاصة وآمنة». لكن التحقيق يوضح أيضاً أنه لا توجد أدلة على أن الشركات التي استعرض مواقعها تشجع النساء على تجاوز المدة القانونية للإقامة.

الجانب الآخر من الحلم

خلف الحديث عن جواز السفر، تظهر أيضاً مخاطر إنسانية.

الدكتور جيف فريش، الذي يعمل في الجزيرة، قال إنه تعامل خلال ثلاث سنوات مع عشرات الحالات التي اشتبه في ارتباطها بسياحة الولادة. بعض النساء، وفق روايته، يصلن برفقة مترجم أو جهة تساعدهن، بينما تصل أخريات بمفردهن إلى جزيرة محدودة الإمكانات الطبية.

وأعرب الطبيب عن قلقه من احتمال تعرض بعض النساء للاستغلال، بل طرح احتمال أن تكون بعض الحالات مرتبطة بالاتجار بالبشر، من دون أن يقدم التحقيق دليلاً على أن ذلك ينطبق على جميع النساء أو حتى معظمهن.

ويروي الطبيب حالة زوجين رفضا الانتقال إلى مكان تتوافر فيه رعاية طبية أكثر تقدماً رغم المخاوف من مضاعفات لدى طفلهما. وبحسب ميلاني، حصل الطفل بعد ولادته على جواز أميركي، ثم عاد الزوجان إلى الصين بطائرة خاصة.

ترامب يدخل على الخط

القصة لم تعد قضية محلية في سايبان.

في 6 أغسطس/آب 2026، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يستهدف «سياحة الولادة»، وعرّفها بأنها دخول أجنبي إلى الولايات المتحدة بتأشيرة لغير المهاجرين بقصد الولادة على الأراضي الأميركية، أو تسهيل قيام شخص آخر بذلك. ووجه وزارتي الخارجية والأمن الداخلي إلى اتخاذ إجراءات قد تشمل منع الدخول أو إلغاء تصاريح السفر واتخاذ إجراءات ضد الجهات التي تسهّل هذه الممارسة.

وأصدر في اليوم نفسه أمراً آخر يتناول حالات معينة تتعلق بالجنسية بالولادة، ومن بينها الحالات التي يقول الأمر إنها تنطوي على «معاملة تجارية» هدفها الحصول على الجنسية لطفل يولد داخل الولايات المتحدة أو أراضيها.

وهذا يعني أن مستقبل الظاهرة بات مرتبطاً أيضاً بصراع قانوني وسياسي أوسع حول حدود الجنسية بالولادة وسلطات الرئيس في تطبيق قيود عليها.

من الهجرة إلى هواجس التجسس

هنا ينتقل تحقيق «تلغراف» من القصة الإنسانية إلى قضية أكثر إثارة للجدل.

فبعض المسؤولين والخبراء الذين تحدثت إليهم الصحيفة يربطون بين موقع سايبان الاستراتيجي والنفوذ الاقتصادي الصيني فيها، ويطرحون مخاوف من أن أطفالاً مولودين لأبوين صينيين ويحملون الجنسية الأميركية قد يصبحون مستقبلاً هدفاً للاستغلال الاستخباري.

ووصل أحد المسؤولين المحليين إلى حد التكهن بأن امتلاك هؤلاء الأطفال جوازات أميركية منذ الولادة قد يجعل بعضهم بعد بلوغ سن الرشد صالحاً للاستخدام في عمليات تجسس.

حقيبة النقود.. ومستقبل طفل

بعيداً عن حسابات واشنطن وبكين، تعود القصة في النهاية إلى غرفة الولادة.

بالنسبة إلى المرأة الصينية التي التقتها ميلاني، لم تكن سايبان قاعدة عسكرية أو نقطة في صراع القوى الكبرى. كانت ببساطة مكاناً تستطيع فيه، بعد خمس سنوات من الادخار، أن تمنح طفلها وثيقة تعتقد أنها ستفتح أمامه أبواباً لم تكن مفتوحة أمامها.

وبالنسبة إلى سايبان، فإن هؤلاء الأمهات يكشفن مفارقة الجزيرة نفسها: قطعة صغيرة من أميركا تقع جغرافياً على عتبة آسيا، تحاول إنقاذ اقتصادها، فيما تجد نفسها عالقة في واحدة من أعقد القضايا الأميركية — من يستحق الجنسية، وماذا يمكن أن يفعل الآباء لمنح أبنائهم فرصة لحياة مختلفة؟

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.