بعد أكثر من عقدين على الغزو الأميركي للعراق، ما تزال عائدات النفط العراقي مرتبطة بترتيبات مالية نشأت في أعقاب عام 2003، إذ تمر الإيرادات النفطية عبر حساب للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك قبل استخدامها في تمويل التجارة والإنفاق الحكومي.
هذا النظام، الذي أُنشئ في الأصل لحماية الأموال العراقية من مطالبات الدائنين وضمان إدارة عائدات النفط، يوفر لبغداد في الوقت نفسه حماية مالية وسهولة في التعامل بالدولار. لكنه يمنح واشنطن أيضاً أدوات مؤثرة في تنظيم وصول العراق إلى العملة الأميركية، وهو ما يثير منذ سنوات نقاشاً عراقياً حول السيادة المالية وحدود الاعتماد على النظام المالي الأميركي.
ويسلط التقرير التالي الضوء على هذه العلاقة المعقدة، ولا سيما في وقت تسعى فيه بغداد إلى تعزيز استقلالها المالي، بينما تستخدم واشنطن العقوبات والرقابة المصرفية لمنع وصول الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات، خصوصاً في إيران.

كيف بدأت الحكاية؟
تعود جذور النظام إلى مايو/أيار 2003، عندما أُنشئ صندوق تنمية العراق في أعقاب الغزو الأميركي، ليكون وعاءً لعائدات صادرات النفط والغاز العراقية، إلى جانب أموال أخرى مرتبطة بالنظام العراقي السابق وبرنامج «النفط مقابل الغذاء».
وأضفى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 إطاراً دولياً على الترتيبات الجديدة. ونص القرار على إيداع عائدات صادرات النفط والغاز في صندوق تنمية العراق، واستخدام الأموال بصورة شفافة لتلبية الاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية وغيرها من الأغراض التي تعود بالنفع على العراقيين. كما نص آنذاك على تخصيص 5% من العائدات لصندوق تعويضات الكويت.
وأُنشئت هيئة دولية استشارية للرقابة على الصندوق، ضمت ممثلين عن الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. وكان من أهداف النظام أيضاً توفير الحماية للأموال العراقية من الحجز عليها نتيجة مطالبات ودعاوى تعود إلى عهد النظام السابق.
ومع انتهاء النظام الدولي الخاص بصندوق تنمية العراق، تغيرت الصيغة القانونية، لكن الصلة بنيويورك لم تنتهِ. وأصبح البنك المركزي العراقي يحتفظ بحساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، حيث تظل عائدات النفط العراقية مرتبطة بالنظام المالي الأميركي. وتقول رويترز إن هذه الآلية ما تزال قائمة حتى اليوم.
هل تسيطر الولايات المتحدة فعلاً على أموال العراق؟
وصف المسألة بأنها سيطرة أميركية يحتاج إلى بعض التدقيق.
فالأموال هي إيرادات عراقية والحساب يعود إلى البنك المركزي العراقي، وليست عائدات تمتلكها الحكومة الأميركية. لكن وجود الإيرادات النفطية ضمن النظام المالي الأميركي، واعتماد العراق الكبير على الدولار، يمنح السلطات الأميركية قدرة مهمة على التأثير في طريقة وصول المؤسسات العراقية إلى العملة الأميركية والتحويلات المرتبطة بها.
وتصف رويترز هذا الوضع بأنه يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً، خصوصاً أن النفط يمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة العراقية بحسب تقرير الوكالة.
أما ميدل إيست آي فتذهب أبعد في توصيفها، وترى أن النظام يمنح الولايات المتحدة أداة ضغط سياسية على بغداد. واستشهدت بتعليق شحنة نقدية تبلغ نحو 500 مليون دولار في أبريل/نيسان قبل استئنافها لاحقاً، معتبرة أن الحادثة أظهرت قدرة واشنطن على تقييد وصول العراق إلى الدولارات النقدية.

المشكلة ليست في الدولار بل في غياب البدائل
وتعليقا على ذلك يفرّق الخبير والأكاديمي العراقي المختص في الشأن الاقتصادي د. نوار السعدي بين ملكية العراق لعائداته النفطية وبين الآلية التي تُدار من خلالها هذه الأموال داخل النظام المالي الدولي، مؤكداً أن وجود الإيرادات العراقية في حسابات مرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لا يعني أنها أموال أميركية.
وقال السعدي لـ«أوج24» إن «عائدات النفط العراقية هي أموال عراقية تُدار عبر حسابات للبنك المركزي العراقي مرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي في نيويورك»، موضحاً أن جذور هذا الترتيب تعود إلى صندوق تنمية العراق الذي أُنشئ بعد عام 2003، وكان من أهدافه حماية العائدات العراقية من المطالبات والدعاوى الخارجية.
لكن هذه الآلية، بحسب السعدي، تمنح الولايات المتحدة في الوقت نفسه نفوذاً مالياً مهماً، لأن حركة الدولار العراقي تبقى مرتبطة بالنظام المالي الأميركي وقواعده المتعلقة بالامتثال والعقوبات والتحويلات الدولية.
وأضاف أن هذا النفوذ أصبح أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة مع تشديد الرقابة على التحويلات بالدولار، والانتقال منذ مطلع عام 2025 إلى نظام جديد لتمويل التجارة الخارجية يعتمد بصورة أكبر على المصارف التجارية وعلاقاتها بالبنوك المراسلة الدولية.
ويرى السعدي أن النقاش حول السيادة المالية ينبغي ألا يقتصر على مكان وجود الأموال، قائلاً إن السؤال الأهم هو: هل يمتلك العراق بدائل مؤسسية ومالية تتيح له الوصول إلى أمواله وتمويل تجارته الخارجية إذا تعرضت إحدى القنوات المالية للضغط أو التعطيل؟
ويضيف: “هنا تكمن نقطة الضعف الحقيقية”.
حماية أم اعتماد استراتيجي؟
وبحسب السعدي، يوفر النظام الحالي فوائد مهمة للعراق، من بينها حماية عائدات النفط، وتسهيل الوصول إلى الدولار، وتعزيز الثقة الدولية بالأموال العراقية، فضلاً عن الحماية من بعض المطالبات والاضطرابات المالية.
لكن المشكلة، كما يقول، تبدأ «عندما يتحول الاعتماد على هذه الآلية من وسيلة لحماية الأموال إلى حالة من الاعتماد الاستراتيجي على قناة مالية واحدة»، إذ يمكن عندها لأي قيود تطال الدولار أو النظام المصرفي الدولي أن تنعكس مباشرة على الاقتصاد العراقي.
ويخلص السعدي إلى أن السيادة المالية ليست قضية جغرافية بقدر ما هي قضية مؤسساتية؛ فوجود الأموال داخل العراق لا يعني بالضرورة استقلالاً مالياً كاملاً، مثلما أن وجودها في الخارج لا يعني تلقائياً فقدان السيادة.
ويقول: «السيادة المالية الحقيقية تعني امتلاك الدولة خيارات متعددة لإدارة احتياطياتها وتمويل تجارتها الخارجية، من دون أن تصبح رهينة لقناة واحدة».
هل يكون اليورو أو اليوان بديلاً؟
وعن إمكانية تقليل الاعتماد على الدولار من خلال بيع جزء من النفط بعملات أخرى، يرى السعدي أن العراق يستطيع تقنياً توسيع استخدام اليورو أو اليوان، لكنه يحذر من النظر إلى ذلك باعتباره «حلاً سحرياً أو بديلاً سريعاً للدولار».
ويشير إلى استمرار الفارق الكبير بين الدولار والعملات الأخرى من حيث حجم الاحتياطيات العالمية وعمق الأسواق والسيولة، فضلاً عن الارتباط الوثيق بين تجارة النفط العالمية والدولار.
لذلك، يرى أن الانتقال الكامل إلى اليورو أو اليوان قد يضيف تكاليف ومخاطر تتعلق بأسعار الصرف والسيولة وإدارة الاحتياطيات.
لكن ذلك، بحسب السعدي، لا يعني استمرار العراق في مستوى الاعتماد الحالي على الدولار، بل إن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في “التنويع التدريجي والمدروس، وليس فك الارتباط”.
ويقترح في هذا السياق بناء محفظة احتياطيات أكثر تنوعاً، وتوسيع علاقات المصارف العراقية مع البنوك المراسلة الأوروبية والآسيوية، وزيادة القدرة على إجراء التسويات التجارية باليورو واليوان وعملات أخرى، إلى جانب إمكانية استخدام عملات مختلفة في نسبة محدودة من عقود التجارة والطاقة عندما تكون الظروف مناسبة.
ويضع السعدي إصلاح النظام المصرفي في قلب أي تحرك نحو استقلال مالي أكبر، مشيراً إلى ضرورة وجود مصارف عراقية قادرة على التعامل وفق المعايير الدولية وبناء شبكة أوسع من العلاقات مع البنوك المراسلة حول العالم.
ويختصر السعدي رؤيته بالقول إن المشكلة ليست في الدولار بحد ذاته، وإنما في غياب البدائل. والسيادة المالية لا تتحقق بالخروج من النظام المالي العالمي، وإنما بامتلاك العراق خيارات متعددة داخله.

لماذا لا ينقل العراق أمواله ببساطة؟
القضية أكثر تعقيداً من مجرد تغيير البنك الذي تُودع فيه الإيرادات.
فالنفط العراقي، مثل معظم النفط المتداول عالمياً، يُسعّر بالدولار، كما يعتمد العراق بدرجة كبيرة على العملة الأميركية في تمويل التجارة الخارجية والاستيراد.
وتعليقا على ذلك يرى الباحث العراقي المختص في الشأن الاقتصادي علي كريم إذهيب أن وجود عائدات النفط العراقي ضمن النظام المالي الأميركي يمنح واشنطن نفوذاً مالياً غير مباشر، لكنه لا يعني أن الولايات المتحدة تملك الأموال العراقية أو تستطيع التصرف بها كما تشاء.
وقال إذهيب لـ«أوج24» إن البنك المركزي العراقي هو المسؤول عن إدارة الاحتياطيات الرسمية للبلاد، موضحاً أن جوهر القضية لا يتعلق بمكان وجود الأموال بحد ذاته، بقدر ارتباط حركة الدولار بالنظام المالي الأميركي وما يفرضه من قواعد تتعلق بالامتثال والعقوبات ومكافحة غسل الأموال.
وأضاف: «المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه المنظومة قادرة على تقييد حركة الأموال العراقية أو التأثير فيها، وهنا ننتقل من مسألة الحماية المالية إلى مسألة السيادة المالية».
وعن البدائل، يرى إذهيب أن العراق يستطيع تقليل اعتماده على الدولار تدريجياً، لكن التخلي السريع عنه ليس خياراً واقعياً.
وقال إذهيب لـ«أوج24» إن البنك المركزي العراقي هو المسؤول عن إدارة الاحتياطيات الرسمية للبلاد، موضحاً أن جوهر القضية لا يتعلق بمكان وجود الأموال بحد ذاته، بقدر ارتباط حركة الدولار بالنظام المالي الأميركي وما يفرضه من قواعد تتعلق بالامتثال والعقوبات ومكافحة غسل الأموال.
وأضاف أن “المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه المنظومة قادرة على تقييد حركة الأموال العراقية أو التأثير فيها، وهنا ننتقل من مسألة الحماية المالية إلى مسألة السيادة المالية”.
إيران في قلب المعادلة
ازدادت أهمية هذه الآلية مع تصاعد المواجهة المالية بين الولايات المتحدة وإيران.
وتتهم واشنطن منذ سنوات مصارف وشركات صرافة وشبكات مالية عراقية باستغلال النظام المصرفي العراقي لتحويل دولارات إلى جهات خاضعة للعقوبات، ولا سيما في إيران.
وفرضت الولايات المتحدة قيوداً وعقوبات على مصارف وأفراد عراقيين اتهمتهم بالمساعدة في غسل الأموال أو تحويلها إلى إيران، فيما أدت القيود المفروضة على الدولار إلى اتساع الفارق أحياناً بين سعر الصرف الرسمي والسعر في السوق الموازية.
وفي مطلع عام 2025، أنهى العراق نظام مزاد العملة أو نافذة بيع العملة الأجنبية بصيغته السابقة، في إطار إصلاحات مالية جاءت وسط ضغوط أميركية لمنع تسرب الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات.
وهكذا أصبحت العلاقة بين عائدات النفط والدولار جزءاً من ملف أكبر يتجاوز الاقتصاد العراقي، ويمتد إلى التنافس الأميركي الإيراني والعقوبات وشبكات التمويل الإقليمية.
حماية مالية أم قيد على السيادة؟
الترتيبات التي نشأت بعد 2003 وفرت للعراق في مراحل مختلفة حماية قانونية ومالية، وربطته بالنظام المالي العالمي وسهلت تعاملاته بالدولار. وفي المقابل، أدى الاعتماد المستمر على هذه البنية إلى منح الولايات المتحدة نفوذاً ملموساً على واحدة من أهم قنوات الاقتصاد العراقي.
لذلك لا تنحصر القضية في سؤال: «من يملك أموال النفط؟» فملكية الإيرادات عراقية، وإنما في سؤال أكثر دقة: إلى أي مدى يستطيع العراق الوصول إلى أمواله واستخدام الدولار بعيداً عن القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على نظامها المالي؟
وبعد أكثر من عشرين عاماً على إنشاء صندوق تنمية العراق، يبدو أن النقاش انتقل من حماية الثروة النفطية العراقية إلى كيفية تحقيق قدر أكبر من السيادة المالية من دون خسارة الحماية والاستقرار اللذين يوفرهما الارتباط بأكبر نظام مالي عالمي.
