تناولت صحيفة “نيويورك تايمز” ،اليوم السبت، سيرة القاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية نافي بيلاي، الفائزة بجائزة نوبل للسلام، وقالت إنها نشأت في حي فقير يفتقر إلى المياه والصرف الصحي في جنوب أفريقيا، ودرست في مدرسة مخصّصة للأطفال من أصول هندية.
وبحسب تقرير للكاتب جون إليغون نشرته الصحيفة، كانت بيلاي تعرف منذ طفولتها أن لون بشرتها يمنعها من ارتياد الشاطئ الذي يمرّ والدها بجواره خلال موسم عيد الميلاد.
هذه التجربة مع الفصل العنصري شكّلت مسيرة المحامية والقاضية، البالغة من العمر 85 عاماً، التي امتد عملها من الدفاع عن المعتقلين السياسيين في بلادها إلى المحاكم الدولية وقيادة جهود الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، وصولاً، بحسب التقرير، إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام هذا العام.
وقالت لجنة نوبل عند إعلان الجائزة إن بيلاي أدّت دوراً محورياً في ضمان ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وأصبحت خامس شخصية من جنوب أفريقيا تفوز بالجائزة، لتنضم إلى أسماء بارزة بينها نيلسون مانديلا وديزموند توتو.
دعم المجتمع فتح لها طريق الجامعة
وُلدت بيلاي باسم نافانيثيم نايدو، ونشأت في منطقة مخصّصة للسكان من أصول هندية في جنوب مدينة ديربان. وكان الحي يعيش تحت تهديد تصنيفه منطقة للبيض، بما يعنيه ذلك من تهجير قسري لسكانه.
كان والدها سائق حافلة، وحرص على ألّا تنحصر فرص أبنائه السبعة في الأعمال المتدنية الأجر. وعندما رأى مدير مدرستها الثانوية أنها تمتلك قدرات واعدة، جمع أهالي مجتمعها المال لإرسالها إلى الجامعة، في خطوة غيّرت مسار حياتها.
درست القانون في الجامعة التي تُعرف اليوم بجامعة كوازولو ناتال. وبسبب الفصل العنصري، كان الطلاب السود يحضرون دروسهم ليلاً. أما نهاراً، فكانت تتردد على المكتبة، حيث اكتشفت كتباً عن محاكمات نورمبرغ، أسهمت في تنمية اهتمامها بالعدالة الدولية.
محامية تستخدم القانون لمقاومة الظلم
بعد تخرّجها عام 1965، عملت مع المحامي المناهض للفصل العنصري إن. تي. نايكر، وتولت جانباً كبيراً من العمل الميداني ولقاء الموكلين، بعدما فرضت السلطات عليه الإقامة الجبرية.
واجهت صعوبة في الحصول على وظيفة بمكتب محاماة بسبب القيود العنصرية، فافتتحت مكتبها الخاص، وتولت الدفاع عن ناشطين مناهضين للنظام.
ومن أبرز القضايا التي تناولها التقرير، اعتقال زوجها المحامي غابي بيلاي بسبب نشاطه السياسي وعزله عن العالم الخارجي. واستخدمت التوكيل القانوني الذي منحها إياه لرفع دعوى باسمه، وحصلت على أمر قضائي يحظر تعذيبه.
وفي قضية أخرى، استعانت بأبحاث الطبيب النفسي الأميركي لويس جوليون ويست للطعن في موثوقية الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، وقبلت المحكمة حجتها. كما ساعدت في انتزاع ضمانات للإجراءات القانونية العادلة لسجناء جزيرة روبن، التي اعتُقل فيها مانديلا وناشطون بارزون.
ويقول صديقها وموكلها السابق ساتس كوبر إنها كانت تشرك المتهمين في صياغة دفاعهم. وعندما مثلت عنه وعن آخرين اعتُقلوا خلال إضرابات ديربان عام 1973، ساعد هذا النهج في بناء دفاع موحّد انتهى بتبرئتهم.
تمييز داخل قاعات العدالة
لم تحمِها مهنتها من الإهانات اليومية. فقد كانت، بوصفها محامية من أصول هندية، مضطرة إلى استخدام مدخل منفصل والجلوس إلى طاولة مختلفة عن المحامين البيض.
وتساءلت في مقابلة سابقة عن مقدار الثقة التي يمكن أن يمنحها الموكلون لمحاميهم، وهم يرون معاملتهم بوصفهم أدنى مكانة داخل المحكمة.
وروت أيضاً كيف دخلت مكتب أحد القضاة لتحدثه، فوجدته يضع قدميه على الطاولة، لتجد نفسها تتكلم أمام نعلي حذائه؛ مشهد لخّص بالنسبة إليها الإذلال الذي فرضه النظام.
ومع ذلك، واصلت تقديم الطلبات والمرافعات، حتى عندما كانت فرص نجاحها ضعيفة، لأنها رأت في القانون الأداة المتاحة لها لمقاومة النظام والسعي إلى العدالة.
من جنوب أفريقيا إلى محاكم الإبادة الجماعية
برزت بيلاي دولياً بعد انتهاء الفصل العنصري في تسعينيات القرن الماضي، عندما عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا.
وأسهمت المحكمة في تطوير ملاحقة جريمة الإبادة الجماعية، وإرساء سابقة بشأن إمكان اعتبار الاغتصاب الجماعي فعلاً من أفعال الإبادة الجماعية.
وشغلت بيلاي لاحقاً مناصب بينها قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، ومفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وقاضية خاصة في محكمة العدل الدولية.
وظلت منخرطة في شؤون بلادها، فرأست لجنة تناولت تحديات الهجرة، وشاركت في جهود لمكافحة التمييز ضد أفراد مجتمع الميم، وفي هيئة حققت في الفساد ووجّهت انتقادات حادة إلى قيادات جنوب أفريقية. كما انتقدت إخفاقات رأت أنها تمس التزام بلادها بحقوق الإنسان.
موقفها من غزة يثير الجدل
يلفت التقرير إلى أن الجائزة قد تزيد التدقيق في مواقف بيلاي، خصوصاً بشأن الفلسطينيين. فقد رأست لجنة تحقيق أممية خلصت، العام الماضي، إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وأثار منحها نوبل انتقاداً شديداً من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لكن كوبر يرى أن تجربتها في مواجهة الفصل العنصري تجعلها أقل قابلية للتراجع أمام الانتقادات؛ فقد كانت تدرك المخاطر، وتبحث في الوقت نفسه عن السبل العملية لتجاوزها.
وفي تعليقها على الجائزة، ربطت بيلاي التكريم بتطلعات الناس إلى سيادة القانون واحترام استقلال القضاء؛ وهي المبادئ التي بدأت الدفاع عنها داخل نظام حرمها، منذ طفولتها، من أبسط حقوق المساواة.