حرب إيران كشفت حدودها.. هل بدأت السيطرة الأميركية على البحار بالتآكل؟

مايو 28, 2026
100

في الحروب الحديثة، تستطيع المسيّرات والألغام والصواريخ الساحلية تعطيل حركة أساطيل عملاقة (البحرية الأميركية)

لسنوات طويلة، شكّلت حاملات الطائرات الأميركية رمزاً للهيمنة العسكرية العالمية، فيما بدا الأسطول الأميركي قادراً على الوصول إلى أي بقعة بحرية وفرض قواعد الردع بالقوة.

لكن الحرب الأخيرة مع إيران بدأت تكشف واقعاً أكثر تعقيداً:

أوضح برايان كلارك، وهو باحث أول ومدير مركز مفاهيم وتقنيات الدفاع في معهد هدسون الأميركي لقناة دوتشه فيله كيفية نجاح  المسيّرات والصواريخ والحروب غير المتماثلة في تعطيل التجارة العالمية وإرباك واحدة من أقوى القوى البحرية في العالم.

وتناول كلارك في حديثه سبب عدم كفاية حاملات الطائرات والقواعد العسكرية التقليدية وحدها لحسم الصراعات البحرية الحديثة، موضحاً كيف تستفيد إيران وجماعات مسلحة موالية لها مثل الحوثيين من الممرات البحرية الضيقة ونقاط الاختناق الاستراتيجية لفرض ضغوط كبيرة على حركة الملاحة الدولية.

وتطرق كلارك أيضاً إلى الدروس التي تستخلصها كل من الولايات المتحدة والصين من الحرب الجارية، خصوصاً ما يتعلق بمستقبل الحروب البحرية، ودور المسيّرات، والألغام، والصواريخ الساحلية منخفضة الكلفة في مواجهة الأساطيل التقليدية الضخمة.

من جهته رأى الكاتب والمحلل المتخصص في شؤون الدفاع والأمن والجغرافيا السياسية آندي وونغ مينغ جون في تحليل نشره موقع “آسيا سنتينل” أن القوة البحرية الأميركية ما زالت هائلة، لكنها لم تعد قادرة بالسهولة نفسها على فرض السيطرة الكاملة على الممرات البحرية الحساسة، خصوصاً في البيئات المليئة بالصواريخ والمسيّرات والألغام منخفضة الكلفة.

ويرى التقرير أن المواجهة مع إيران لم تختبر فقط قدرات البحرية الأميركية في الخليج، بل فتحت أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل “الهيمنة الأميركية” نفسها، وقدرة واشنطن على حماية حلفائها في مناطق أخرى مثل تايوان.

 أكبر حشد بحري منذ حرب العراق

يشير تقرير “آسيا سنتينل” إلى أن الولايات المتحدة أطلقت ما تعرف بعملية “الغضب الملحمي” أواخر فبراير/شباط الماضي بعد أكبر حشد بحري أميركي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق.

وخلال أسابيع، حشدت واشنطن أكثر من ثلث أسطولها القتالي العامل في شرق المتوسط وبحر العرب، بقيادة مجموعتي حاملات طائرات تضمّان:

  • حاملة الطائرات جيرالد فورد
  • وحاملة الطائرات أبراهام لنكولن

وكان الهدف – بحسب التقرير – إظهار تفوق أميركي ساحق، وتوجيه ضربة سريعة تؤدي إلى تغيير النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام السياسي.

ورغم أن الحملة الجوية والصاروخية الأميركية دمّرت أجزاء واسعة من القدرات البحرية الإيرانية التقليدية، فإن النتائج النهائية جاءت أقل بكثير من التوقعات الأميركية.

إيران بقيت صامدة رغم الضربات

يوضح التقرير أن إيران، رغم خسارة قيادات بارزة، بينها المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري في بداية الحرب، حافظت على تماسك مؤسساتها وقدرتها على الرد.

واستمرت طهران – ولو بشكل محدود – في تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة عبر الجو والبحر، ما كشف أن إسقاط البنية التقليدية للقوة الإيرانية لا يعني بالضرورة إنهاء قدرتها على القتال أو الردع.

هرمز.. المنطقة التي لا تجرؤ واشنطن على اقتحامها

يرى التقرير أن أخطر ما كشفته الحرب يتمثل في محدودية قدرة البحرية الأميركية على العمل داخل البيئات الساحلية الضيقة والمليئة بالتهديدات، مثل مضيق هرمز.

فبحسب الكاتب، لم تُظهر البحرية الأميركية لا الرغبة ولا القدرة العملية على تحدي السيطرة الإيرانية المباشرة على المضيق.

ويعود ذلك إلى مجموعة تهديدات متداخلة تشمل:

  • الصواريخ المضادة للسفن.
  • المسيّرات الانتحارية.
  • الزوارق المفخخة.
  • الألغام البحرية.

ويقول التقرير إن هذه التهديدات تجعل أي محاولة لإدخال سفن حربية أميركية ضخمة إلى المياه الضيقة في الخليج “مكلفة وخطيرة للغاية”.

السفن الأميركية تواجه معضلة المسيّرات الرخيصة

ورغم امتلاك البحرية الأميركية أنظمة دفاع متطورة، فإن التقرير يرى أنها صُممت أساساً لاعتراض الطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية، وليس أسراب المسيّرات الصغيرة أو الزوارق الانتحارية منخفضة الكلفة.

ولهذا تعمل البحرية الأميركية حالياً على تطوير أنظمة مدافع آلية جديدة لتعزيز الدفاع القريب عن السفن، لكن هذه المشاريع لا تزال في مراحلها الأولى.

ويعني ذلك – بحسب التقرير – أن السفن الأميركية الضخمة باهظة الثمن قد تصبح معرضة للاستنزاف أمام تهديدات صغيرة ورخيصة نسبياً.

مشكلة أعمق داخل الأسطول الأميركي

ويشير التقرير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل ببنية الأسطول الأميركي نفسه.

فعلى مدى عقود، ركزت واشنطن على بناء حاملات طائرات ومدمرات ضخمة مخصصة للحروب الكبرى في المحيطات المفتوحة، بينما تراجعت الاستثمارات في السفن الصغيرة المناسبة للعمليات الساحلية ومهام الحماية وإزالة الألغام.

وبعد تقاعد فرقاطات أوليفر هازارد بيري القديمة وفشل برامج بديلة مثل سفن القتال الساحلي (LCS)، ظهرت فجوة واضحة في القدرات الأميركية داخل البيئات البحرية المعقدة مثل الخليج.

لماذا لم تستطع واشنطن فتح هرمز؟

أحد أكثر الاستنتاجات إثارة في التقرير يتمثل في أن الولايات المتحدة – رغم وجود خمس مدمرات من فئة “Arleigh Burke” قرب الخليج – لم تتمكن من إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة.

ويرى الكاتب أن كل يوم يبقى فيه المضيق مغلقاً مع ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل يمثل “ضربة لهيبة البحرية الأميركية” وقدرتها على ضمان حرية الملاحة العالمية.

ويذهب التقرير إلى أن صورة “السلام الأميركي” التي كرّستها واشنطن لعقود بدأت تتعرض لتآكل حقيقي.

“مدفع زجاجي”.. قوي لكنه هش

ويصف التقرير القوة البحرية الأميركية بأنها أصبحت أشبه بـ”مدفع زجاجي”:

  • قوية للغاية من حيث القدرة التدميرية.
  • لكنها مكلفة وحساسة ومعرضة للمخاطر.
  • ولا تتحمل خسارة سفنها الضخمة في بيئات عالية التهديد.

ففي الحروب الحديثة، تستطيع قوى إقليمية أصغر استخدام وسائل منخفضة الكلفة – مثل المسيّرات والألغام والصواريخ الساحلية – لتعطيل حركة أساطيل عملاقة.

ماذا يعني ذلك لتايوان والصين؟

يرى التقرير أن أخطر تداعيات الحرب لا تتعلق بالخليج فقط، بل بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.

فالولايات المتحدة تعتمد على قوتها البحرية لردع أي تحرك صيني ضد تايوان، لكن تحويل السفن والقوات من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط كشف حجم الضغط الذي تعانيه البحرية الأميركية في إدارة أكثر من جبهة عالمية في وقت واحد.

كما أشار التقرير إلى أن القيادة الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ تعاني منذ سنوات من نقص في السفن البرمائية الجاهزة للعمل بسبب مشاكل الصيانة وإعادة توزيع القوات نحو الشرق الأوسط.

ولهذا، يرى الكاتب أن الصين تراقب الحرب الأميركية الإيرانية بعناية شديدة، لأنها تقدم نموذجاً عملياً لكيفية استنزاف البحرية الأميركية عبر استراتيجيات “منع الوصول” باستخدام وسائل غير متماثلة ومنخفضة الكلفة.

هل تتغير معادلات الردع؟

ورغم أن التقرير يؤكد استمرار التفوق الأميركي في الضربات بعيدة المدى والحروب التقليدية الكبرى، فإنه يشير إلى أن هذا التفوق لا يضمن تلقائياً السيطرة على الممرات البحرية الحساسة أو نجاح سياسة “دبلوماسية البوارج” التقليدية.

ويخلص الكاتب إلى أن الحرب مع إيران كشفت حقيقة مهمة:

التفوق العسكري الأميركي ما زال هائلاً، لكنه لم يعد مطلقاً كما كان يُنظر إليه بعد نهاية الحرب الباردة.

وفي عالم تزداد فيه فعالية المسيّرات والصواريخ الرخيصة والحروب غير المتماثلة، قد تصبح السيطرة على البحار أكثر تعقيداً وكلفة حتى بالنسبة لأقوى قوة بحرية في العالم.

المصادر/ دوتشه فيله – آسيا سنتينل

حول هذه القصة

السماء لم تعد للأقوى.. 10 حقائق تكشف كيف تغيّر المسيّرات قواعد الحرب

تقدير عدد الصواريخ الإيرانية قبل الحرب يظل مسألة غير محسومة (وكالة تسنيم)

ترسانة الصواريخ والمسيرات الإيرانية تحت النار… ما الذي تبقى فعليا؟

التقارير الأميركية تتحدث عن استعادة إيران كامل قدرتها على تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة (تسنيم)

إيران تعزز قدراتها العسكرية وترامب يقترب من خسارة معركة الكونغرس

اترك تعليقاً