أنقرة تعيد حساباتها.. لماذا تراهن تركيا على الناتو من جديد؟

يونيو 10, 2026
75

ذي إيكونومست ترى أن الحرب في أوكرانيا أعادت إحياء أهمية الناتو بالنسبة لأنقرة

في وقت تواجه فيه حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحديات غير مسبوقة بسبب الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط وتصاعد المنافسة مع روسيا والصين، تبدو تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان وكأنها تعيد اكتشاف أهمية الحلف الذي طالما دخلت معه في أزمات وخلافات حادة.

وتكشف تقارير وتحليلات، نشرتها مجلة ذي إيكونومست ومجلة نيوزويك ومؤسسة راند، أن العلاقة بين أنقرة والناتو تمر بمرحلة جديدة تقوم على المصالح البراغماتية أكثر من التوافق الأيديولوجي، وسط محاولات تركية لتحقيق استقلالية استراتيجية دون التخلي عن المظلة الغربية.

أولاً: لماذا أصبحت تركيا أكثر حماساً للناتو؟

بحسب “ذي إيكونومست”، فإن النظرة التركية إلى الناتو شهدت تحولاً ملحوظاً.

فبعد سنوات من التوتر، خاصة عقب محاولة الانقلاب عام 2016، عندما اتهم أردوغان بعض الدول الغربية بالتباطؤ في دعمه، عاد الحلف ليكتسب أهمية متزايدة في الحسابات التركية.

وترى المجلة أن عدة عوامل دفعت أنقرة إلى هذا التحول:

  • الحرب الروسية الأوكرانية أعادت الاعتبار للناتو باعتباره المؤسسة الأمنية الأهم في أوروبا.
  • تصاعد التوترات الإقليمية في البحر الأسود والشرق الأوسط.
  • إدراك تركيا أن موقعها الجغرافي يمنحها وزناً كبيراً داخل الحلف.

وتستشهد المجلة بقصة مطعم يحمل اسم “الناتو” في إسطنبول، افتتح عام 1952 بالتزامن مع انضمام تركيا للحلف، لكن لافتته أزيلت بعد تعرضها للرشق بالحجارة بسبب رفض بعض الأتراك للحلف، في دلالة على تغير المزاج الشعبي والسياسي عبر العقود.

ثانياً: لماذا لا تزال علاقة تركيا بالناتو معقدة؟

توضح مجلة “نيوزويك” أن الخلافات لم تختفِ تماماً.

ومن أبرز الملفات الخلافية:

1- شراء منظومة S-400 الروسية

أدى شراء تركيا منظومة أس- 400 الروسيةإلى فرض عقوبات أميركية عليها، بسبب عدم توافقها مع أنظمة الناتو.

2- توسع الحلف

عرقلت أنقرة لفترة انضمام السويد إلى الناتو قبل التوصل إلى تفاهمات شملت حصولها على مقاتلات أف – 16 فالكون الأميركية.

3- موقفها من غزة

اصطدمت تركيا بالحلفاء الغربيين بعد وصف أردوغان حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) بأنها “حركة مقاومة”، ورفضه السياسة الإسرائيلية في غزة.

كما علقت أنقرة بعض أشكال التعاون مع إسرائيل داخل إطار الناتو.

ثالثاً: هل تبتعد تركيا عن الغرب؟

يشير تقرير “نيوزويك” إلى أن أنقرة سعت في السنوات الأخيرة إلى تنويع تحالفاتها الدولية.

ومن أبرز الخطوات:

  • طلب الانضمام إلى تجمع بريكس.
  • إبداء الرغبة في الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون.

ويرى بعض الخبراء أن هذه التحركات قد تثير تساؤلات حول مدى توافقها مع عضوية الناتو.

في المقابل، يؤكد مسؤولون ومحللون أتراك أن الهدف ليس مغادرة الغرب، بل تحقيق توازن أكبر في العلاقات الدولية والاستفادة من عالم متعدد الأقطاب.

رابعاً: لماذا لا يريد أردوغان القطيعة مع الناتو؟

وفقاً لتحليل “ذي إيكونومست” و”راند”، فإن المصالح الاستراتيجية تدفع تركيا للبقاء لاعباً رئيسياً داخل الحلف.

ومن أبرز الأسباب:

القوة العسكرية

  • تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة.
  • تشكل قواتها ركيزة مهمة للدفاع عن الجناح الجنوبي للحلف.

الموقع الجغرافي

تقع تركيا عند تقاطع:

  • أوروبا.
  • آسيا.
  • الشرق الأوسط.
  • البحر الأسود.
  • القوقاز.

وهو ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية استثنائية.

الصناعات الدفاعية

أبرزها الطائرات المسيرة التركية مثل: بيرقدار تي بي 2ىالتي أثبتت فعاليتها في عدة ساحات قتال، ومنها أوكرانيا.

خامساً: ماذا تقول مؤسسة راند؟

تتبنى مؤسسة “راند” رؤية مختلفة نسبياً، إذ ترى أن الناتو هو الذي يحتاج إلى تركيا بقدر حاجة تركيا إليه.

وتطرح عدة مبررات:

تركيا لا تزال شريكاً مهماً

رغم الخلافات السياسية، فإن مصالحها الأساسية تتقاطع مع مصالح الناتو في:

  • احتواء النفوذ الروسي.
  • أمن البحر الأسود.
  • استقرار سوريا.
  • دعم أوكرانيا.

يجب التعامل مع تركيا كما هي

ترى المؤسسة أن على الحلفاء الغربيين التخلي عن فكرة انتظار تحول تركيا إلى نموذج أوروبي بالكامل.

وبدلاً من ذلك، ينبغي إقامة علاقة قائمة على المصالح المشتركة.

قدرات دبلوماسية واسعة

تمتلك أنقرة علاقات مع دول في:

  • أفريقيا.
  • الشرق الأوسط.
  • آسيا الوسطى.

ويمكن أن تلعب دور الوسيط في ملفات يصعب على الدول الغربية إدارتها مباشرة.

سادساً: ما علاقة روسيا بكل ذلك؟

رغم العلاقات الشخصية الجيدة بين أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن التقارير تشير إلى أن تركيا لم تنضم إلى المعسكر الروسي.

بل إنها:

  • زودت أوكرانيا بطائرات مسيرة.
  • ساهمت في اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود.
  • طبقت اتفاقية مونترو بشأن نظام المضائق  التي حدّت من حركة السفن الحربية الروسية.

وترى “راند” أن رغبة تركيا في الاستقلالية لا تعني تحولها إلى حليف لروسيا.

قوة إقليمية مستقلة
تجمع التقارير الثلاثة على أن السياسة التركية الحالية لا تقوم على الاختيار بين الشرق والغرب، بل على محاولة الاستفادة من الطرفين لتعزيز النفوذ والمصالح الوطنية.

  • ذي إيكونومست ترى أن الحرب في أوكرانيا أعادت إحياء أهمية الناتو بالنسبة لأنقرة.
  • نيوزويك تشير إلى استمرار الخلافات مع الغرب، لكنها تؤكد أن تركيا تسعى إلى سياسة توازن لا إلى القطيعة.
  • راند تعتبر أن الناتو بحاجة إلى تركيا بقدر حاجة تركيا إليه، وتقترح بناء شراكة أكثر واقعية وبراغماتية.

وفي المحصلة، تبدو تركيا بقيادة أردوغان وكأنها تسعى إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية مستقلة، تحتفظ بعضويتها الفاعلة في الناتو، وتفتح في الوقت نفسه قنوات تعاون مع تكتلات دولية أخرى، في إطار سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن تحالفاتها الغربية التقليدية.

المصادر/ مجلة ذي إيكونومست -مجلة نيوزويك -مؤسسة راند

حول هذه القصة

السلاح الجديد تطوره  شركة روكتسان (الأناضول)

“نشتر” التركي.. صاروخ بشفرات معدنية يطارد الأهداف من السماء

اترك تعليقاً