مهلة أميركية لإيران بشأن هرمز.. هل تنقذ مفاوضات عُمان الهدنة؟

يوليو 11, 2026
105

واشنطن تطالب طهران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة من دون رسوم إلزامية (وكالة تسنيم)

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الحساسية، بعدما منحت إدارة الرئيس دونالد ترامب طهران مهلة حتى السبت لإعلان التزامها علنًا بوقف الهجمات على السفن التجارية، والاعتراف بأن مضيق هرمز مفتوح أمام الملاحة من دون رسوم إلزامية.

وبينما توجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط لبحث ترتيبات عبور السفن مع المسؤولين العُمانيين، لوّح ترامب برد عسكري واسع إذا نُفذت تهديدات باستهدافه، في وقت تتبادل فيه واشنطن وطهران الاتهامات بخرق مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب مؤقتًا.

ولا تقتصر الأزمة على أمن السفن؛ إذ باتت ترتبط بثلاثة ملفات متداخلة: من يملك سلطة تنظيم الملاحة في هرمز؟ وهل يمكن فرض رسوم مقابل الخدمات البحرية؟ وهل تستطيع واشنطن وطهران الانتقال من تفاهم هش بشأن المضيق إلى اتفاق نووي أكثر تعقيدًا؟

واشنطن تطلب تعهدًا إيرانيًا علنيًا

تطالب إدارة ترامب إيران بإصدار بيان رسمي يتضمن ثلاث نقاط أساسية:

التأكيد أن جميع الممرات الملاحية في مضيق هرمز مفتوحة.

التعهد بوقف إطلاق النار على السفن التجارية.

ضمان عدم فرض رسوم إلزامية على السفن العابرة.

وبحس موقع أكسيوس، يرى مسؤولون أميركيون أن الهجمات الأخيرة على سفن تجارية تمثل انتهاكًا مباشرًا لمذكرة التفاهم الموقعة قبل نحو ثلاثة أسابيع، والتي ألزمت إيران ببذل الجهود لتأمين عبور السفن من دون رسوم خلال فترة أولية مدتها 60 يومًا.

ونقل موقع أكسيوس عن مسؤول أميركي تحذيره من أن رفض إيران إعلان هذا الالتزام لن يجعل السبت يومًا جيدًا لها، في إشارة إلى احتمال اللجوء مجددًا إلى الضربات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية.

وبحسب الرواية الأميركية، تواصل مسؤولون إيرانيون مع إدارة ترامب بعد جولات التصعيد الأخيرة، وأقروا بصورة غير علنية بأن مهاجمة السفن كانت خطأ، وأبدوا رغبتهم في استمرار المحادثات. لكن وزارة الخارجية الإيرانية نفت أن تكون طهران قد طلبت مفاوضات مباشرة، وقالت إن الاتصالات جرت استجابة لجهود الوسطاء، خصوصًا قطر.

هل توجد مواجهة داخل القيادة الإيرانية؟

تقول واشنطن إن الصعوبة لا تكمن فقط في التفاوض مع إيران، بل في قدرة القيادة الإيرانية على تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.

ويتحدث مسؤولون أميركيون عن صراع بين تيارين داخل المؤسسة الحاكمة: تيار يرغب في التوصل إلى تسوية تخفف الضغوط العسكرية والاقتصادية، وآخر متشدد، يرتبط بعضه بالحرس الثوري، يرى أن السيطرة على الملاحة في هرمز ورقة أساسية لاستعادة النفوذ الذي فقدته إيران خلال الحرب.

وتتهم الإدارة الأميركية هذا التيار المتشدد بتنفيذ هجمات على السفن بهدف إفشال التفاهمات واستعادة أوراق تفاوضية. أما طهران فتصر رسميًا على أن مؤسسات الدولة موحّدة، وأن سياستها الخارجية تخضع لتوجيه القيادة الجديدة برئاسة المرشد علي مجتبى خامنئي.

ولا توجد حتى الآن معلومات مستقلة كافية تحسم مدى عمق هذا الانقسام، لذلك تظل رواية «الفصيل المتمرد» تفسيرًا أميركيًا لا حقيقة مثبتة بصورة نهائية.

إيران: إدارة المضيق مسؤوليتنا

في المقابل، تؤكد طهران أنها التزمت مسؤوليتها عن إعادة الملاحة الطبيعية وتوفير الخدمات البحرية بالتنسيق مع سلطنة عُمان، لكنها ترفض أي ترتيبات تُفرض من الخارج أو تنتقص من دورها باعتبارها دولة مطلة على المضيق.

وقال مندوب إيران لدى الأمم المتحدة إن فتح الممرات وإزالة الألغام وتنظيم الملاحة «يقع حصريًا» ضمن مسؤولية إيران، محذرًا من أن إقامة ترتيبات موازية بقيادة الولايات المتحدة أو قوى أجنبية ستقوّض مذكرة التفاهم وتؤخر استعادة حركة التجارة.
كما ترى طهران أن تشجيع واشنطن السفن على استخدام مسار جنوبي يمر قرب المياه العُمانية يهدف عمليًا إلى تجاوزها وإضعاف نفوذها في إدارة المضيق. وقد سبق أن اعترضت على هذا المسار، معتبرة أن ضمان الملاحة لا يمكن أن يجري من دون التنسيق معها.

عراقجي إلى مسقط السبت لإجراء محادثات مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي بشأن آليات العبور الآمن للسفن
عراقجي وصل إلى مسقط السبت لإجراء محادثات مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي بشأن آليات العبور الآمن للسفن ( وكالة تسنيم)

اجتماع مسقط.. محاولة لصياغة حل وسط

ووصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط السبت لإجراء محادثات مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي بشأن آليات العبور الآمن للسفن.

وتقول إيران إن الاجتماع يأتي استكمالًا لجولات فنية وسياسية عُقدت خلال الشهرين الماضيين بين طهران ومسقط، بهدف وضع ترتيبات تتفق مع البند الخامس من مذكرة تفاهم إسلام آباد.

وتتمثل المهمة الأساسية لسلطنة عُمان في التوفيق بين مطلبين متعارضين:

الأول إيراني، يقوم على الاعتراف بدور طهران في تنظيم الملاحة وتقديم الخدمات الأمنية والبحرية.

والثاني أميركي وخليجي، يرفض منح إيران سلطة منفردة على ممر دولي حيوي أو السماح لها باستخدام الرسوم والتهديدات وسيلة ضغط سياسية.

وتراهن واشنطن على أن يصدر بعد الاجتماع بيان إيراني يؤكد فتح المضيق ووقف الهجمات، بينما تصف طهران المحادثات بأنها تنسيق مع عُمان لا استجابة لمهلة أميركية.

هل يمكن فرض رسوم على السفن؟

دخلت بعض الدول الأوروبية على خط البحث عن حل وسط، من خلال دراسة مقترحات تسمح بفرض رسوم طوعية مقابل خدمات محددة، مثل الإرشاد الملاحي والإنقاذ والاستجابة للحوادث وحماية البيئة، بشرط ألا تتحول إلى ضريبة إلزامية على مجرد عبور المضيق.

ويستند المقترح إلى نموذج مضيق ملقا بين المحيطين الهندي والهادئ، حيث تمول مساهمات طوعية آليات مشتركة لتحسين السلامة الملاحية ومواجهة التلوث والحوادث، بحسب صحيفة الغارديان البريطانية.

وتؤكد سلطنة عُمان أن القانون الدولي يضمن حق المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ولا يجيز فرض رسوم إجبارية على السفن العابرة. لكنها لا تمانع إنشاء نظام اختياري يدفع فيه المستفيدون مقابل خدمات فعلية، مثل الإنقاذ أو الإرشاد أو مكافحة التلوث.

وهذا التفريق جوهري؛ فالرسوم على خدمة محددة قد تكون مقبولة قانونيًا، أما الرسوم المفروضة فقط للسماح للسفينة بالعبور فتُعد، وفق الموقف الأميركي والأوروبي والخليجي، انتهاكًا لمبدأ حرية الملاحة.

كما حذرت قطر من أن منح إيران سيادة منفردة على المضيق سيجعل حركة التجارة العالمية رهينة لأي تيار متشدد يستطيع تعطيل الممر في المستقبل.

تهديدات ترامب بعد جنازة خامنئي

تزامنت أزمة المضيق مع تصعيد لغوي جديد، بعدما شهدت مراسم دفن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي رفع لافتات وهتافات تدعو إلى قتل ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ورد ترامب بمنشور قال فيه إن صواريخ أميركية كثيرة جاهزة وموجهة إلى إيران، متوعدًا بتدمير واسع إذا حاولت الحكومة الإيرانية تنفيذ تهديدات باغتياله.

ولا يعني رفع الشعارات خلال الجنازة بالضرورة وجود خطة رسمية إيرانية لاغتيال الرئيس الأميركي. ومع ذلك، استغل ترامب المشهد لتوجيه رسالة ردع مباشرة إلى القيادة الجديدة في طهران، وربط أي تهديد شخصي له بإمكان توسيع الحرب.

وتزيد هذه التهديدات صعوبة مهمة الوسطاء، لأنها ترفع كلفة التراجع أمام الرأي العام في كلا البلدين، وتجعل أي تنازل يُفسر داخليًا على أنه خضوع للطرف الآخر.

المضيق بوابة الاتفاق النووي

تؤكد واشنطن أنها لن توقع اتفاقًا نوويًا مع إيران قبل أن تثبت طهران قدرتها على تنفيذ التزاماتها بشأن وقف الهجمات في هرمز.

وترى الإدارة الأميركية أن الوفاء بتعهد بسيط نسبيًا، مثل عدم مهاجمة السفن، يمثل اختبارًا أوليًا قبل الدخول في ترتيبات أكثر تعقيدًا تتعلق بتخصيب اليورانيوم وعمليات التفتيش ومصير المخزون النووي.

ويشترط المسؤولون الأميركيون أن تتخلى إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، أو تسلمه ضمن أي اتفاق نهائي. وقد رفضت طهران هذا الشرط مرارًا، مؤكدة أن برنامجها النووي سلمي.

ونقلت وكالة أسوشيتدبرس عن مسؤولين أميركيين قولهم إنهم يدرسون خيارات بديلة إذا تعذر التوصل إلى اتفاق، من بينها خيارات عسكرية تهدف إلى إبقاء المواد النووية مدفونة أو غير قابلة للاستخدام، من دون الكشف عن تفاصيلها.

 

صور أقمار اصطناعية تثير شكوكًا جديدة

وفي تطور يزيد تعقيد المسار النووي، قالت شبكة “سي إن إن” إن صورًا حديثة التقطتها أقمار اصطناعية وأُجري تحليلها بالتعاون مع معهد العلوم والأمن الدولي أظهرت نشاطًا قد يشير إلى محاولة إيران ترميم أو إعادة بناء منشآت نووية متضررة.

وبحسب التحليل، شملت الأنشطة إنشاء أسقف أو هياكل فوق مواقع متضررة، وهو ما قد يحجب جزءًا من النشاط عن المراقبة الجوية أو الأقمار الاصطناعية. لكن الصور لا تثبت وحدها أن إيران استأنفت التخصيب أو أعادت تشغيل المنشآت، بل تثير أسئلة بشأن طبيعة أعمال البناء وأهدافها.

وإذا ثبت أن أعمالًا ذات طبيعة نووية عسكرية أو عمليات تخصيب سرية بدأت خلال فترة التفاهم، فقد تستخدمها واشنطن دليلًا على انتهاك إيران مذكرة التفاهم. أما إذا كانت الأنشطة تقتصر على الحماية أو إعادة التأهيل المدني، فسيكون من الصعب اعتبارها خرقًا من دون أدلة إضافية أو عمليات تفتيش مستقلة.

طهران تتهم واشنطن بخرق مبدأ الالتزام المتبادل

يقول عباس عراقجي إن الولايات المتحدة انتهكت التفاهم من خلال وقف الإعفاءات التي كانت تسمح لإيران ببيع النفط في الأسواق الدولية بالدولار.

وكتب عراقجي أن الالتزام لا يمكن أن يكون من جانب واحد، في إشارة إلى أن واشنطن لا تستطيع مطالبة إيران بتنفيذ تعهداتها، بينما تعيد فرض القيود الاقتصادية التي جرى تخفيفها بموجب التفاهم.

كما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن نجاح أي اتفاق يتطلب الاحترام المتبادل والتنفيذ العملي للالتزامات، متهمًا الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة تقويض جهود السلام. وأكد خلال اتصال مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن طهران لا تزال ملتزمة بالدبلوماسية، لكنها لن تقبل اتفاقًا لا يطبّق بصورة متبادلة.

قطر وباكستان تحاولان منع الانهيار

تواصل قطر وباكستان لعب دور الوسيط لمنع عودة الحرب الشاملة.

وقد زار وفد قطري إيران لإجراء محادثات تهدف إلى خفض التصعيد وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات، في تحرك قيل إنه جرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

كما أجرى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف اتصالات منفصلة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، داعيًا جميع الأطراف إلى ضبط النفس واحترام مذكرة التفاهم ومواصلة المسار السياسي.

ماذا يعني كل ذلك؟

تُظهر التطورات أن الخلاف لم يعد حول فتح مضيق هرمز فقط، بل حول الجهة التي ستضع قواعد الملاحة فيه بعد الحرب.

إيران تريد الاحتفاظ بدور مركزي يمنحها نفوذًا سياسيًا وعائدات مقابل الخدمات البحرية. والولايات المتحدة تريد ممرًا مفتوحًا لا تستطيع طهران إغلاقه أو استخدامه للضغط. أما عُمان وبعض الأطراف الأوروبية فتبحث عن صيغة وسط تمنح إيران وعُمان دورًا في تقديم خدمات السلامة، من دون الاعتراف بحق أي دولة في فرض رسوم إجبارية أو التحكم المنفرد في حركة السفن.

وتبدو مهلة السبت أداة ضغط سياسية أكثر من كونها موعدًا قانونيًا منصوصًا عليه في الاتفاق. فالنتيجة الفعلية ستتوقف على صياغة البيان الذي قد يصدر عن لقاء مسقط: هل سيعلن وقف الهجمات وفتح جميع المسارات بوضوح؟ أم سيؤكد مجددًا أن المرور يجب أن يخضع لإدارة إيران؟

السيناريوهات المحتملة

إذا وافقت طهران على إعلان واضح يضمن العبور الآمن والمجاني، فقد تتراجع واشنطن عن الضربات وتستأنف المفاوضات النووية.

أما إذا أصدرت إيران بيانًا غامضًا يشترط الحصول على إذنها أو استخدام مسار تحدده هي، فقد تعتبره الولايات المتحدة رفضًا للمهلة.

ويبقى السيناريو الثالث هو التوصل إلى حل عُماني وسط، يقوم على فتح المسار الجنوبي فورًا، مع تشكيل آلية مشتركة للخدمات الملاحية وتمويلها بمساهمات طوعية، وتأجيل الخلاف بشأن الإدارة الدائمة للمضيق إلى مفاوضات لاحقة.

لكن استمرار الهجمات أو تبادل الضربات سيجعل أي اتفاق نووي بعيد المنال، وقد يحول مضيق هرمز مجددًا من ممر للطاقة العالمية إلى شرارة لحرب إقليمية أوسع.

حول هذه القصة

الحرس الثوري أعلن إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة ( بريس تي في)

هدنة إيران وأميركا على حافة الانهيار.. تبادل ضربات يعيد شبح الحرب

مقاتلة شبح أميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن في بحر العرب ( الجيش الأميركي)

8 نقاط تشرح كيف انهارت هدنة إيران وأميركا على بوابة هرمز

رؤساء السلطات الثلاث في إيران، ورؤساء دول وبرلمانات، ومبعوثين خاصين يشاركون في التشييع (بريس تي في)

تشييع خامنئي يتحول إلى استعراض قوة.. رسائل تحدٍّ للداخل والخارج

اترك تعليقاً