من يملك مفتاح هرمز؟.. هدنة أميركا وإيران تنهار في معركة السيطرة على المضيق

يوليو 13, 2026
103

دبلوماسيون سابقون يرون أن الاتفاق فتح المضيق فقط وفق الشروط الإيرانية، أي عبر مسار تراقبه طهران وتتحكم به (تسنيم)

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تتنافس القوى الكبرى على تأمينه، بل أصبح قلب المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وساحة تختبر فيها كل دولة قدرتها على فرض قواعد الملاحة والتحكم بإمدادات الطاقة العالمية.

فبعد شهر واحد فقط من اتفاق مؤقت احتفل به الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتباره خطوة لإعادة فتح المضيق وتهدئة الحرب، عادت السفن التجارية إلى دائرة الخطر، وتبادل الطرفان الضربات، وأعلنت كل من واشنطن وطهران أنها صاحبة اليد العليا في الممر الذي كان يعبره قبل الحرب نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المتداول عالميًا.

ويكشف تقرير نيويورك تايمز أن الصياغة الغامضة للاتفاق منحت إيران فرصة لتفسيره باعتباره اعترافًا بدورها في إدارة المضيق، بينما توضح أسوشيتد برس أن هذا الخلاف القانوني والسياسي تحوّل الآن إلى مواجهة عسكرية مفتوحة تهدد بانهيار الهدنة وعودة الحرب الشاملة.

اتفاق فتح المضيق تحوّل إلى مصدر للأزمة

وقّعت الولايات المتحدة وإيران في 14 يونيو/ حزيران مذكرة تفاهم مؤقتة كان يفترض أن تعيد فتح مضيق هرمز، وتسمح باستئناف تدفق النفط والغاز، وتمهّد لمفاوضات أوسع بشأن إنهاء الحرب.

ويرى تحقيق نيويورك تايمز أن إدارة ترامب دخلت اتفاق يونيو بهدف سريع هو إعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة، لكنها قبلت بصياغة غامضة سمحت لإيران بتحويل الهدنة إلى أداة لتعزيز سيطرتها.

وبدلًا من تأمين حرية الملاحة، أصبح المضيق ساحة تنافس مباشر بين المسارين الأميركي والإيراني، وباتت السفن التجارية عالقة بين خطر الهجوم من جهة، ودفع الرسوم والقبول بالسيطرة الإيرانية من جهة أخرى.

وكان أكثر البنود إثارة للجدل ينص على أن إيران ستستخدم «أفضل جهودها» لضمان المرور الآمن للسفن التجارية. وفسرت طهران هذه العبارة على أنها تمنحها دورًا دائمًا في تنظيم الملاحة، بينما اعتبرتها واشنطن التزامًا بعدم مهاجمة السفن.

وتخلص الصحيفة إلى أن أزمة المضيق لم تعد خلافًا على الملاحة فقط، بل مواجهة حول من يملك حق إدارة أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

وبدلًا من إنهاء النزاع، أصبح كل طرف يقرأ الاتفاق بطريقة مختلفة تمامًا.

كيف حاولت الولايات المتحدة تجاوز السيطرة الإيرانية؟

خلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، أدارت البحرية الأميركية ترتيبًا غير معلن لمساعدة الناقلات التجارية على عبور المضيق عبر مسار جنوبي قريب من الساحل العُماني، بعيدًا نسبيًا عن المياه الإيرانية.

وكانت بعض السفن تطفئ أجهزة تحديد مواقعها لتجنب الرصد الإيراني، بينما يقدم الجيش الأميركي إرشادات عبر أجهزة الاتصال وغطاءً جويًا محدودًا.

وبحسب القيادة المركزية الأميركية، تلقت أكثر من 800 سفينة تحمل نحو 400 مليون برميل من النفط إرشادات للمرور عبر هذا المسار.

وساعد ذلك على زيادة حركة الملاحة، إذ عبرت قرابة 400 سفينة خلال أسبوع واحد في أواخر يونيو، وهو أعلى معدل منذ بدء الحرب.

لكن إيران رأت في المسار الجنوبي محاولة أميركية لتقويض دورها، فبدأت بمهاجمة السفن التي تستخدمه.

إيران تريد إجبار السفن على المرور قرب سواحلها

ترغب طهران في إجبار السفن على استخدام الممر الشمالي القريب من الساحل الإيراني، والحصول على تصريح من هيئة أنشأتها في مايو باسم «سلطة مضيق الخليج».

وخلال ذروة الحرب، طلبت إيران من بعض السفن دفع مبالغ وصلت إلى مليوني دولار مقابل السماح لها بالعبور بأمان.

وتقول إيران إن هذه الأموال مقابل خدمات السلامة وحماية البيئة، لكن خبراء يرون أنها رسوم عبور فعلية تهدف إلى تكريس سيطرة إيرانية على المضيق.

كما يشير منتقدو الاتفاق إلى أنه منع فرض الرسوم لمدة 60 يومًا فقط، ولم يلغها بصورة دائمة، ما ترك الباب مفتوحًا أمام عودتها.

المضيق بين طريقين كلاهما خطر

أصبحت شركات الشحن تواجه خيارين صعبين:

إما المرور عبر الطريق الجنوبي القريب من عُمان، مع خطر التعرض لهجوم إيراني، أو المرور عبر الطريق الشمالي القريب من إيران، بما يعني قبول شروط طهران ودفع الرسوم المحتملة.

وهكذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى الشركات هو ما إذا كان المضيق مفتوحًا أم مغلقًا، بل أي طريق يمكن استخدامه بأقل قدر من المخاطر السياسية والعسكرية والمالية.

الهجوم على سفينة يشعل جولة جديدة من الضربات

تفاقمت الأزمة بعد أن هاجمت إيران سفينة حاويات قرب الساحل العُماني، في حادث دفع الولايات المتحدة إلى شن موجة واسعة من الضربات داخل إيران.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت عشرات المواقع، من بينها:

أنظمة دفاع جوي.

مواقع رادار.

منصات ومعدات صواريخ وطائرات مسيرة.

مخازن ذخيرة.

زوارق عسكرية صغيرة.

معدات اتصالات.

وفي جولة سابقة، قالت واشنطن إنها ضربت نحو 140 هدفًا، ليرتفع عدد الضربات الأميركية خلال أسبوع إلى أكثر من 300.

وأكدت القيادة المركزية أن إيران لا تسيطر على مضيق هرمز، وأنه ممر دولي حيوي للتجارة العالمية.

طهران ترد: المضيق أرض إيرانية

رفض الحرس الثوري الإيراني الموقف الأميركي، مؤكدًا أن المضيق جزء من المجال السيادي الإيراني، وأن طهران لن تسمح للجيش الأميركي بالتدخل فيه.

وأعلنت إيران أن المضيق مغلق، بينما أصرت الولايات المتحدة وترامب على أنه لا يزال مفتوحًا.

ويعكس هذا التناقض أن النزاع لم يعد متعلقًا بحركة السفن وحدها، بل بمن يملك سلطة إصدار الأوامر وتحديد المسارات وفرض قواعد المرور.

اتساع الهجمات إلى دول المنطقة

لم تقتصر المواجهة على إيران والمضيق، بل امتدت إلى دول تستضيف قوات أو منشآت عسكرية أميركية.

فقد دوت صفارات الإنذار في البحرين، مقر الأسطول الخامس الأميركي، بينما أعلنت الكويت اعتراض نيران معادية.

وقالت الأردن إنها أسقطت أربعة صواريخ إيرانية من دون وقوع خسائر بشرية أو أضرار مادية.

كما طالت الهجمات أو التهديدات قطر وعُمان ودولًا أخرى، رغم أن عُمان تقوم بدور الوسيط بين طهران والغرب.

واستدعت مسقط دبلوماسيًا إيرانيًا للاحتجاج على الهجوم الذي وقع قرب مياهها.

هجمات داخل إيران وعلى جماعة كردية في العراق

أفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع ضربات في محافظات هرمزغان وخوزستان ومركزي وسيستان وبلوشستان، وسقوط قتيلين على الأقل وفق وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.

وفي إقليم كردستان العراق، تعرّضت قاعدة تابعة للجناح المسلح لحزب حرية كردستان الإيراني المعارض لهجوم بطائرة مسيرة، من دون إعلان واضح عن حجم الخسائر أو الجهة المنفذة.

ويشير اتساع رقعة الهجمات إلى أن الصراع حول المضيق بات يمتد جغرافيًا إلى ساحات متعددة في المنطقة.

لماذا تعتقد إيران أن الاتفاق منحها سلطة أكبر؟

يتضمن الاتفاق المؤقت فقرة تنص على إجراء إيران حوارًا مع سلطنة عُمان ودول الخليج بشأن الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز.

ويرى مسؤولون إيرانيون وخبراء أن هذه الفقرة اعترفت رسميًا بأن لطهران دورًا أساسيًا في إدارة المضيق.

أما منتقدو الاتفاق في الولايات المتحدة، فيرون أن الإدارة الأميركية قبلت بصياغة منحت إيران نفوذًا سياسيًا وقانونيًا يفوق ما تسمح به قواعد الملاحة الدولية.

وقال دبلوماسيون سابقون إن الاتفاق فتح المضيق فقط وفق الشروط الإيرانية، أي عبر مسار تراقبه طهران وتتحكم به.

محاولة أميركية سابقة فشلت خلال 48 ساعة

في الرابع من مايو، أطلق الجيش الأميركي عملية أطلق عليها اسم «مشروع الحرية»، كانت تهدف إلى مرافقة السفن العالقة وفتح المضيق بالقوة.

لكن العملية توقفت خلال أقل من 48 ساعة، بعدما رفضت السعودية السماح باستخدام أجوائها خشية تعرضها لرد إيراني.

بعد ذلك، انتقلت واشنطن إلى أسلوب أقل صدامًا يقوم على تقديم التوجيهات للسفن، بدلًا من مرافقتها عسكريًا بصورة مباشرة.

ويقول محللون إن هذا التراجع المبكر كشف لإيران حدود القدرة الأميركية، ومنحها ورقة ضغط قوية خلال المفاوضات.

حركة السفن تتراجع بشدة

بعد الزيادة المؤقتة في حركة الملاحة عقب الاتفاق، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق بصورة حادة بعد استئناف الهجمات.

وفي أحد الأيام، عبرت 22 سفينة فقط، مقارنة بنحو 400 سفينة خلال أسبوع واحد في أواخر يونيو/ حزيران.

ولا تزال الولايات المتحدة تنشر أكثر من 12 سفينة حربية، بينها حاملتا طائرات، إلى جانب عشرات الطائرات الهجومية وطائرات الاستطلاع في بحر العرب والمنطقة المحيطة.

كما تستخدم مركبات بحرية ذاتية التشغيل للكشف عن الألغام.

لكن مسؤولين عسكريين أميركيين يعترفون بأنه لا توجد ضمانات كاملة لحماية السفن التجارية.

الهدنة المؤقتة تقترب من الانهيار

وصلت واشنطن وطهران إلى منتصف المهلة المحددة بـ60 يومًا في الاتفاق، والتي كان يفترض أن تقود إلى تسوية دائمة.

لكن المرحلة الانتقالية تحولت إلى سلسلة من الضربات والهجمات والخلافات حول مستقبل المضيق.

وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن العودة إلى الحرب الشاملة ستكون لها عواقب كارثية.

كما طالبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بفتح المضيق واحترام حرية الملاحة كما كانت قبل الحرب.

جهود وساطة مستمرة رغم التصعيد

رغم إعلان ترامب أن الاتفاق المؤقت أصبح «منتهيًا»، تواصل قطر وباكستان ومصر ودول أخرى جهود الوساطة لمنع انهيار وقف إطلاق النار.

وقال مسؤول إقليمي مشارك في الوساطة إن الاتصالات مستمرة من أجل تثبيت الهدنة، بينما دعت باكستان الطرفين إلى خفض التصعيد.

لكن هذه الجهود تواجه عقبات كبيرة، خصوصًا مع تمسك إيران بالسيطرة على المضيق، وإصرار واشنطن على أن الممر يجب أن يبقى مفتوحًا للملاحة الدولية.

الملف النووي يزيد المفاوضات تعقيدًا

أعلنت إيران أنها لن تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المنشآت النووية التي قصفتها الولايات المتحدة في عام 2025.

وتعتقد أطراف غربية أن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب ربما لا يزال موجودًا في تلك المواقع.

ويضيف هذا الملف عقبة جديدة إلى المفاوضات، التي لم تعد تدور فقط حول إنهاء الحرب وفتح المضيق، بل أيضًا حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

المعادلة الاقتصادية: إيران أم الاقتصاد العالمي؟

أدت سيطرة إيران الجزئية على المضيق إلى أزمة طاقة عالمية، وارتفعت أسعار النفط خلال الحرب إلى نحو 120 دولارًا للبرميل قبل أن تتراجع لاحقًا.

وأعاد ترامب فرض الحظر على مبيعات النفط الإيراني، بعدما سمح باستئنافها مؤقتًا لمدة 60 يومًا بموجب الاتفاق.

ومع ذلك، لم تعد واشنطن حتى الآن إلى فرض حصار بحري كامل على الموانئ الإيرانية.

ويعتقد محللون أن إيران قد تكون مستعدة لتحمل مزيد من الخسائر الاقتصادية من أجل الحفاظ على نفوذها في المضيق، بينما تواجه الولايات المتحدة خطر ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم واضطراب الاقتصاد العالمي.

ولهذا بات السؤال الأبرز: أيهما سينهار أولًا، الاقتصاد الإيراني أم قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل استمرار تعطيل هرمز؟

تفسيرات مختلفة

تكشف تقارير نيويورك تايمز وأسوشيتد برس أن اتفاق يونيو لم يحسم النزاع حول مضيق هرمز، بل أجّل المواجهة ومنح كل طرف فرصة لتفسيره وفق مصالحه.

فالولايات المتحدة ترى أن المضيق ممر دولي يجب أن يبقى مفتوحًا من دون قيود، بينما تعتبر إيران أن موقعها الجغرافي والاتفاق المؤقت يمنحانها حق الإشراف على الملاحة وتحديد طرق العبور.

ومع انتقال الخلاف من النصوص الدبلوماسية إلى الصواريخ والطائرات المسيرة والضربات الجوية، أصبح مستقبل المضيق مرتبطًا بنتيجة اختبار أكبر: هل تستطيع واشنطن فرض حرية الملاحة بالقوة، أم تنجح طهران في تحويل موقعها الجغرافي إلى سلطة فعلية على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم؟

المصادر/ نيويورك تايمز وأسوشيتد برس

حول هذه القصة

القصف الأميركي شمل منصات إطلاق صواريخ إيرانية وقواعد إطلاق المسيّرات ومخازن الذخيرة وغيرها (منصات التواصل)

واشنطن تضرب 140 هدفًا داخل إيران.. وطهران تعلن إغلاق هرمز وتوسع هجماتها

واشنطن تطالب طهران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة من دون رسوم إلزامية (وكالة تسنيم)

مهلة أميركية لإيران بشأن هرمز.. هل تنقذ مفاوضات عُمان الهدنة؟

مقاتلة شبح أميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن في بحر العرب ( الجيش الأميركي)

8 نقاط تشرح كيف انهارت هدنة إيران وأميركا على بوابة هرمز

اترك تعليقاً