16 يوليو 1945.. يوم بدأ العصر الذري

يوليو 16, 2026
111

تفجير 16 يوليو/تموز 1945 مجرد اختبار ناجح لسلاح جديد، بل لحظة فاصلة في تاريخ الإنسان

في الخامسة و29 دقيقة من صباح 16 يوليو/تموز 1945، أضاء انفجار هائل صحراء نيو مكسيكو الأميركية، وارتفعت فوقها سحابة ضخمة معلنة نجاح أول تجربة لقنبلة ذرية في التاريخ.

لم يكن ذلك الانفجار مجرد إنجاز علمي أو عسكري؛ بل كان بداية عصر جديد أصبحت فيه البشرية قادرة، للمرة الأولى، على تدمير مدن كاملة خلال لحظات، وفتح الباب أمام سباق تسلح نووي ظل يهدد العالم طوال عقود.

أُطلق على التجربة اسم «ترينيتي»، وكانت تتويجًا لمشروع أميركي سري ضخم عُرف باسم «مشروع مانهاتن». وبعد أقل من شهر، استُخدمت القنبلة الذرية ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، لتدخل الأسلحة النووية التاريخ من أكثر أبوابه مأساوية.

من اكتشاف الانشطار النووي إلى صناعة القنبلة

بدأت القصة علميًا عام 1938، عندما توصّل علماء في ألمانيا، من بينهم أوتو هان وليز مايتنر وفريتز شتراسمان، إلى اكتشاف الانشطار النووي.

ويحدث الانشطار عندما تنقسم نواة ذرة ثقيلة، مثل اليورانيوم أو البلوتونيوم، إلى نواتين أصغر، فتتحرر كمية هائلة من الطاقة. وقد أدرك العلماء سريعًا أن استمرار هذه العملية على شكل تفاعل متسلسل يمكن أن يؤدي إلى انفجار غير مسبوق في قوته.

وتعتمد القنابل الذرية على الانشطار النووي، بينما تستخدم القنابل الهيدروجينية، التي طُورت لاحقًا، مزيجًا من الانشطار والاندماج النووي. وفي الاندماج تتحد ذرات خفيفة لتكوين ذرة أثقل، مطلقة طاقة أكبر بكثير، وهو ما يجعل القنبلة الهيدروجينية أشد تدميرًا من القنبلة الذرية التقليدية.

مشروع مانهاتن.. سباق سري ضد ألمانيا النازية

في 28 ديسمبر/كانون الأول 1942، وافق الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت على تشكيل مشروع مانهاتن، وهو برنامج عسكري وعلمي سري هدفه إنتاج قنبلة ذرية قبل أن تنجح ألمانيا النازية في صنع سلاح مماثل.

ورغم ارتباط المشروع عادة باسم الفيزيائي روبرت أوبنهايمر والعلماء العاملين في مختبر لوس ألاموس، تشير موسوعة بريتانيكا إلى أن نحو 485 ألف شخص شاركوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في المشروع؛ أي ما يعادل واحدًا من كل 250 أميركيًا في ذلك الوقت.

وكثير من هؤلاء لم يكونوا يعرفون طبيعة السلاح الذي يساعدون في إنتاجه. فقد عمل آلاف العمال في منشآت تخصيب اليورانيوم بمدينة أوك ريدج في ولاية تينيسي، وفي منشآت هانفورد بولاية واشنطن، حيث أُنتج البلوتونيوم المستخدم في أول تجربة نووية.
رسم بياني يوضح الجدول الزمني للعصر الذري من اكتشاف الانشطار النووي حتى مراحل التوسع والانتشار العالمي المعاصر.

لماذا سُمّيت التجربة «ترينيتي»؟

اختير موقع صحراوي قريب من قاعدة ألاموغوردو الجوية في نيو مكسيكو لإجراء التجربة. وكان الموقع بعيدًا بما يكفي عن مختبر لوس ألاموس لإخفاء العلاقة بين الانفجار والعمل السري الجاري هناك، لكنه قريب بما يسمح للعلماء والمهندسين بالوصول إليه.

أطلق أوبنهايمر على التجربة اسم «ترينيتي»، لكنه قال لاحقًا إنه لم يكن يعرف على وجه اليقين سبب اختياره للاسم. وأشار إلى أنه كان يفكر في قصائد الشاعر الإنجليزي جون دن، التي تناولت موضوعات الموت والبعث والثالوث الديني.

وللتغطية على حقيقة الانفجار، نشرت الصحف المحلية رواية رسمية مفادها أن مستودعًا للذخيرة انفجر في المنطقة.

لحظة الانفجار التي غيّرت العالم

وُضعت القنبلة التجريبية، التي حملت الاسم الرمزي «غادجت»، فوق برج يبلغ ارتفاعه نحو 30 مترًا.

وعند الساعة 5:29 صباحًا، انفجرت القنبلة بقوة تراوحت بين 15 و20 ألف طن من مادة «تي إن تي». وتجاوزت قوة الانفجار توقعات كثير من العلماء، وارتفعت سحابة هائلة في السماء، معلنة نجاح أول تفجير نووي في التاريخ.

وكان الرئيس الأميركي هاري ترومان موجودًا حينها في مؤتمر بوتسدام بألمانيا إلى جانب الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. وسرعان ما تلقى ترومان خبر نجاح التجربة، وهو ما منحه ورقة عسكرية وسياسية بالغة الأهمية خلال المفاوضات المتعلقة بنهاية الحرب العالمية الثانية.

من تجربة الصحراء إلى هيروشيما

بحلول عام 1945، أنتج العلماء الأميركيون نوعين مختلفين من القنابل الذرية:

قنبلة تعتمد على اليورانيوم وأُطلق عليها اسم «الولد الصغير».

قنبلة تعتمد على البلوتونيوم وعُرفت باسم «الرجل البدين».

كانت الحرب في أوروبا قد انتهت، لكن القتال استمر في المحيط الهادئ بين الولايات المتحدة واليابان. وفي أواخر يوليو/تموز، طالبت واشنطن اليابان بالاستسلام وفق إعلان بوتسدام، محذرة من تعرضها لـ«دمار سريع وشامل» إذا رفضت.

في 6 أغسطس/آب 1945، ألقت قاذفة أميركية من طراز «بي-29»، حملت اسم «إينولا غاي»، قنبلة «الولد الصغير» فوق مدينة هيروشيما.

وانفجرت القنبلة بقوة تعادل نحو 13 إلى 15 ألف طن من «تي إن تي»، فسوّت مساحات واسعة من المدينة بالأرض وقتلت عشرات الآلاف فورًا، قبل أن يموت عشرات الآلاف الآخرين لاحقًا بسبب الحروق والإصابات والتعرض للإشعاع.

ناغازاكي لم تكن الهدف الأول

بعد ثلاثة أيام، ألقت الولايات المتحدة قنبلة ثانية، هي «الرجل البدين»، فوق مدينة ناغازاكي، ما أدى إلى مقتل نحو 40 ألف شخص مباشرة، إضافة إلى ضحايا توفوا لاحقًا نتيجة الإصابات والإشعاع.

لكن ناغازاكي لم تكن الهدف الأساسي. فقد كانت الخطة تقضي بقصف مدينة كوكورا، حيث كانت توجد منشآت عسكرية ومصانع ذخيرة كبيرة، إلا أن الدخان والسحب حجبت الهدف، فتوجهت الطائرات الأميركية إلى ناغازاكي بوصفها هدفًا بديلًا.

وفي 15 أغسطس/آب، أعلن الإمبراطور هيروهيتو استسلام اليابان، مشيرًا إلى القوة التدميرية غير المسبوقة لـ«قنبلة جديدة شديدة القسوة». وهكذا انتهت الحرب العالمية الثانية، لكن العالم دخل في المقابل مرحلة أكثر خطورة.

بداية سباق التسلح النووي

كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي في السنوات الأولى التي أعقبت الحرب. لكن الاتحاد السوفييتي تمكن خلال فترة قصيرة من الحصول على معلومات عن تصميم القنبلة عبر شبكات تجسس، كما عثر على مصادر لليورانيوم في أوروبا الشرقية.

وفي 29 أغسطس/آب 1949، أجرى الاتحاد السوفييتي أول تجربة نووية، لينتهي الاحتكار الأميركي للسلاح الذري ويبدأ سباق التسلح النووي بين القوتين العظميين.

وردت واشنطن بإطلاق برنامج لتطوير القنبلة الهيدروجينية الأكثر قوة. وفي العقود التالية، خزنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي عشرات الآلاف من الرؤوس النووية، بينما انضمت بريطانيا وفرنسا والصين إلى نادي الدول النووية.

وبلغ السباق ذروة خطورته عام 1961، عندما فجّر الاتحاد السوفييتي قنبلة «القيصر» بقوة بلغت نحو 58 ميغاطن، أي ما يعادل أكثر من 50 مليون طن من المتفجرات التقليدية.

أزمة الصواريخ الكوبية.. العالم على حافة الحرب

في أكتوبر/تشرين الأول 1962، اقترب العالم بشدة من مواجهة نووية مباشرة عندما نصب الاتحاد السوفييتي صواريخ نووية في كوبا، على بعد نحو 145 كيلومترًا فقط من السواحل الأميركية.

فرض الرئيس جون كينيدي حصارًا بحريًا على كوبا، وأعلن استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة. واستمرت الأزمة 13 يومًا من التوتر الشديد، قبل أن يوافق الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف على سحب الصواريخ مقابل تعهد أميركي بعدم غزو كوبا.

أظهرت الأزمة أن امتلاك الأسلحة النووية لم يعد مجرد أداة ردع، بل خطرًا يمكن أن يقود إلى كارثة عالمية بسبب سوء تقدير أو قرار سياسي خاطئ.

الخوف من الإشعاع وولادة الحركة المناهضة للسلاح النووي

أثارت التجارب النووية الكثيفة خلال الأربعينيات والخمسينيات مخاوف متزايدة بشأن آثار الإشعاع على الإنسان والبيئة.

وفي الولايات المتحدة، كان الأطفال يتدربون في المدارس على الانحناء والاحتماء تحت الطاولات في حال وقوع هجوم نووي، ضمن حملات دفاع مدني هدفت إلى إعداد السكان لاحتمال الحرب.

وفي عام 1961، بدأت حركة اجتماعية واسعة معارضة للأسلحة النووية. وخرج نحو 50 ألف امرأة في 60 مدينة أميركية ضمن احتجاجات عُرفت باسم «إضراب النساء من أجل السلام».

وتجددت الحركة بقوة بعد حادث محطة ثري مايل آيلاند النووية في بنسلفانيا عام 1979، ثم بلغت ذروتها عام 1982، عندما شارك نحو مليون شخص في تظاهرة بنيويورك تطالب بوقف سباق التسلح النووي.

معاهدة منع الانتشار النووي

في عام 1968، قادت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مفاوضات لإبرام معاهدة دولية تهدف إلى وقف انتشار الأسلحة النووية، ودخلت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية حيز التنفيذ عام 1970.

وقسمت المعاهدة الدول إلى فئتين:

دول كانت تمتلك أسلحة نووية عند إقرار المعاهدة، وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا والصين.

دول غير نووية تعهدت بعدم تطوير أو امتلاك هذه الأسلحة.

وفي المقابل، تعهدت الدول النووية بالسعي تدريجيًا إلى تقليص ترساناتها وصولًا إلى نزع السلاح، رغم أن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بقيت آلاف الرؤوس النووية موزعة في بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا، قبل أن تُعطّل وتُنقل إلى روسيا.

دول خارج المعاهدة

لم توقّع بعض الدول على معاهدة عدم الانتشار، وفي مقدمتها الهند، التي أجرت أول تجربة نووية عام 1974، ثم باكستان وإسرائيل.

وتُعد باكستان دولة نووية معلنة، بينما يُعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، رغم أنها لا تؤكد ذلك رسميًا ولا تنفيه.

أما كوريا الشمالية، فقد انضمت في البداية إلى المعاهدة ثم أعلنت انسحابها منها عام 2003، وبدأت منذ 2006 إجراء تجارب نووية علنية، إلى جانب تطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى.

إرث «ترينيتي»

لم يكن تفجير 16 يوليو/تموز 1945 مجرد اختبار ناجح لسلاح جديد، بل لحظة فاصلة في تاريخ الإنسان.

فمنذ ذلك الصباح، أصبحت القدرة على إفناء مدن بأكملها جزءًا من الحسابات السياسية والعسكرية. وساهم السلاح النووي في إنهاء الحرب العالمية الثانية، لكنه أطلق أيضًا سباقًا عالميًا للتسلح، وأدخل البشرية في حالة دائمة من الردع والخوف المتبادل.

لقد بدأ العصر الذري في صحراء هادئة بنيو مكسيكو، لكن صداه وصل إلى هيروشيما وناغازاكي وكوبا، ثم امتد إلى كل أزمة دولية كبرى جاءت بعدها. وبعد أكثر من ثمانية عقود، ما زال السؤال الذي طرحه اختبار «ترينيتي» قائمًا: هل يستطيع الإنسان السيطرة على القوة التي صنعها، أم أن هذه القوة ستظل تهدد مستقبله؟

حول هذه القصة

الاختبار يأتي في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الصين وروسيا مناوراتهما البحرية السنوية المشتركة (الصين اليوم)

اختبار صاروخي صيني نادر من غواصة نووية يثير عاصفة دبلوماسية

الكاتب يرى أن الترابط بين الانتصار العسكري والنجاح السياسي بدأ يتلاشى بصورة متزايدة

هل أصبحت الحروب بلا جدوى؟

اترك تعليقاً