العالم مضطرب والأسهم ترتفع.. 6 نقاط تفسّر لغز الأسواق؟
الأسواق أعادت توزيع استثماراتها للتكيف مع نظام اقتصادي عالمي جديد.
تبدو أسواق المال وكأنها تعيش في عالم منفصل: صراعات جيوسياسية، وضغوط تضخمية، وارتفاع في تكاليف الاقتراض، في مقابل مؤشرات أسهم تقترب من مستويات قياسية.
لكن تقريرًا نشره موقع “أكسيوس” الأميركي، مستندًا إلى تحليل من وكالة «موديز»، يرى أن الأسواق لا تتجاهل الاضطرابات، بل أعادت توزيع استثماراتها للتكيف مع نظام اقتصادي عالمي جديد.
1- الارتفاع العام يخفي خسائر داخلية
يقول التقرير إن صعود مؤشرات الأسهم الكبرى لا يعني أن جميع الشركات والقطاعات تحقق مكاسب. فعند النظر إلى التفاصيل، يظهر أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية، وأن قطاعات كاملة تواجه ضغوطًا واضحة.
وتراجعت أسهم شركات البرمجيات خلال العام، جزئيًا بسبب التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي والمخاوف من منافسته للنماذج التقليدية. كما عانت قطاعات السيارات والسلع الاستهلاكية والملابس، في ظل ارتفاع الأسعار وضعف قدرة المستهلكين على الإنفاق.
في المقابل، استفادت شركات الطاقة من الحرب مع إيران والصراعات الدولية الأخرى، بينما جذبت شركات الأجهزة وأشباه الموصلات استثمارات كبيرة، لأنها توفر البنية التحتية والرقائق اللازمة لازدهار الذكاء الاصطناعي.
2- أسواق السندات تكشف القلق
تبدو التحولات أوضح في أسواق السندات؛ فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية في معظم الاقتصادات المتقدمة، بما يعكس زيادة تكاليف الاقتراض وتراجع شهية المستثمرين لتمويل الحكومات بأسعار فائدة منخفضة.
وفي سوق سندات الشركات، ابتعد المستثمرون نسبيًا عن الديون الأكثر خطورة. وهذا يعني أن الهدوء الظاهر في مؤشرات الأسهم لا يعكس الصورة الاقتصادية والمالية كاملة.
3- نهاية عصر الأموال الرخيصة
قبل جائحة كورونا، كان الاقتصاد العالمي لا يزال يعيش ضمن النظام الذي تشكل بعد الأزمة المالية عام 2008. وكان التضخم أدنى من أهداف البنوك المركزية، بينما استطاعت الحكومات والشركات الاقتراض بتكاليف منخفضة.
ومع اقتراب أسعار الفائدة من الصفر، اتجه المستثمرون إلى أسهم التكنولوجيا سريعة النمو، والسندات الحكومية طويلة الأجل، والقروض المقدمة إلى الشركات الأكثر مخاطرة، بحثًا عن عوائد أعلى.
لكن أتسي شيث، كبيرة مسؤولي الائتمان في وكالة «موديز للتصنيفات الائتمانية»، تقول إن ذلك العصر انتهى، وإن الاقتصاد انتقل خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة مختلفة تحكمها أسعار فائدة وتضخم أعلى.
4- ما الذي غيّر المشهد الاقتصادي؟
يربط التقرير هذا التحول بعدة عوامل متداخلة، من أبرزها عدم اليقين الجيوسياسي، وارتفاع عجز الموازنات الحكومية، والتغيرات الديموغرافية، وتزايد اعتماد السياسات الاقتصادية على اعتبارات الأمن القومي.
وبدأت موجة التضخم مع اضطرابات سلاسل الإمداد والاختلال بين العرض والطلب خلال الجائحة، ثم استمرت الضغوط نتيجة الحروب والتوترات الدولية وارتفاع الإنفاق الحكومي.
كما يشكل الذكاء الاصطناعي عاملًا جديدًا؛ ففي الماضي، كانت شركات البرمجيات تستطيع التوسع برؤوس أموال محدودة وتحقيق تدفقات نقدية كبيرة. أما اليوم، فتحتاج شركات الحوسبة السحابية العملاقة إلى إنفاق هائل على مراكز البيانات والرقائق والطاقة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
5- الديون الحكومية ترفع التكلفة على الجميع
تتجه الحكومات أيضًا إلى اقتراض المزيد من الأموال، جزئيًا لتمويل الإنفاق المرتبط بالتوترات الجيوسياسية والدفاع والأمن الاقتصادي. ويسهم ذلك في رفع تكاليف الاقتراض ليس على الدول فقط، بل على الشركات والأفراد أيضًا، بما في ذلك القروض العقارية.
وبحسب بيانات أوردتها «بلومبيرغ»، ظل العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عامًا فوق مستوى 5% لأطول مدة منذ بداية الأزمة المالية العالمية، في إشارة إلى ترسخ عصر الفائدة المرتفعة.
6- مخاطر الذكاء الاصطناعي ورهان «تاكو»
يحذر التقرير من أن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي قد لا تحقق العوائد المتوقعة، ما قد يضغط مستقبلًا على الشركات والأسواق. كما لا يزال المستثمرون يراهنون على تدخل الحكومات إذا تحولت الاضطرابات إلى أزمة واسعة.
ويعتمد بعضهم على ما يُعرف في الأسواق باسم «صفقة تاكو» (TACO)، وهو تعبير ساخر يشير إلى توقع تراجع الرئيس دونالد ترامب عن التصعيد عندما تبدأ سياساته أو تهديداته بإلحاق ضرر كبير بالأسواق. لكن «أكسيوس» يؤكد أن هذا الرهان لا يحمل أي ضمانات.
الأسهم لا ترتفع لأن المستثمرين غير مبالين بالحروب والتضخم والديون، بل لأن رؤوس الأموال انتقلت إلى القطاعات المتوقع استفادتها من الواقع الجديد، مثل الطاقة والرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وعليه، فإن المؤشرات القياسية تخفي تحتها تحولات وخسائر ومخاطر كبيرة. وحتى الآن، نجح المستثمرون في التكيف مع النظام الاقتصادي الجديد، لكن استمرار هذا النجاح سيعتمد على عوائد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ومسار التضخم والفائدة، وقدرة الحكومات على احتواء الصدمات المقبلة.
حول هذه القصة
الوظائف الأكثر تعرضاً للضغط ستكون تلك التي تعتمد على المهام المتكررة والقابلة للأتمتة (جيمناي)