الذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية.. فهل يطيح بالوظائف؟

يوليو 18, 2026
186

الوظائف الأكثر تعرضاً للضغط ستكون تلك التي تعتمد على المهام المتكررة والقابلة للأتمتة (جيمناي)

شاهر الأحمد/ كاتب وصحفي مختص بالشأن الاقتصادي

منذ إطلاق شركة “أوبن أيه آي” (OpenAI) نموذج “تشات جي بي تي” (ChatGPT) في نوفمبر 2022، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من التحول التقني، دفعت الحكومات والشركات إلى إعادة النظر في نماذج الإنتاج والعمل والاستثمار.

فخلال أقل من أربع سنوات، تحولت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي من أدوات تجريبية إلى جزء أساسي من أعمال المؤسسات المالية والصناعية والإعلامية والصحية، وسط سباق عالمي لضخ مئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية الحاسوبية.

ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي، وإنما كيف سيغيره، ومن سيكون الرابح الأكبر، ومن سيدفع تكلفة هذا التحول؟

هذا التحول يضع الاقتصاد العالمي أمام سؤال محوري: هل سيقود الذكاء الاصطناعي إلى أكبر طفرة إنتاجية منذ الثورة الصناعية، أم أنه سيمثل أكبر تحدٍ لسوق العمل خلال العقود المقبلة؟

محرك جديد للنمو الاقتصادي

تشير أبحاث صندوق النقد الدولي، الصادرة في 11 أبريل/ نيسان 2025، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على رفع الإنتاجية وتحفيز النمو الاقتصادي العالمي، إلا أن مكاسب هذا التحول لن تتوزع بالتساوي بين الدول.

فالدول المتقدمة، بفضل جاهزيتها الرقمية واستثماراتها في التكنولوجيا، مرشحة لتحقيق مكاسب اقتصادية تزيد بأكثر من الضعف مقارنة بالدول منخفضة الدخل، وهو ما قد يوسع فجوة التنمية العالمية.

وفي السياق نفسه، أوضح صندوق النقد في دراسة أخرى نُشرت في 4 أبريل/ نيسان 2025 أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن إنتاجية الاقتصادات الأوروبية بصورة تدريجية، لكنه حذر من أن حجم المكاسب سيعتمد على سرعة تبني التقنية، وتوافر البنية التحتية الرقمية، والإطار التنظيمي الذي يحكم استخدامها. كما أشار إلى أن القيود التنظيمية قد تخفض المكاسب الإنتاجية بأكثر من 30% في بعض السيناريوهات.

وتتفق هذه النتائج مع تقرير ماكينزي آند كومباني (McKinsey & Company) الصادر في 28 يناير/ كانون الثاني 2025، والذي يؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على إضافة ما يصل إلى 4.4 تريليونات دولار سنوياً من القيمة الاقتصادية الناتجة عن تحسين إنتاجية الشركات (وهو ما يعادل إضافة اقتصاد بحجم المملكة المتحدة تقريباً كل عام)، إلا أن معظم المؤسسات لا تزال في المراحل الأولى من التطبيق، إذ لا تتجاوز نسبة الشركات التي تعتبر نفسها ناضجة في استخدام الذكاء الاصطناعي 1% فقط.

سباق استثماري عالمي

هذا التفاؤل يفسر موجة الاستثمارات الضخمة التي يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي، سواء في مراكز البيانات أو الرقائق الإلكترونية أو البنية التحتية للحوسبة.

وأشار صندوق النقد في 13 مايو/ ايار 2025 إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل مصدراً جديداً للنمو الاقتصادي والاستثمار، لكنه في الوقت نفسه يرفع الطلب بصورة غير مسبوقة على الكهرباء، مع توسع إنشاء مراكز البيانات حول العالم، الأمر الذي يجعل توفير الطاقة أحد أكبر التحديات أمام استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي.

وفي سياق هذا السباق، أعلنت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت (Microsoft)، وألفابت (Alphabet)، وميتا بلاتفورمز (Meta Platforms)، وأمازون (Amazon) عن خطط لإنفاق مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق المتقدمة وشبكات الحوسبة السحابية خلال عامي 2025 و2026، في محاولة للاستحواذ على الحصة الأكبر من سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.

وفي الوقت نفسه، أصبحت شركة إنفيديا (NVIDIA) المستفيد الأكبر من هذا السباق، بعدما تحولت رقائقها إلى العمود الفقري لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، لترتفع قيمتها السوقية إلى مستويات تاريخية عند قرابة 5 تريليونات دولار، حيث تستحوذ إنفيديا على حصة بنحو 80% من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي.

هل بدأت أزمة الوظائف؟

ورغم المخاوف المتزايدة، فإن البيانات الحديثة لا تشير حتى الآن إلى حدوث موجة واسعة من فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي.

فوفق تقرير منظمة العمل الدولية الصادر في 2025، فإن التأثير الحالي يتمثل في إعادة تشكيل الوظائف أكثر من إلغائها، إذ تتغير طبيعة المهام داخل كثير من المهن بدلاً من اختفائها بالكامل، مع استمرار الحاجة إلى العنصر البشري في الأعمال التي تتطلب الإبداع، والحكم المهني، واتخاذ القرار.

وتشير مراجعة بحثية أحدث للمنظمة نُشرت في يونيو 2026 إلى أن الأدلة المتوافرة حتى الآن لا تدعم فرضية حدوث بطالة جماعية ناجمة عن الذكاء الاصطناعي، لكنها تؤكد في المقابل أن التحولات بدأت تظهر في طبيعة المهارات المطلوبة، وفي انخفاض الطلب على بعض الوظائف المبتدئة والروتينية، مقابل ارتفاع الطلب على المهارات الرقمية والتحليلية.

الرابحون والخاسرون

يرى خبراء الاقتصاد أن الوظائف الأكثر تعرضاً للضغط ستكون تلك التي تعتمد على المهام المتكررة والقابلة للأتمتة، مثل بعض الأعمال الإدارية، وإدخال البيانات، وخدمة العملاء، وإعداد التقارير الروتينية، في حين يتوقع أن يزداد الطلب على المهن المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية.

غير أن التحدي الاقتصادي الأكبر لا يتمثل في اختفاء الوظائف بقدر ما يتمثل في سرعة انتقال العمال من وظائف تتراجع أهميتها إلى وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم وإعادة التأهيل المهني عاملاً حاسماً في نجاح هذا التحول.

اتساع فجوة الثروة

ورغم التفاؤل بمكاسب الإنتاجية، إلا أن هناك حذراً متزايداً من احتمال اتساع فجوة الدخل والثروة.

ففي ورقة عمل أصدرها صندوق النقد الدولي بتاريخ 4 أبريل/ نيسان 2025، خلص الباحثون إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع عوائد رأس المال بصورة أكبر من عوائد العمل، بما يمنح الشركات المالكة للتقنيات والبنية التحتية ميزة تنافسية واسعة، ويؤدي إلى تركزٍ أكبر للثروة، ما لم تتدخل الحكومات بسياسات تعزز إعادة التدريب وتكافؤ الفرص.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً