زيارة الأربعين.. لماذا يتوافد ملايين الشيعة إلى كربلاء كل عام؟

أغسطس 1, 2026
82

ملايين المشاركين في زيارة الأربعين يعتبرون المناسبة تأكيداً متجدداً على قيم العدالة والتضحية والثبات على المبادئ (واع)

قبل أيام من حلول زيارة أربعينية الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، تستعد مدينة كربلاء العراقية لاستقبال ملايين الزائرين من داخل العراق وخارجه في واحدة من أكبر التجمعات الدينية السنوية في العالم.

وبينما يُنظر إلى المناسبة بوصفها شعيرة دينية راسخة لدى المسلمين الشيعة، يرى باحثون أنها تتجاوز حدود الطقس الديني لتجسد منظومة من القيم المرتبطة بالتضحية والعدالة والذاكرة الجماعية، فضلاً عن دورها في تشكيل الهوية الدينية والثقافية لملايين المؤمنين عبر القرون.

وفي تحليل نشره موقع “ذا كونفرسيشن”، يشرح الباحث في دراسات الأديان والسياسة إقبال أختر الخلفيات التاريخية والدينية لزيارة الأربعين، وكيف تحولت من مناسبة كانت تُمارس في ظروف صعبة إلى أكبر مسيرة دينية في العالم.

الأربعين… نهاية أربعين يوماً من الحداد

يوافق الأربعين مرور أربعين يوماً على االعاشر من محرم أأو ما يعرف بعاشوراء، اليوم الذي يحيي فيه المسلمون الشيعة ذكرى مقتل الإمام الحسين بن علي، حفيد النبي محمد ﷺ، في معركة كربلاء عام 680 ميلادية.

وتختتم المناسبة فترة الحداد التي تبدأ مع شهر محرم، حيث يتوافد ملايين الزائرين إلى مدينة كربلاء لإحياء الذكرى عند مرقد الإمام الحسين.

يشير الباحث إقبال أختر إلى أن زيارة الأربعين تُعد من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم
يتوقع أن تبلغ ذروة زيارة الأربعين هذا العام في 4 أغسطس/آب ( وكالة الأنباء العراقية)

ويشير الباحث إقبال أختر إلى أن زيارة الأربعين تُعد من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم، إذ تجاوز عدد المشاركين في بعض السنوات 20 مليون زائر، بينما يتوقع أن تبلغ ذروتها هذا العام في 4 أغسطس/آب.

معركة كربلاء… الحدث المؤسس

يستعرض المقال الخلفية التاريخية للأحداث التي أدت إلى معركة كربلاء، موضحاً أنه بعد وفاة رابع الخلفاء الراشدين الإمام علي بن أبي طالب، ثم ابنه الحسن بن علي، آلت الخلافة إلى الدولة الأموية بقيادة معاوية بن أبي سفيان ثم ابنه يزيد بن معاوية.

وبحسب الرواية التي يعرضها الكاتب، رفض الإمام الحسين مبايعة يزيد، معتبراً أنه لا يمتلك المؤهلات الأخلاقية والدينية لقيادة المسلمين.

وفي عام 680 ميلادية، خرج الحسين مع مجموعة صغيرة من أفراد عائلته وأصحابه باتجاه العراق، قبل أن تحاصرهم قوات أكبر عدداً بالقرب من كربلاء، حيث قُتل الحسين ومعه نحو سبعين من أنصاره، بينما أُخذت النساء والأطفال أسرى إلى دمشق.

مكانة كربلاء في الوعي الشيعي

يوضح المقال أن كثيراً من المسلمين الشيعة ينظرون إلى مقتل الإمام الحسين على أنه لم يكن مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية، بل تضحية من أجل الحفاظ على المبادئ الدينية والوقوف في وجه ما يعتبرونه حكماً جائراً.

ويرى الباحث أن ذكرى كربلاء أصبحت رمزاً للصراع بين العدالة والظلم، وتذكيراً بضرورة الالتزام بالمبادئ الأخلاقية حتى في مواجهة السلطة.

لماذا سميت بـ”الأربعين”؟

بحسب المقال، يرتبط اسم الأربعين بزيارة يُعتقد أن الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري قام بها إلى قبر الإمام الحسين بعد أربعين يوماً من مقتله، برفقة من تبقى من أفراد عائلته بعد عودتهم من الأسر.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت المناسبة تمثل نهاية فترة الحداد وتجديداً للوفاء لذكرى الإمام الحسين.

المسير إلى كربلاء

أشهر طرق الزيارة يبدأ من مدينة النجف، حيث مرقد الإمام علي، وصولاً إلى كربلاء، لمسافة تقارب 78 كيلومتراً، يقطعها كثير من الزائرين سيراً على الأقدام خلال ثلاثة أيام تقريباً.

وعلى امتداد الطريق تنتشر آلاف المواكب الحسينية التي يقدم متطوعون من خلالها الطعام والشراب والعلاج وأماكن المبيت مجاناً للزائرين.

ويقول الكاتب، الذي زار كربلاء خلال الأربعين، إن أكثر ما لفت انتباهه هو قدرة المجتمع العراقي، رغم سنوات الحروب والأزمات، على تنظيم هذا الحجم الضخم من الضيافة المجانية لملايين الأشخاص، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار تأثير قصة الإمام الحسين في المجتمع.

من المنع إلى أكبر تجمع ديني

يشير المقال إلى أن زيارة الأربعين لم تكن تُقام بحرية دائماً.

فخلال حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين (1979-2003)، كانت الشعائر الجماعية الخاصة بالأربعين تخضع لقيود صارمة، ووصل الأمر إلى منع المسيرة بشكل شبه كامل.

وبعد عام 2003، عادت الزيارة إلى العلن، لتشهد توسعاً سريعاً وتحولاً إلى مناسبة تستقطب ملايين الزائرين من مختلف دول العالم.

البعد السياسي لواقعة كربلاء

لا يقتصر تأثير واقعة كربلاء، بحسب الكاتب إقبال أختر، على الجانب الديني، بل امتد أيضاً إلى المجال السياسي.

ويشير إلى أن بعض الباحثين يرون أن قصة الإمام الحسين أصبحت نموذجاً رمزياً لمقاومة الظلم، وهو ما ظهر في عدد من الحركات السياسية في التاريخ الحديث، ومنها الثورة الإيرانية عام 1979، عندما استُحضرت رمزية كربلاء في الخطاب السياسي.

ويعرض المقال هذا الجانب بوصفه قراءة أكاديمية لتوظيف الرموز الدينية في المجال السياسي، دون أن يقدمه باعتباره التفسير الوحيد للمناسبة.

إرث ثقافي يتجاوز الحدود

يرى الكاتب أن ذكرى الإمام الحسين ألهمت المجتمعات الشيعية في دول عديدة لإنتاج تراث أدبي وفني واسع، شمل القصائد والملاحم والمسرحيات بلغات متعددة، تعبيراً عن الحزن وإحياءً للذكرى.

ويضرب مثالاً بالشاعر الهندي الشيعي مير أنيس الذي جسد في إحدى أشهر ملاحمه مشاهد إنسانية من واقعة كربلاء، ولا سيما معاناة الأطفال بعد مقتل الإمام الحسين.

لماذا تستمر الزيارة حتى اليوم؟

يخلص المقال إلى أن ملايين المشاركين في زيارة الأربعين لا يرون المناسبة مجرد استذكار لحدث وقع قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، بل يعتبرونها تأكيداً متجدداً على قيم العدالة والتضحية والثبات على المبادئ، وهي معانٍ يعتقد كثير من المشاركين أنها ما تزال حاضرة في واقعهم المعاصر.

وبذلك، تبقى زيارة الأربعين، وفق رؤية الكاتب، مناسبة دينية ذات أبعاد تاريخية واجتماعية وثقافية، تستقطب ملايين الزوار سنوياً، وتعكس المكانة المركزية التي يحتلها الإمام الحسين في الوجدان الديني للمسلمين الشيعة.

اترك تعليقاً