بين التصعيد ومخرج الحرب.. ترامب يبحث عن نصر ينقذه من المستنقع الإيراني 

أغسطس 1, 2026
81

في وقت يبحث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مخرج سياسي من حربٍ امتدت أبعد مما خطط له، تتزاحم أمامه رسائل متعارضة من أقرب حلفاء واشنطن في المنطقة. فالسعودية تحذّر من مخاطر توسيع المواجهة وتدفع نحو التهدئة، بينما تشكك إسرائيل في جدوى الدبلوماسية وتعرض خيارات لمزيد من الضغط العسكري على طهران.

وبين هذين المسارين، يجد ترامب نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يعلن النصر ويفتح مضيق هرمز، من دون الانزلاق إلى حرب أوسع تستنزف القوات الأميركية وتنعكس سياسياً على إدارته قبل انتخابات التجديد النصفي؟

فخلال لقاءين متتاليين في البيت الأبيض، نقل وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان رسالة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تدعو إلى خفض التصعيد، محذراً من أن إطالة أمد الحرب قد تحمل مخاطر كبيرة على المنطقة.

وفي المقابل، أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شكوكاً في إمكان نجاح الدبلوماسية، وناقش مع ترامب خيارات لزيادة الضغط على إيران، بما في ذلك استئناف ضربات عسكرية واسعة وتشديد الإجراءات الاقتصادية.

ترامب يبحث عن نصر قابل للتسويق

تقول التقارير إن ترامب يريد إنهاء الحرب بطريقة تسمح له بإعلان تحقيق انتصار واضح، لكن التطورات الميدانية لا تسير في هذا الاتجاه. فالمواجهة اتسعت لتشمل جبهات جديدة، ودخلت دول إضافية في دائرة الهجمات والردود، بينما لا تبدو المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران وشيكة.

ورغم تأكيد ترامب أن إيران «تتوسل» للتوصل إلى اتفاق، يخشى مسؤولون أميركيون أن تكون مراكز القوة داخل النظام الإيراني، ولا سيما الحرس الثوري، أكثر تمسكاً باستخدام مضيق هرمز والهجمات الصاروخية وسيلةً للضغط على الولايات المتحدة.

وقد عبّر ترامب عن إحباطه من رفض طهران الاستجابة لشروطه، قائلاً إن الإيرانيين يواصلون خرق تعهداتهم وإثارة غضبه. وخلال اجتماع حكومي في كامب ديفيد، اكتفى بالقول إن الولايات المتحدة تريد «الفوز»، متوقعاً أن تضعف إيران تدريجياً تحت وطأة الضربات.

خيارات عسكرية جديدة.. لكن بكلفة مرتفعة

ناقشت الإدارة الأميركية خططاً عسكرية لتكثيف الضربات على إيران، بينها حملة قصف قوية قد تمتد أسبوعاً أو أسبوعين وتهدف إلى تدمير مزيد من القدرات الصاروخية الإيرانية.

لكن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أبلغ المشرعين بأن القوة الجوية وحدها قد لا تحقق جميع أهداف ترامب المعلنة، مؤكداً أن «للقوة الجوية حدوداً».

كما حذّر مسؤولون من تناقص مخزونات صواريخ الدفاع الجوي الأميركية، ولا سيما صواريخ «باتريوت» و«ثاد»، بعد أشهر من اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وتشير التقديرات الواردة في التقارير إلى أن استنزاف هذه المخزونات بدأ يؤثر في حسابات واشنطن بشأن مواصلة دورة الضربات والردود.

وتثير الإدارة أيضاً مخاوف من أن تؤدي مهاجمة الجسور أو محطات تحلية المياه أو المنشآت المدنية إلى خسائر بشرية واسعة. وقد أقر ترامب بأنه لا يريد تنفيذ ضربات تُلحق الضرر المباشر بالسكان الإيرانيين.

مضيق هرمز مفتاح التسوية

تتركز الجهود الدبلوماسية حالياً على التوصل إلى اتفاق قصير الأمد يعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. ويُنظر إلى هذا الخيار باعتباره المخرج الأكثر واقعية الذي قد يسمح لترامب بإعلان نجاح سياسي واقتصادي، من دون الحاجة إلى خوض حرب مفتوحة.

وقد أصبح المضيق محور المواجهة بعد انهيار التفاهم الذي توصلت إليه واشنطن وطهران في الشهر السابق، إذ اتهم البيت الأبيض إيران بخرق مذكرة التفاهم ومهاجمة السفن التجارية وقتل جنود أميركيين.

وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن إيران «ستواصل دفع الثمن» إلى أن تعود إلى طاولة المفاوضات بطريقة يعدها ترامب جدية وذات معنى.

في المقابل، رفض مسؤولون إيرانيون الدور الأميركي في المضيق، مؤكدين أنه شأن إقليمي لا علاقة لواشنطن به، فيما قالت القيادة المركزية الأميركية إنها أعادت توجيه عشرات السفن التجارية وفتشت أو عطلت سفناً أخرى خلال تطبيق الحصار البحري على إيران.

السعودية تدفع نحو التهدئة

نقلت التقارير عن مسؤولين مطلعين أن الرسالة السعودية إلى واشنطن ركزت على ضرورة منع توسع الحرب. ورغم مشاركة السعودية في عمليات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة ضد مقرات للحشد الشعبي في العراق، فإن الرياض لا تزال ترى أن خفض التصعيد هو الخيار الأفضل.

وبحسب هذا التقييم، أرادت السعودية من عملياتها العسكرية الأخيرة توجيه رسالة دفاعية واضحة: منشآتها المدنية خط أحمر، لكنها في الوقت ذاته لا تريد تحويل الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة.

كما ترى الرياض أن إيران قد تستخدم التصعيد في العراق واليمن لزيادة أوراقها التفاوضية، وأن الجماعات المتحالفة معها قد تتحرك لفتح جبهات إضافية.

وتشير المصادر إلى أن الرسالة السعودية شددت أيضاً على أن نتنياهو يدفع باتجاه المزيد من التصعيد، بينما تريد المملكة احتواء الحرب.

نتنياهو ترامب بأن فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران تبدو محدودة
نتنياهو أبلغ ترامب بأن فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران تبدو محدودة ( البيت الأبيض)

نتنياهو يشكك في الدبلوماسية

على الجانب الآخر، أبلغ نتنياهو ترامب بأن فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران تبدو محدودة. وناقش المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون زيادة الضربات العسكرية وتشديد العقوبات الاقتصادية.

وبحسب التقارير، حاول نتنياهو التأكيد لترامب أن القرار النهائي بشأن الحرب يعود إلى الرئيس الأميركي، في رد غير مباشر على الانطباع بأن إسرائيل تسعى إلى دفع واشنطن نحو استئناف الحرب الشاملة.

لكن هذا الموقف الإسرائيلي يزيد من صعوبة مهمة ترامب، إذ يضعه أمام خيارين متناقضين: الاستجابة لدعوات حلفائه الخليجيين إلى التهدئة، أو تبني موقف إسرائيل الداعي إلى مضاعفة الضغط العسكري.

انقسامات داخل إيران تعرقل التفاوض

تخشى واشنطن وحلفاؤها أن تكون مراكز القرار السياسي في إيران فقدت جانباً من قدرتها على التحكم في مسار الحرب، لمصلحة الحرس الثوري.

وتشير التقديرات الأميركية إلى وجود تنافس بين عدد من كبار قادة الحرس الثوري، وهو ما يجعل معرفة صاحب القرار الحقيقي أمراً أكثر صعوبة، ويزيد احتمال إطالة أمد المواجهة.

وقد أشار ترامب إلى هذه الانقسامات عندما قال إن بعض الهجمات الإيرانية على المواقع الأميركية نفذتها «مجموعة مختلفة» عن الشخصيات التي تتواصل معها واشنطن، مضيفاً أن تلك المجموعة قدمت اعتذاراً.

طهران باستهداف منشآت طاقة أميركية وإسرائيلية في المنطقة إذا تعرضت بنيتها التحتية لهجمات إضافية
طهران هددت باستهداف منشآت طاقة أميركية وإسرائيلية في المنطقة إذا تعرضت بنيتها التحتية لهجمات إضافية (تسنيم)

لكن الرئيس الأميركي عبّر في الوقت نفسه عن شكوكه في قدرة طهران على الالتزام بأي اتفاق، قائلاً إن الإيرانيين «يخلفون وعودهم كثيراً».

إيران تلوّح باستهداف منشآت الطاقة

في مقابل التهديدات الأميركية بضربات جديدة، هددت طهران باستهداف منشآت طاقة أميركية وإسرائيلية في المنطقة إذا تعرضت بنيتها التحتية لهجمات إضافية.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤول أمني قوله إن طهران أعدت خطط رد واسعة تشمل منشآت حيوية في إسرائيل ومصالح طاقة أميركية في المنطقة، مؤكداً أن القوات الإيرانية تملك القدرة والإرادة لتنفيذها.

كما واصلت إيران مهاجمة ناقلات نفط في مضيق هرمز وإطلاق طائرات مسيّرة باتجاه الكويت، التي أعلنت اعتراض عدد منها بعد استهداف منشآت عسكرية وحيوية من دون وقوع خسائر بشرية.

ضغوط داخلية على ترامب

لا تقتصر الضغوط على الجبهة العسكرية، إذ تتزايد مخاوف الجمهوريين من تأثير الحرب في أسعار الوقود وفي حظوظ الحزب خلال انتخابات التجديد النصفي.

وأظهر استطلاع أوردته شبكة «سي إن إن» أن 28% فقط من الأميركيين يوافقون على طريقة إدارة ترامب للحرب، ما يعكس تراجع التأييد الشعبي لاستمرارها.

كما يخشى حلفاء الرئيس من أن تتحول الحرب إلى القضية التي تهيمن على ما تبقى من رئاسته، خصوصاً مع عدم وجود جدول زمني واضح لإنهائها.

وقد أقر ترامب بأن القتال قد يستمر، متوقعاً أن تضعف إيران في نهاية المطاف، لكنه لم يقدم تصوراً واضحاً لكيفية الانتقال من الضربات العسكرية إلى تسوية سياسية.

جبهات جديدة في الشرق الأوسط

تزامنت الأزمة الإيرانية مع تطورات متسارعة في ملفات إقليمية أخرى. فقد أعلنت السعودية خطة لتشكيل تحالف دفاعي يضم دولاً عدة لحماية الملاحة والتجارة في البحر الأحمر، في ظل تهديدات الحوثيين للسفن السعودية.

وفي غزة، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) موافقتها على إطار لنزع السلاح تدريجياً مقابل وقف الضربات الإسرائيلية والانسحاب من القطاع، إلا أن تطبيق الاتفاق لا يزال يواجه عقبات كبيرة، من بينها ربط الحركة تسليم أسلحتها الثقيلة بإقامة دولة فلسطينية، وغياب موقف إسرائيلي رسمي واضح.

أما في لبنان، فواصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب، بينما تستعد فرق تفاوض إسرائيلية ولبنانية لاجتماع جديد في روما لمناقشة انسحاب إسرائيل ونزع سلاح حزب الله.

حرب بلا نهاية واضحة

تكشف الرسائل المتناقضة التي تلقاها ترامب عن غياب رؤية موحدة لدى حلفاء الولايات المتحدة بشأن مستقبل الحرب. فالسعودية تريد خفض التصعيد ومنع توسع المواجهة، وإسرائيل تشكك في الدبلوماسية وتفضّل زيادة الضغط، بينما تستخدم إيران مضيق هرمز والجماعات المتحالفة معها أوراقاً لرفع كلفة الحرب.

وبينما يكرر ترامب أن الولايات المتحدة تحقق الانتصارات، فإن استمرار الهجمات الإيرانية، وتناقص مخزونات الدفاع الجوي، وارتفاع أسعار الطاقة، واتساع نطاق القتال، تشير إلى أن تحقيق نصر عسكري واضح قد يكون أصعب من إعلان بدء الحرب.

ويبقى فتح مضيق هرمز والتوصل إلى تفاهم مؤقت بشأن الملاحة أقرب الخيارات المتاحة لمنح ترامب مخرجاً سياسياً. لكن نجاح هذا المسار يتطلب معرفة من يملك القرار فعلياً داخل إيران، وإقناع إسرائيل بعدم توسيع المواجهة، وطمأنة دول الخليج إلى أن التهدئة لن تأتي على حساب أمنها.

حول هذه القصة

واشنطن شنت موجة جديدة من الضربات الجوية على أهداف داخل إيران ( وكالة أنباء الطلبة الإيرانية)

أميركا تستأنف ضرباتها وإيران تتوعد بـ«رد قاسٍ» وتوسع دائرة المواجهة

ترامب ونتنياهو يعقدان اليوم الثلاثاء أول اجتماع مباشر بينهما منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ( هاآرتس)

حرب إيران غيّرت قواعد اللعبة.. ماذا ينتظر نتنياهو في البيت الأبيض؟

الهدوء الحالي يمثل فرصة مهمة للدبلوماسية، لكنه يظل هدنة هشة ( وكالة أنباء الطلبة الإيرانية)

بين الهدنة والتصعيد.. أين وصلت مفاوضات واشنطن وطهران؟

اترك تعليقاً