عاد رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى بغداد، فجر الأربعاء، بعد جولة أوروبية شملت فرنسا وألمانيا، حملت ما هو أبعد من جدول الزيارات الدبلوماسية التقليدية. فقد سعت بغداد إلى تحويل أزمة طرق تصدير النفط، التي كشفتها اضطرابات مضيق هرمز، إلى فرصة لبناء شراكات جديدة مع أوروبا في الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والنقل.
وكانت الرسالة الأبرز التي حملها الزيدي إلى باريس وبرلين أن العراق لا يريد أن يبقى معتمداً على ممر واحد لتصدير نفطه، وأنه يتطلع إلى فتح مسارات عبر تركيا وسوريا والبحر المتوسط، بالتوازي مع رفع قدرته الإنتاجية واستقطاب الشركات الأوروبية. وتؤكد الرئاسة الفرنسية رسمياً أن تنويع طرق التصدير وربط العراق بصورة أفضل بأوروبا كانا من الملفات الأساسية في مباحثات باريس.

النفط.. الملف الأثقل في الجولة
خلال مؤتمره الصحفي مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين الثلاثاء، قال الزيدي إن العراق يمتلك الكثير من الموارد ونحتاج إلى التجربة الألمانية وأن ألمانيا نقطة لقاء وحل في الخلافات العالمية.
وأضاف الزيدي أن “العلاقة بين العراق وألمانيا استثنائية والعراق ينظر إلى ألمانيا كشريك موثوق والشركات الألمانية مرحب بها للعمل في العراق فضلاً عن أن ألمانيا لم تترك أي أثر سلبي في العراق ومنفتحون على أوروبا والولايات المتحدة”. وأضاف: “نحن بعيدون عن السياسة العدوانية ورؤية العراق توسيع مصادر تصدير النفط ولا يمكن للعراق أن يبقى رهينة ممر واحد في تصدير نفطه”.
وأشار إلى أنه “ما يخص السجناء الألمان في العراق هذا قرار قضائي والتحقيقات بشأن استهداف السعودية قيد التحقيق وتحليل النتائج وإقليم كردستان جزء أساسي من الدولة العراقية ولديه مستحقات وفقاً للدستور والقانون”. وأكد أن” القوات الأمنية قادرة على مسك الأراضي العراقية ونعمل على حماية سماء العراق وأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة”.
وشدد الزيدي على أن بغداد تريد توسيع وتنويع منافذ تصدير النفط، مستخلصاً من أزمة هرمز أن العراق “لا يمكن أن يبقى رهينة لممر واحد”.
وبحسب ما أعلنه، ناقش مع ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إمكانية زيادة مبيعات النفط العراقي إلى الأسواق الأوروبية، في إطار استراتيجية أوسع لتحويل جزء أكبر من الصادرات العراقية باتجاه أوروبا والغرب، مع التشديد ‘لى أهمية دعم برامج الحكومة العراقية في مكافحة الفساد.
وتكتسب هذه الخطط أهمية خاصة لأن النفط يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة العراقية، بينما تعتمد معظم الصادرات تاريخياً على المسار البحري عبر الخليج ومضيق هرمز. وقد أظهرت الحرب والاضطرابات الأخيرة مدى هشاشة الاعتماد على منفذ رئيسي واحد.
وتحدث الزيدي عن إمكانية مضاعفة الصادرات العراقية عبر البحر المتوسط، مع خطط لتوسيع طاقة التصدير عبر تركيا وفتح مسار عبر سوريا. كما ربط هذه الخطط بطموح حكومته لرفع الطاقة الإنتاجية للعراق إلى نحو 9–10 ملايين برميل يومياً خلال السنوات المقبلة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أزمة طرق التصدير ليست نظرية؛ فقد أفادت رويترز بأن شركة أدنوك الإماراتية اشترت عشرات الملايين من براميل الخام العراقي خلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول، مستفيدة من قدراتها في النقل والتجارة في وقت واجهت فيه الصادرات العراقية صعوبات لوجستية كبيرة.

ألمانيا.. النفط مقابل التكنولوجيا والاستثمار
في برلين، اتخذت المحادثات طابعاً اقتصادياً واضحاً. وبحسب الأمين العام لمجلس الوزراء حميد الغزي، شملت الملفات المطروحة الطاقة والصناعة والنقل والتحول الرقمي.
وطرح الجانب العراقي على ألمانيا المشاركة في مشاريع خطوط لنقل النفط وفتح طرق بديلة باتجاه البحر المتوسط، مع إمكانية مد خطوط بمحاذاة طريق التنمية، بما يسمح مستقبلاً بزيادة قدرة العراق على إيصال الخام إلى الأسواق الأوروبية.
وفي المقابل، تريد بغداد جذب التكنولوجيا والاستثمارات الألمانية إلى قطاعات الكهرباء والصناعة والنقل والصناعات الدوائية والتحول الرقمي.
وشكلت شركة سيمنز محوراً رئيسياً في الجانب الاقتصادي من الزيارة، إذ أشرف الزيدي على توقيع المرحلة الرابعة من اتفاق مبادئ التعاون في مجال الطاقة، في إطار خطط تطوير إنتاج الكهرباء وشبكاتها.
كما دعا الزيدي الشركات الألمانية الكبرى إلى دخول السوق العراقية ونقل التكنولوجيا والخبرات، في حين أكد ميرتس أن التعاون الاقتصادي يمثل محوراً أساسياً في العلاقات بين البلدين. وكانت الحكومة الألمانية قد أعلنت قبل اللقاء أن تطوير العلاقات الثنائية، وخصوصاً التعاون الاقتصادي، سيكون في صدارة المباحثات.

التحول الرقمي.. من الإدارة إلى مكافحة الفساد
من الملفات الأقل بروزاً إعلامياً، لكنها قد تكون مهمة داخلياً، التحول الرقمي.
وقال الغزي إن العراق يعمل على تطوير البنية التحتية الرقمية وإنشاء مركز وطني للبيانات، فضلاً عن أتمتة العمل في عدد من الوزارات.
وتنظر الحكومة، وفق الرواية العراقية الرسمية، إلى الرقمنة باعتبارها وسيلة لتبسيط الإجراءات الحكومية وتقليل البيروقراطية والتأخير، إضافة إلى تضييق مساحات الفساد وزيادة إيرادات الدولة.
ولهذا طرحت بغداد على شركات ألمانية متخصصة، بينها شركة «إس إيه بي» (SAP) الألمانية المتخصصة في البرمجيات وأنظمة إدارة المؤسسات، توسيع نشاطها في العراق ونقل التكنولوجيا والخبرات إلى المؤسسات العراقية.
باريس.. الطاقة والدفاع والطيران
أما محطة فرنسا، فجمعت ملفات اقتصادية وأمنية أوسع. والتقى الزيدي الرئيس إيمانويل ماكرون، كما أجرى لقاءات مع مسؤولين في شركات ومؤسسات فرنسية، بينها توتال إنرجيز وروتشيلد، إضافة إلى ممثلي شركات صناعية.
وأكد البيان الفرنسي-العراقي المشترك أن الجانبين ناقشا التعاون في الطاقة والنقل والبنية التحتية والمياه والصحة، إلى جانب الأمن والدفاع. كما اتفقا على أهمية تنويع طرق التصدير وسلاسل الإمداد وتعزيز ارتباط العراق بأوروبا.
وشملت التفاهمات المعلنة في باريس التعاون في عدة مجالات، أبرزها الدفاع والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والتكنولوجيا والتنمية والطيران المدني والطاقة.
ومن أبرزها بدء العراق وشركة توتال إنرجيز مباحثات بشأن مشاريع طاقة جديدة واستثمارات كبيرة تستهدف زيادة إنتاج النفط وتحسين كفاءة قطاع الطاقة. وأكدت رويترز أن الحكومة العراقية والشركة الفرنسية اتفقتا على بدء هذه المحادثات.
كما وقّع الجانبان إعلان نوايا لتعزيز التعاون في الطيران المدني وسلامة الملاحة الجوية، وهو ملف يرتبط أيضاً بمساعي بغداد لاستعادة الرحلات الجوية العراقية المباشرة إلى أوروبا.
بغداد–برلين جواً
بحسب الغزي، تعمل الحكومة العراقية على مسارين لاستعادة الرحلات المباشرة مع أوروبا: الأول معالجة الملاحظات المتعلقة بقطاع الطيران العراقي والاستعانة بخبراء ومستشارين دوليين، والثاني إقامة شراكات مع شركات طيران أجنبية لتشغيل رحلات مباشرة بالتعاون مع وزارة النقل والخطوط الجوية العراقية.
والهدف النهائي هو معالجة المتطلبات الفنية والتنظيمية التي تحول دون عودة الناقل العراقي بصورة كاملة إلى الأجواء الأوروبية.
ماذا تعني الجولة للعراق؟
القاسم المشترك بين محطتي باريس وبرلين هو محاولة بغداد إعادة صياغة علاقتها الاقتصادية مع أوروبا. فبدلاً من اقتصار العلاقة على التعاون الأمني ومكافحة تنظيم الدولة، تسعى الحكومة إلى بناء معادلة أوسع: النفط العراقي وإمكانات السوق العراقية في مقابل الاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية الأوروبية.
والعامل الذي يمنح هذه الاستراتيجية إلحاحاً أكبر هو أزمة الممرات البحرية. فاضطراب هرمز من جهة، وتصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب من جهة أخرى، جعلا أمن الطاقة قضية مشتركة للعراق والدول الأوروبية المستوردة.
ولهذا ركز البيان الفرنسي-العراقي تحديداً على أمن الملاحة وتنويع مسارات الطاقة، فيما وصف المستشار الألماني التطورات الإقليمية بأنها ذات تأثير مباشر في أسواق الطاقة وفي ألمانيا.
توجه أوسع
الجولة الأوروبية لم تكن مجرد محاولة للعثور على مشترين جدد للنفط العراقي، بل كشفت عن توجه أوسع: تحويل طرق التصدير نفسها إلى جزء من السياسة الخارجية والاقتصادية للعراق، وربط خطوط النفط وطريق التنمية والاستثمارات الأوروبية والتحول الرقمي في حزمة واحدة. لكن نجاح هذه الرؤية سيعتمد في النهاية على قدرة بغداد على تحويل مذكرات التفاهم والمقترحات، ولا سيما خطوط التصدير البديلة إلى المتوسط، إلى مشاريع ممولة ومنفذة على الأرض.







