رغم التفاؤل الذي أحاط خلال الأيام الماضية بالمفاوضات بين إيران وعُمان بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، تشير أحدث التقارير إلى أن الطريق نحو إعادة فتح الممر الحيوي أمام حركة الشحن العالمية لا يزال معقداً، بعدما طرحت طهران سلسلة مطالب واسعة تتجاوز الترتيبات البحرية إلى مستقبل الحرب والعقوبات والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
وقالت شبكة ” إن بي سي نيوز” االأميركية إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد، الأحد، عدم وجود مفاوضات جارية بين طهران وواشنطن، موضحاً أن الوسطاء ما زالوا يحاولون إيجاد صيغة تسمح باستئنافها.
وشدد عراقجي على أن المحادثات الإيرانية-العُمانية بشأن تغيير مسارات الملاحة داخل هرمز تمثل مسألة «فنية وقانونية»، ولا تعني أن المضيق بات قريباً بالضرورة من إعادة الفتح الكامل.
وجاءت تصريحاته بعد إعلان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر مجموعة شروط قالت طهران إنها يجب أن تتحقق قبل إعادة فتح المضيق.
وتشمل المطالب الإيرانية:
- إنهاء الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.
- سحب القوات والقطع العسكرية الأميركية من المنطقة.
- رفع العقوبات المفروضة على إيران.
- الإفراج غير المشروط عن الأصول الإيرانية المجمدة.
- دفع تعويضات كاملة عن الأضرار التي لحقت بإيران خلال الحرب.
- التزام الولايات المتحدة بعدم تهديد إيران مستقبلاً.
- إنهاء الحرب بصورة دائمة ضد إيران وحلفائها في المنطقة.
ولم تصدر واشنطن حتى الآن رداً علنياً مفصلاً على هذه الشروط، التي وصفتها بعض وسائل الإعلام الأميركية بأنها شديدة الصعوبة، ولا سيما أن الولايات المتحدة كانت قد استبعدت سابقاً تقديم مدفوعات فورية لإيران.

اتفاق مع عُمان.. لكن ليس لفتح المضيق
وتفيد تقارير بوليتيكو والغارديان بأن إيران وعُمان أصبحتا قريبتين من الاتفاق على ترتيبات خاصة بالملاحة في هرمز، وخصوصاً تحديد مسارات عبور السفن وإدارة الحركة البحرية.
وقال عراقجي إن المحادثات «تقترب من مراحلها النهائية»، وإن أحد أبرز الملفات المطروحة هو تحديد مسار عبور السفن داخل المضيق.
لكن طهران تحاول الفصل بين مسألتين: الأولى هي تنظيم الملاحة مع عُمان، والثانية هي إعادة فتح المضيق بصورة كاملة أمام حركة التجارة الدولية.
وتصر إيران على أن التوصل إلى اتفاق فني مع مسقط لا يعني تلقائياً إنهاء إغلاق المضيق، ما لم تستجب الولايات المتحدة لمطالبها الأوسع.
أما عُمان فقالت إن المباحثات تجري في «أجواء إيجابية وبناءة»، لكنها أدانت في الوقت نفسه الهجمات التي تتعرض لها السفن التي تحاول المرور عبر المضيق، محذرة من أن استمرارها يمكن أن يؤثر في المفاوضات.
وتناقش طهران ومسقط، بحسب التقارير، ترتيبات مستقبلية لإدارة حركة السفن، من بينها احتمال فرض رسوم عبور، وهو أمر تعارضه الولايات المتحدة.
الحرس الثوري: هرمز أصبح «مسرح حرب»
وتبدو لهجة المؤسسة العسكرية الإيرانية أكثر تشدداً من اللهجة الدبلوماسية.
ونقلت شبكة ” سي بي إس” عن متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني قوله إن الاستراتيجية الحالية تقوم على إبقاء السيطرة على المضيق حتى تقبل الولايات المتحدة جميع الشروط الإيرانية.
ووصف المسؤول الإيراني هرمز بأنه أصبح بالنسبة إلى طهران «مسرح حرب»، وليس مجرد ممر مائي.
ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين الحديث عن قرب التوصل إلى ترتيبات ملاحية وبين إمكانية استعادة الحركة الطبيعية في المضيق قريباً.
هجوم جديد على ناقلة إماراتية
وفي تطور يزيد المفاوضات تعقيداً، أعلنت الإمارات تعرض سفينة تابعة لشركة أدنوك لهجوم أثناء عبورها المضيق، متهمة إيران بإطلاق صاروخ على السفينة.
وقالت الشركة إن الهجوم لم يسفر عن إصابات، لكنها أكدت أن أكثر من 12 سفينة تابعة لها تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير.
وبحسب الشركة، قُتل أحد أفراد الطواقم وأصيب 20 آخرون في مجمل تلك الهجمات.
كما أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة قرب خصب في عُمان أصيبت بمقذوف أدى إلى اندلاع حريق تمت السيطرة عليه، من دون إصابة الطاقم، ولم يتضح ما إذا كان الحادث هو نفسه الذي أعلنت عنه أبوظبي.
واشنطن تبحث عن ممر آمن
في المقابل، قال جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي إن واشنطن تركز حالياً على إيجاد آلية تسمح للسفن بالمرور الآمن عبر المضيق.
وأوضح أن أي خطة تحتاج إلى إزالة الألغام وضمانات من إيران بعدم إطلاق النار على السفن العابرة.
وفي الداخل الأميركي، بدأت تظهر دعوات إلى توضيح استراتيجية واشنطن بشأن الحرب.
وقال السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي إن الرئيس دونالد ترامب بحاجة إلى شرح «الطريق إلى الأمام» للرأي العام الأميركي بصورة أوضح.
وبحسب كاسيدي، تقوم الاستراتيجية التي عرضها فانس على أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ على مواصلة الضغط الاقتصادي والعسكري على إيران، بما في ذلك الحصار، إلى أن تصبح تكلفة الحرب مرتفعة بدرجة تدفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى تقليل تأثير إغلاق هرمز على الغرب من خلال إيجاد طرق بديلة لتدفق النفط.

مخزونات السلاح الأميركي تحت الضغط
لكن التطور الأكثر دلالة في تقريرسي إن إن يتعلق بالوضع داخل المؤسسة العسكرية الأميركية نفسها.
فقد طلبت وزارة الحرب الأميركية من شركات الصناعات الدفاعية تسريع إنتاج الأسلحة والذخائر، وسط مخاوف متزايدة من انخفاض المخزونات نتيجة استمرار الحرب مع إيران.
وأظهرت مذكرة صادرة عن ستيف فاينبرغ نائب وزير الدفاع أن الشركات مُنحت مهلة لا تتجاوز 21 يوماً لتقديم خطط تتيح تسريع عمليات التسليم وزيادة إنتاج القدرات العسكرية الحيوية.
وأكد البنتاغون صحة المذكرة، قائلاً إن الهدف هو إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية وزيادة قدرتها على إنتاج الأسلحة بالسرعة التي تتطلبها التهديدات الحالية.
وتأتي هذه الخطوة بعد تقارير أميركية تحدثت خلال الأيام الماضية عن تراجع مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية والذخائر المتطورة، وهو ما يمكن أن يقلص هامش المناورة العسكري الأميركي إذا طال أمد الحرب.
Iran’s Mehr News Agency releases footage of Supreme Leader Mojtaba Khamenei, reportedly for the first time. pic.twitter.com/NWgYOyJTrw
— Iran Defence Force (@FenrirWulf_x) August 8, 2026
خامنئي يظهر في تسجيل غير مؤرخ
وفي تطور سياسي داخل إيران، بث التلفزيون الرسمي الإيراني تسجيلاً غير مؤرخ قال إنه يظهر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
لكن شبكة ” سي بي أس”قالت إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من توقيت التسجيل.
وإذا كان التسجيل حديثاً، فسيكون أول ظهور معلن له منذ إصابته بجروح خطيرة خلال الضربات الأميركية التي قُتل فيها والده.
كما ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الرئيس مسعود بزشكيان التقى خامنئي وبحث معه «الحرب والمستقبل»، من دون تقديم دليل مستقل على حصول اللقاء.
بزشكيان يدفع نحو الاتفاق
وعلى خلاف بعض الأصوات الأكثر تشدداً داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، أبدى الرئيس مسعود بزشكيان رغبة أوضح في التوصل إلى تسوية.
ونقلت وسائل إعلام إيرانية عنه قوله إن الظروف الحالية قد تكون أفضل وقت للتوصل إلى اتفاق، معتبراً أن إيران خرجت من الحرب أكثر تماسكاً وقوة.
لكن قدرة بزشكيان على دفع المفاوضات تبدو مرتبطة بموازين القوى داخل طهران، ولا سيما أن شخصيات قريبة من الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي باتت تلعب دوراً بارزاً في تحديد شروط أي تسوية.
مساران متوازيان
تبدو أزمة هرمز الآن أمام مسارين متوازيين لكن غير متطابقين: تقدم نسبي في المفاوضات الفنية بين إيران وعُمان حول كيفية إدارة حركة السفن، مقابل تصلب سياسي واضح في شروط طهران أمام واشنطن.
وهذا يعني أن التوصل إلى اتفاق عُماني-إيراني قد يحسن سلامة الملاحة أو يحدد مسارات جديدة للعبور، لكنه لا يضمن وحده فتح المضيق بالكامل.
وفي المقابل، تراهن واشنطن على أن استمرار الحصار والضغط الاقتصادي والعمليات العسكرية الانتقائية سيدفع إيران في النهاية إلى تخفيف مطالبها والعودة إلى المفاوضات.
غير أن طول أمد الحرب بدأ يخلق مشكلة أخرى للولايات المتحدة نفسها: استنزاف مخزونات الأسلحة والذخائر، بالتزامن مع توسع نشاط الحوثيين من البحر الأحمر إلى أهداف داخل السعودية.
وهكذا لم تعد المفاوضات تدور فقط حول من يدير حركة السفن في هرمز، بل حول صفقة سياسية وأمنية أوسع قد تحدد شكل نهاية الحرب نفسها.








