بعد أشهر من المواجهة العسكرية التي هزّت أسواق الطاقة العالمية ودفعت المنطقة إلى حافة حرب واسعة، تتزايد المؤشرات على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من تفاهم مؤقت لإعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة النفط في العالم.
وبينما تتحدث واشنطن عن “تقدم ملموس” في المفاوضات، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب التلويح بين العصا والجزرة؛ فهو يمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة، لكنه يهدد في الوقت نفسه بضربات عسكرية واسعة إذا انهارت المحادثات. وفي الخلفية، لا تزال المخاوف قائمة من هشاشة أي اتفاق، ومن تداعيات استنزاف الترسانة الأميركية وتواصل الهجمات على الملاحة في المنطقة.
واشنطن تتحدث عن اتفاق وشيك
كشف موقع أكسيوس الأميركي، نقلاً عن مسؤول أميركي ومصدرين إقليميين، أن الولايات المتحدة وإيران وسلطنة عُمان باتت قريبة من التوصل إلى اتفاق مؤقت لإعادة فتح مضيق هرمز، مع سعي إدارة ترامب للإعلان عنه الأربعاء إذا اكتملت الموافقات النهائية.
وبحسب التقرير، فإن الهدف الأساسي من الاتفاق هو:
إعادة تثبيت وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.
استئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
إعادة فتح أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.
وأشار التقرير إلى أن ترامب قرر السبت الماضي تعليق خطة كانت تقضي بشن حملة قصف واسعة ضد إيران، مفضلاً منح المسار الدبلوماسي مزيداً من الوقت، لكنه ما زال يحتفظ بالخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات.
كيف سيعمل الاتفاق المقترح؟
وفق المصادر التي تحدثت لأكسيوس، فإن الاتفاق يقوم على ترتيبات مؤقتة لمدة 60 يوماً قابلة للتمديد، وتشمل:
مرور السفن الداخلة إلى الخليج عبر الممر الشمالي القريب من السواحل الإيرانية.
خروج السفن عبر الممر الجنوبي القريب من المياه العُمانية، بالتنسيق مع طهران.
عدم فرض أي رسوم عبور خلال الفترة الانتقالية.
إزالة الألغام البحرية من الممر الأوسط خلال شهر.
التفاوض لاحقاً على اتفاق دائم ينظم الملاحة في المضيق.
ويمثل هذا الترتيب تنازلاً مهماً لجهة منح إيران دوراً أكبر في إدارة حركة الملاحة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
قطر والسعودية وباكستان دخلت على خط الوساطة
أكد التقرير أن الوساطة لم تقتصر على سلطنة عُمان، بل شاركت فيها أيضاً قطر والسعودية وباكستان، فيما أجرت واشنطن اتصالات مباشرة عبر المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي.
وأضافت المصادر أن القيادة الإيرانية أنهت الثلاثاء إجراءات الموافقة الداخلية على الاتفاق، بعد الحصول على موافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي والجهات الأمنية العليا.

ترامب: هرمز سيفتح قريباً… وإلا ستكون هناك ضربات
في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، كرر ترامب تهديداته لإيران قائلاً إن مضيق هرمز “سيفتح قريباً”، وإلا فإن الولايات المتحدة ستوجه لإيران ضربات قوية.
وقال ترامب إن بلاده تفضل الحل السياسي، لكنه شدد على أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً إذا تراجعت طهران عن التفاهمات.
من جانبه، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن المفاوضات حققت “تقدماً”، لكنه أوضح أن الاتفاق النهائي لم يُنجز بعد.
خلاف حول تفاصيل إدارة الملاحة
ورغم التفاؤل الأميركي، كشفت مصادر إيرانية لشبكة سي بي إس الأميركية أن النقاشات تتركز حالياً على التفاصيل التنفيذية لإعادة فتح المضيق.
وتتضمن الصيغة المطروحة:
إشراف إيران على حركة السفن الداخلة.
إشراف سلطنة عُمان على السفن المغادرة.
تقاسم رسوم الخدمات البحرية بين البلدين.
في المقابل، أعلن الجيش الأميركي أن قواته ساعدت أكثر من ألف سفينة على العبور الآمن خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مؤكداً أن المسار الجنوبي للمضيق لا يزال مفتوحاً أمام الملاحة التجارية.

واشنطن تواجه معضلة استنزاف الذخائر
وفي تطور لافت، كشفت سي بي أس نيوز وشبكة سي إن إن الأميركية أن الحرب الطويلة مع إيران استنزفت جانباً كبيراً من المخزون الأميركي من الذخائر بعيدة المدى.
وبحسب المصادر:
استُهلكت تقريباً جميع صواريخ أتاكمز بعيدة المدى.
استخدمت الولايات المتحدة معظم مخزون الصواريخ عالية الدقة.
جرى استهلاك نحو 80% من صواريخ منظومة ثاد الدفاعية.
واستُنفد نحو نصف مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية.
ورغم ذلك، نفت وزارة الدفاع الأميركية وجود أزمة في المخزون، مؤكدة أن الجيش “يمتلك كل ما يحتاج إليه لتنفيذ أوامر الرئيس”.
لكن تقارير إعلامية أشارت إلى أن عدداً من قادة الجيش أبلغوا البنتاغون بأن مستويات الذخائر أصبحت “منخفضة بشكل مقلق”، وهو ما قد يؤثر في أي تصعيد عسكري جديد.
النفط يتراجع مع ارتفاع آمال التسوية
انعكس التفاؤل السياسي سريعاً على الأسواق.
فبحسب رويترز: هبط خام برنت بأكثر من 5% ليغلق عند 79.36 دولاراً للبرميل، وهو أدنى مستوى في نحو ثلاثة أسابيع، وانخفض الخام الأميركي إلى 75.77 دولاراً.
ويرى محللون أن الأسواق بدأت تخفض ما يسمى بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” مع تزايد احتمالات التوصل إلى اتفاق، إلا أنهم يحذرون من أن أي انهيار للمفاوضات قد يعيد أسعار النفط إلى الارتفاع سريعاً.
كما توقعت غولدمان ساكس بقاء خام برنت بين 80 و90 دولاراً حتى تتضح الصورة النهائية، سواء عبر اتفاق دائم أو تصعيد عسكري جديد.
الهجمات البحرية مستمرة رغم أجواء التفاوض
ورغم التقدم السياسي، لا تزال المخاطر الأمنية مرتفعة.
فقد أعلنت الهند تعرض سفينة ترفع علمها لهجوم قرب السواحل اليمنية، أدى إلى غرقها، بينما جرى إنقاذ جميع أفراد طاقمها.
وتشير هذه الحادثة إلى أن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ما تزال عرضة للهجمات، حتى مع اقتراب اتفاق بشأن مضيق هرمز، ما يعكس استمرار هشاشة الوضع الأمني في الممرات البحرية الحيوية.
ماذا يعني الاتفاق إذا تم؟
إذا أُعلن الاتفاق بالفعل، فسيكون أول تفاهم عملي بين واشنطن وطهران منذ اندلاع الحرب، وقد يشكل خطوة تمهيدية نحو استئناف المفاوضات النووية وتهدئة التوتر في الخليج.
لكن التجارب السابقة تدفع إلى الحذر؛ إذ تشير تقارير أميركية إلى أن اتفاقاً مشابهاً كان قاب قوسين من الاكتمال قبل ثلاثة أسابيع، قبل أن تنهار التفاهمات وتعود الهجمات على السفن، ما أدى إلى موجة جديدة من التصعيد العسكري.
وبالتالي، فإن نجاح الاتفاق لن يتوقف على توقيعه فقط، بل على قدرة الطرفين على الالتزام ببنوده ومنع أي حادث ميداني من إعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة.








