أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
مكان

الحبيبة في الصف ومدني صالح على المنصة.. يوم انكشف سرّ الشاعر

الحبيبة في الصف ومدني صالح على المنصة.. يوم انكشف سرّ الشاعر
ابن القرية نفسه على المنصة؛ بينه وبين الدرجة قصيدة، وبينه وبين الفتاة التي يحبها أبيات قد تفضح كل شيء

الحلقة الثانية من «مكان | ذاكرة محمد التركي»

في عام 1982، كان محمد التركي طالبًا في المرحلة الثانية بكلية الآداب بالجامعة المستنصرية، يحمل إلى بغداد شيئًا من قريته وبيوتها الطينية، وشيئًا من خجله وعزلته. كان كثير الغياب، يهرب من المرايا ومن عيون الآخرين، قبل أن تضعه محاضرة للفيلسوف العراقي الراحل مدني صالح أمام القاعة كلها. هناك، لم يعد أمامه سوى أن يفتح أوراقه ويقرأ قصيدة كانت الفتاة التي ألهمتها تجلس أمامه.

كان محمد التركي يمشي في أروقة الجامعة المستنصرية، لكن القرية كانت تمشي معه؛ بيوتها الطينية الصفراء، جدرانها اليابسة، غبار طرقاتها، وذاكرة مكان نشأ فيه بين وجوه الرجال، فيما بدت النساء في عالمه الريفي البعيد غائبات «مثل المطر».

جاء إلى بغداد مثقلًا بذلك الصمت، وفي الجامعة لم يكن من أولئك الطلبة الذين يبحثون عن الضوء، على العكس، كان يحاول الإفلات منه. كثرت غياباته عن المحاضرات، وازداد ميله إلى العزلة بعدما ترك حب الشباب أخاديده في وجهه. كان يخجل من صورته إلى حد أنه -كما يتذكر- صار يهرب من المرايا، وإذا صادفته واحدة شعر برغبة في تحطيمها، كأنه يريد أن يمحو الوجه الذي تعيده إليه.

لكن صباحًا باردًا في كلية الآداب سيجبره على مواجهة مرآة من نوع آخر: قاعة كاملة من العيون.

«أنت.. شنو قصتك بالغيابات؟»

دخل التركي محاضرة الفلسفة وجلس بين زملائه. كان المحاضر الدكتور مدني صالح؛ المفكر والفيلسوف العراقي المعروف، بهيبته وحضوره وطريقته التي تجعل القاعة تترقب كلماته.

أخرج مدني صالح من كيسه الورقي قائمة الغيابات، وراح ينادي الأسماء واحدًا تلو آخر.. حتى وصل إلى اسم محمد التركي.

توقف، ونظر إليه:

— أنت.. شنو قصتك بالغيابات؟

صمت التركي. لم يجد جوابًا يقوله، وكأن الكلمات التي سيكتب بها عشرات الأبيات عادت فجأة إلى بيوت الطين البعيدة.

لكن زميله حامد قرر التدخل لتخفيف الموقف:

— دكتور، هذا شاعر.. ومشاغله كثيرة!

نظر مدني صالح إلى الطالب بدهشة:

— شاعر؟

ثم أشار إليه أن يقترب من منصة الأساتذة. نهض التركي من مكانه مترددًا، فيما راحت عيون القاعة تلاحقه، لكن بين كل تلك العيون، كانت هناك عينان يخشى الوصول إليهما؛ ملهمته كانت تجلس أمامه. لم تكن تعرف، ربما، أن جزءًا من ذلك الشعر الذي يخفيه في أوراقه كان يقود إليها.

قال مدني صالح:

— إذا كنت شاعرًا، فاقرأ لي من شعرك.. وإن أعجبني فلك درجة خاصة.

حاول التركي التمنع؛ فالوقوف أمام القاعة ثقيل بما يكفي، فكيف إذا كانت القصيدة تكشف شيئًا مما ظل يخفيه؟ لكن الطلبة وجدوا في الموقف فرصة لا تُفوّت، وتعالت الأصوات:

— لا دكتور.. دعه يقرأ!

وهكذا وجد ابن القرية نفسه على المنصة؛ بينه وبين الدرجة قصيدة، وبينه وبين الفتاة التي يحبها أبيات قد تفضح كل شيء.

أخرج الورقة وبدأ:

يا عازفَ اللحنِ ما غنّت رباباتي

لتعزفَ الأنّةُ الخرساءُ آهاتي

يا عازفَ اللحنِ أيُّ اللحن يطربني

موّالَ حزنٍ فتشدو فيك ناياتي

فما استلذَّ على قيثارتي نغمٌ

ولا يغرّد طيرٌ من حماماتي
خطاي مشلولةٌ أمشي مكابرةً

 أرفُّ كالطير مكسورًا جناحاتي

شيئًا فشيئًا، أخذت القرية تدخل معه إلى القاعة؛ البيت الطيني، الرمل، القحط، الطرق البعيدة، و«دعابل الطين» التي حملها معه إلى بغداد:

أفرُّ من بيتنا الطيني مختنقًا

حتى لأفتحَ من جلدي المساماتِ

تلتفُّ حولي بيوتُ الطين قاحلةً

ويستكثرُ القحطُ في بيدِ المساراتِ

سأعجنُ الطينَ أشكالًا أقدمها

دعابلُ الطين من أغلى هدياتي

أتيكِ من قريتي غيرَ الرمال بها

العابثاتِ شعورًا من حكاياتي

أتيكِ من موسمي المجروح من زمني

وحاضري سنبلٌ في منجل الذاتِ

لكن القصيدة لم تبقَ طويلًا في القرية؛ إذ بدأت تقترب من الفتاة الجالسة أمامه. ومن هنا، صار الإلقاء أكثر من محاولة للحصول على درجة، بل صار اعترافًا علنيًا بشيء ظل صاحبه يخفيه:

ضمانُ قلبي ومنها ما ارتوى عطشي

أمشي وراء سرابٍ في حماقاتي

مالي أراكِ عن الآداب راحلةً

وقد صددتِ بوجهٍ عن ملاقاتي

وقفتُ منذهلًا والعين تنشدهم

يستنطقون عيوني من حكاياتي

دخلتُ في صفك المسدود أسأله

لمّا تسائلني فيك احتمالاتي

جمعتُ في عيني الدنيا لأبصركم

صار العمى في عيوني من مجافاتي

ساروا ولا ضرب الأجراس حاديهم

سأتبع الركب لو طالت مسافاتي

أتعبتِ دربي، وصار الدرب لي وعرًا

كيف الوصول وملَّ الخيل صولاتي

أمشي أراقب طول الدرب في نظري

حتى وجدت ضياعًا في متاهاتي

أتوه، لم ألقَ إلا في السراب لظىً

حتى استظللتُ في أشواك غاباتي

كل الدروب فقد ضاعت ملامحها

وأسقط الهجر شمسي من سماواتي

وقد حسبتكِ شمسًا لا غروب لها

واليوم ترمين ليلي في صباحاتي

حتى وما ظل في دنياي من فرحٍ

ماتت على شفتي كل ابتساماتي

أمشي على جرحي الدامي مكابرةً

زرعتِ خنجرك المسموم في ذاتي

أسقيتكِ الشهد من قلبٍ سُقيتِ به

جرّعتِني حنظلًا تملين كاساتي

أنا الذبيح الذي ما جفَّ سيل دمي

وأنتِ راقصةٌ فوق الجراحاتِ

ولو ضربتِ سياطًا تهتري جسدي

فما ألذَّ عذاب السوط مولاتي

يا أنتِ، يا أول الدنيا وآخرها

عيونُ ذاتي وعافت ذاتها ذاتي

أُلام فيك وأذني غير سامعةٍ

قل للعواذل مهلًا في شماتاتي

أصبحتُ لا أشتهي إلا بوجهكِ لي

حتى أراه على وجهي بمرآتي

أخفي بمسبحة الأيام بسملتي

وفيك أدعو ولا تجدي عباداتي

فلا أريد بعيدًا عن لقائكمُ

ولا أفارق عينيك الجميلاتِ

 

انتهت القصيدة.

والشاب الذي كان قبل قليل يحاول تفسير غياباته، وجد نفسه وقد كشف أمام أستاذه وزملائه والفتاة الجالسة بينهم عالمًا كاملًا ظل يخفيه: القرية والطين والخجل والحب والمرآة.

هزّ مدني صالح رأسه إعجابًا، ثم ابتسم وقال:

— لك درجة خاصة… لكن لا تظنها صدقة فلسفية. نريد قصيدة أخرى في المحاضرة القادمة!

تهللت وجوه الطلبة، ولم يكن ذلك حبًا بالشعر وحده؛ كان العراق يعيش سنوات الحرب مع إيران، وكان شبح الخدمة العسكرية بعد التخرج حاضرًا في حياة طلاب الجامعة. ويتذكر التركي أن بعض الطلبة كانوا ينظرون حتى إلى التعثر في الدراسة باعتباره فرصة لتأخير اللحظة التي يخشونها وهي التخرج والالتحاق بالخدمة العسكرية والذهاب إلى جبهات الحرب ، فيما كانت القصيدة، في تلك المحاضرة على الأقل، قد انتزعت دقائق من زمن الفلسفة الصارم.

أما محمد التركي، فلم يكن يفكر في ذلك كله وهو يغادر القاعة؛ كان يخرج بين نشوة خجولة ودهشة ريفية.

قبل المحاضرة، كان طالبًا كثير الغياب يهرب من المرايا حتى لا يرى وجهه.

وبعدها، صار الطالب الذي وقف أمام مدني صالح، وقرأ شعره أمام زملائه، وكشف من دون أن يقصد بعضًا مما ظل مختبئًا داخله.

خرج وهو يسأل نفسه:

أأنا حقًا شاعرٌ يستدرج الدرجات، أم طالبٌ وجد في القصيدة مظلةً يختبئ تحتها من حرّ الغياب وكشف ما عنده مستخفيًا؟

وربما لم يكن بحاجة إلى إجابة؛ فالشاب الذي كان يخشى صورته في المرآة، وقف في ذلك الصباح أمام قاعة كاملة، وسمح للجميع بأن يروه.

محمد التركي

كلية الآداب – الجامعة المستنصرية

1983

الحلقة الثانية من «مكان | ذاكرة محمد التركي»

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 1 day أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.