أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
ثقافة وفن

كان يظن أنه يعرف حياته.. حتى انكشف السرّ

كان يظن أنه يعرف حياته.. حتى انكشف السرّ
رواية عن الحب والصمت والأسرار، وعن تلك الكلمات التي نؤجل قولها حتى يصبح الصمت نفسه جزءاً من حياتنا ( ترافل كوكتيل)

من الخارج، لا يبدو أن في حياة آرتي دام ما يستحق التوقف طويلاً. رجل يعيش حياة هادئة، يذهب كل صباح إلى المدرسة ليعلّم طلابه التاريخ، يعود إلى زوجته التي أمضى معها ثلاثة عقود، يحب ابنه بصمت، وحين تسمح له الأيام يأخذ قاربه ويبحر في خليج ماساتشوستس.

حياة عادية، أو هكذا تبدو.

لكن ماذا لو كانت أكثر الأشياء أهمية في حياة الإنسان هي تلك التي لا يراها الآخرون؟ ماذا لو عاش المرء سنوات طويلة إلى جانب أشخاص يحبهم، بينما تظل بينه وبينهم كلمات لم تُقل، وأسئلة لم تُطرح، وأسرار تنتظر اللحظة التي تظهر فيها لتغيّر معنى الماضي كله؟

من هذه المساحة الإنسانية تدخل الروائية الأميركية إليزابيث ستراوت إلى عالم بطل روايتها «أشياء لا نقولها أبداً» (The Things We Never Say).

في قراءة للرواية نشرها موقع ترافل كوكتيل، تصف الكاتبة بات هندلي آرتي بأنه واحد من تلك الشخصيات التي تبقى مع القارئ حتى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة.

الرجل الذي يحبه الجميع

يعمل آرتي مدرساً للتاريخ في مدرسة ثانوية. طلابه يحبونه إلى درجة أنهم منحوه لقباً طريفاً هو «دام دام». لكنه لا يكتفي بأن يخبرهم بما جرى في الماضي؛ ففي ثنايا دروسه يترك لهم شيئاً من خبرته في الحياة، وكلمات ومواقف صغيرة قد يحملونها معهم عندما يكبرون.

وخارج المدرسة تبدو حياته مستقرة أيضاً.

مضى على زواجه من إيفي 30 عاماً، وعلاقته بزملائه وجيرانه جيدة. لديه ابن بالغ يدعى روب، يحبه بعمق من دون كثير من الكلام، وقارب يخرج به إلى خليج ماساتشوستس، بعيداً قليلاً عن ضجيج اليابسة.

كل شيء يبدو في مكانه.

لكن آرتي نفسه لا يشعر بأنه في مكانه تماماً.

وحدة لا يراها أحد

خلف صورة المدرس المحبوب والزوج والأب، يعيش رجل يشعر بالوحدة والحزن والعزلة.

وثمة سؤال يلاحقه: لماذا لا يقول الناس ما يهم حقاً؟

كم مرة نجلس إلى جانب شخص نحبه ولا نقول له ما نشعر به؟ وكم حقيقة نؤجل مواجهتها لأن الصمت يبدو أسهل؟ وكم عائلة تبدو متماسكة من الخارج بينما تحمل داخلها حكايات لم تُروَ؟

إنها «الأشياء التي لا نقولها»؛ تلك المنطقة التي تجعل ستراوت، كما تقدمها المراجعة، تقترب من التفاصيل الصغيرة للحياة أكثر من الأحداث الكبيرة.

حتى اضطراب العالم الخارجي يتسلل إلى آرتي. تدور الرواية في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2024، وتظهر السياسة في الخلفية بوصفها جزءاً من القلق الذي يشعر به تجاه العالم المحيط به، فيما يزداد إحساسه بأن أشياء كثيرة لم تعد كما كانت.

لكن التحول الحقيقي لا يأتي من السياسة.

إنه يأتي من الماضي.

سر ظل ينتظر لعقود

فجأة، يعرف آرتي شيئاً لم يكن يعرفه.

سرّاً ظل مخفياً عنه عشرات السنين.

لا تكشف المراجعة طبيعته، وربما من الأفضل ألا تفعل. فالمهم ليس السر وحده، بل ما يفعله بالإنسان عندما يكتشف أن جزءاً من حياته كان مبنياً على معرفة ناقصة.

تبدأ الذكريات بالعودة.

مشاهد قديمة، كلمات، مواقف وأشخاص عرفهم من قبل. الأحداث نفسها لم تتغير، لكن معناها تغير.

فالحقيقة الجديدة تجعل آرتي يعيد النظر في الماضي بعين أخرى، وكأن حياته التي عاشها مرة أصبحت بحاجة إلى أن تُعاش ثانية في ذاكرته.

وهنا تقترب الرواية من تجربة إنسانية مألوفة: قد نعتقد أن الماضي انتهى لأنه حدث منذ سنوات، ثم تكفي معلومة واحدة كي يعود حياً، ويطالبنا بإعادة فهمه.

عندما تتسع الشقوق

ومع عودة الماضي، تبدأ الشقوق في حياة آرتي العائلية بالاتساع.

الرجل الذي أمضى سنوات وهو يعلّم الآخرين التاريخ يجد نفسه فجأة أمام تاريخه الشخصي.

والسؤال لم يعد فقط: ماذا حدث؟

بل: ماذا أفعل الآن بعدما عرفت؟

هل تستطيع حقيقة متأخرة أن تحرر الإنسان، أم أنها قد تهدم الطمأنينة التي بناها طوال حياته؟ وهل ينبغي قول كل شيء، مهما تأخر، أم أن بعض الصمت يصبح مع مرور السنوات جزءاً من الحياة نفسها؟

ما يبقى بعد الصفحة الأخيرة

إليزابيث ستراوت ليست غريبة عن هذا النوع من الشخصيات التي تبدو بسيطة قبل أن تكشف عن عوالم كاملة في داخلها. وقد فازت سابقاً بجائزة بوليتزر عن روايتها «أوليف كيتريدج» (Olive Kitteridge)، فيما وصلت أعمال أخرى لها إلى قوائم جائزة بوكر.

وبحسب المراجعة، أُدرجت «أشياء لا نقولها أبداً» في القائمة الطويلة لجائزة بوكر لعام 2026.

لكن صاحبة المراجعة لا تقيس الرواية بالجائزة. بالنسبة إليها، هي رواية أثرت فيها بعمق إلى الحد الذي جعلها ترغب في العودة إليها وقراءتها مرة أخرى.

وربما تكمن قوة الحكاية في بساطتها الظاهرة.

فآرتي ليس بطلاً استثنائياً. إنه مدرس وزوج وأب ورجل يتقدم في العمر ويحاول أن يفهم حياته. لكنه يحمل، مثل كثيرين، عالماً كاملاً من الكلمات التي لم يقلها والأسئلة التي تأخر في طرحها.

وفي النهاية، قد لا تكون الرواية عن سر واحد ظل مخفياً لعقود بقدر ما هي عن الأسرار الصغيرة التي نصنعها نحن بالصمت.

عن الجمل التي نؤجلها.

عن الحب الذي نفترض أن الآخرين يعرفونه من دون أن نقوله.

وعن الماضي الذي نظن أننا انتهينا منه، قبل أن يعود في لحظة واحدة ليطلب منا أن نقرأ حياتنا كلها من جديد.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 1 day أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.