تناول موقع ” ذا هيل” الأميركي السيناريو المتوقع للحرب العالمية المقبلة، وقال إنها لم تعد تحتاج بالضرورة إلى صواريخ عابرة للقارات أو رؤوس نووية. فقد تبدأ الحرب المقبلة بإطفاء الأنوار، وقطع المياه، وتعطيل الحسابات المصرفية، وشل المطارات والقطارات، بينما تتولى صور ومقاطع مزيفة بالذكاء الاصطناعي نشر الفوضى والخوف بين السكان.
هذه هي الفكرة التي يناقشها الكاتب الأميركي دوغلاس ماكينون، المسؤول السابق في البيت الأبيض ووزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، في مقال رأي نشره موقع ذا هيل تحت عنوان: «هل الولايات المتحدة بالفعل في الحرب العالمية الرابعة.. وتخسرها؟». والمقال يعكس رؤية الكاتب وتحذيراته الشخصية، وليس موقفاً تحريرياً للموقع أو تقييماً رسمياً أميركياً.
من «الحرب العالمية الثالثة» إلى حرب لوحة المفاتيح
ينطلق الكاتب من المقولة الشهيرة المنسوبة إلى ألبرت أينشتاين: إنه لا يعرف بأي أسلحة ستخاض الحرب العالمية الثالثة، لكنه يتوقع أن تُخاض الرابعة «بالعصي والحجارة».
لكن ماكينون يقلب الفكرة رأساً على عقب ويسأل: ماذا لو جاءت «الحرب العالمية الرابعة» قبل الدمار النووي الذي تخيله أينشتاين، وكانت حرباً تعتمد أساساً على التكنولوجيا والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي؟
في هذا النوع من الصراع، لا يحتاج الخصم إلى تدمير المدن أو القواعد العسكرية والبنية التحتية، بل يمكنه محاولة السيطرة على مفاصل الدولة وتعطيلها مع إبقاء أصولها المادية قائمة.
ماذا لو قررت الصين مهاجمة أميركا من دون قنابل؟
يستخدم الكاتب الصين مثالاً افتراضياً لبناء سيناريو شديد التشاؤم.
يتخيل اجتماعاً عسكرياً في بكين يُعرض فيه على الرئيس الصيني شي جين بينغ تصور لهجوم مفاجئ على الولايات المتحدة، لكن قائمة الأسلحة لا تتضمن صواريخ أو قنابل نووية.
بدلاً من ذلك، تبدأ العملية بهجمات إلكترونية متزامنة تستهدف أكثر القطاعات حساسية.
في السيناريو الذي يرسمه ماكينون، يتم تعطيل شبكات الكهرباء والمياه، ثم اختراق النظام المالي لإثارة الذعر، بحيث يفتح الأميركيون حساباتهم المصرفية أو الاستثمارية ليجدوا أرصدتهم اختفت أو أصبحت صفراً.
بعد ذلك يأتي الدور على أنظمة النقل: السيارات ذاتية القيادة، والقطارات، وأنظمة المرور والمطارات ومراقبة الحركة الجوية، وصولاً إلى شبكات السكك الحديدية والشحن التي تعتمد عليها سلاسل الإمداد الأميركية.
ثم تُستهدف الأقمار الاصطناعية الأميركية في المدارات المنخفضة والجغرافية الثابتة، بما يفاقم حالة الشلل.
سلاح آخر: اجعل الناس لا يعرفون ما هو حقيقي
لكن تعطيل البنية التحتية ليس سوى نصف المعركة في رؤية الكاتب.
النصف الآخر هو الحرب النفسية باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ويتخيل نشر مقاطع «ديب فيك» شديدة الواقعية تظهر القادة الأميركيين وهم في حالة ذعر، أو يدعون إلى الاستسلام، أو يصدرون تصريحات لم يقولوها أصلاً.
والهدف هنا ليس فقط نشر أخبار كاذبة، وإنما تحطيم الثقة: فإذا لم يعد المواطن يعرف ما إذا كان الرئيس الذي يشاهده على الشاشة حقيقياً، أو ما إذا كان التحذير الذي تلقاه صادراً بالفعل عن الحكومة، تصبح إدارة الأزمة نفسها أكثر صعوبة.

ثم تأتي ملايين المسيّرات
بعد إضعاف الدولة إلكترونياً ونفسياً، ينتقل السيناريو الافتراضي إلى القوة العسكرية التقليدية.
يتصور ماكينون نشر ملايين الطائرات المسيّرة التي جرى وضعها مسبقاً في البحر أو على اليابسة داخل الولايات المتحدة أو بالقرب منها، لتستخدم ضد ما تبقى من قدرات المقاومة العسكرية.
وبذلك تصبح الحرب، وفق تصوره، سلسلة مترابطة: هجوم إلكتروني، فوضى مالية، شلل في البنية التحتية، تضليل بالذكاء الاصطناعي، ثم استخدام القوة العسكرية.
هل هو خيال علمي؟
ماكينون يقول إن الفكرة ليست خيالاً بالكامل، ويستشهد بهجمات إلكترونية حديثة استهدفت أنظمة المياه الأميركية.
ويشير إلى تقارير عن استهداف أنظمة مياه في عدد من الولايات، وإلى تحذيرات اتحادية من هجمات إلكترونية على البنية التحتية للمياه والصرف الصحي أدت، بحسب التحذيرات التي يستند إليها، إلى اضطرابات تشغيلية في بعض المواقع.
لكن هناك فارقاً مهماً ينبغي الانتباه إليه: وجود هجمات إلكترونية حقيقية على منشآت أميركية لا يثبت أن سيناريو «الحرب العالمية الرابعة» الذي يرسمه الكاتب قائم بالفعل. المقال يستخدم تلك الحوادث لإظهار الإمكانات والمخاطر التي يمكن أن يستغلها خصم مستقبلاً.
مفارقة التقدم التكنولوجي
الفكرة الأعمق في المقال هي أن التكنولوجيا التي تمنح الدول مزيداً من القوة والكفاءة قد تجعلها، في الوقت نفسه، أكثر عرضة للهجوم.
كلما أصبحت الكهرباء والمياه والنقل والأموال والقوات المسلحة أكثر اعتماداً على البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية، ازدادت النقاط التي يمكن أن يحاول المهاجم اختراقها.
ويضع الكاتب ضمن هذه الدائرة السيارات ذاتية القيادة، والعملات الرقمية، والمرافق التي يتحكم بها الذكاء الاصطناعي، والجيش الذي يعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الآلية.
ويرى أن الولايات المتحدة تسابق الزمن لتطوير التكنولوجيا وإدخالها إلى الأسواق، لكنها قد لا تمنح أمن هذه الأنظمة القدر نفسه من السرعة والاهتمام.
تحذير قديم من اختراق الأسلحة الأميركية
ويستعيد المقال تقريراً لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي صدر عام 2018، حذر من وجود نقاط ضعف إلكترونية في أنظمة أسلحة أميركية.
وبحسب التقرير الذي يستشهد به الكاتب، اكتُشفت ثغرات إلكترونية مرتبطة بمهام حساسة في معظم الأنظمة التي خضعت للاختبار خلال الفترة بين 2012 و2017.
ويرى ماكينون أن أهمية ذلك التحذير أصبحت أكبر مع مرور السنوات، لأن اعتماد الولايات المتحدة على التكنولوجيا لم يتراجع، بل ازداد بصورة كبيرة.
وهل يصبح الذكاء الاصطناعي نفسه الخطر؟
في نهاية المقال، ينتقل الكاتب من المخاطر الواقعية نسبياً إلى سيناريو أكثر افتراضية وتشاؤماً: ماذا لو لم يعد الخطر مجرد دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي ضد دولة أخرى، وإنما الذكاء الاصطناعي نفسه؟
ويتساءل عما قد يحدث إذا توصل نظام ذكاء اصطناعي متقدم بصورة مستقلة إلى أن البشر يشكلون عائقاً أمام تطوره.
ولا يقدم الكاتب دليلاً على أن هذا السيناريو وشيك، بل يطرحه ضمن سلسلة من المخاوف المستقبلية التي يريد من خلالها التحذير من الاعتماد المفرط على التكنولوجيا.
خلاصة المقال
رسالة ماكينون الأساسية ليست أن «الحرب العالمية الرابعة» بدأت فعلاً بالمعنى العسكري، رغم العنوان الاستفزازي للمقال، وإنما أن شكل الحرب الكبرى المقبلة قد يكون مختلفاً جذرياً عما اعتادت الدول الاستعداد له.
فالدولة المتقدمة تكنولوجياً قد تمتلك أحدث الطائرات والصواريخ، لكنها قد تواجه خطراً من نوع آخر إذا تمكن خصمها من قطع كهربائها ومياهها، وشل أموالها ومواصلاتها وأقمارها الاصطناعية، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لجعل مواطنيها عاجزين عن التمييز بين الحقيقة والتزييف.
ومن هنا يصل الكاتب إلى مفارقته الأخيرة: في عالم يعتمد بصورة شبه كاملة على التكنولوجيا المتقدمة، ربما تكون الأنظمة والمجتمعات التي ما زالت تحتفظ بوسائل أقل تعقيداً أكثر قدرة على الصمود عندما تتعطل الشبكات الحديثة.









