بين الصفقة والتصعيد.. لماذا استهدف ترامب أكبر جسر في إيران الآن؟

أبريل 3, 2026
83

ترامب يسعى للتفاوض تحت الأنقاض، لا تحت السقف الدبلوماسي التقليدي (منصة إكس- كانفا)

في الحروب الطويلة، لا يكون الهدف الأكثر أهمية هو ما يُدمَّر، بل ما الذي يريد الطرف المهاجم قوله من خلال التدمير.

قصف جسر بي 1 (B1) بين طهران وكرج في غرب إيران بدا، في ظاهره، ضربةً على ممر نقل حيوي؛ لكنه، في معناه الأوسع، كان إعلاناً عن مرحلة جديدة في حملة ترامب ضد إيران: مرحلة تنتقل فيها واشنطن من ضرب القدرات إلى ضرب الرموز، ومن استهداف المخازن والقواعد إلى استهداف ما يربط الدولة بنفسها.

إدارة ترامب تحاول دمج الحرب بالتفاوض في لحظة واحدة (وكالة تسنيم)
إدارة ترامب تحاول دمج الحرب بالتفاوض في لحظة واحدة (وكالة تسنيم)

الرسالة لم تكن عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً: إمّا صفقة الآن، أو توسيع الحرب إلى ما يجعل كلفة الصمود الداخلي أعلى من كلفة التنازل. لكن هذا النوع من الضغط، مهما بدا حاسماً في البيت الأبيض، يحمل مخاطرة موازية: أنه قد يدفع الخصم إلى التشدد لا إلى الانكسار، ويحوّل “الردع” إلى وصفة لتوسيع الحرب بدل إنهائها.

دمج الحرب بالتفاوض

أول ما تكشفه هذه الضربة هو أن إدارة ترامب تحاول دمج الحرب بالتفاوض في لحظة واحدة. في خطاب ترامب ومنشوراته، لا يظهر القصف كبديل عن الصفقة، بل كوسيلة لصناعتها: “أبرموا الاتفاق قبل فوات الأوان”. هذا يعني أن البيت الأبيض لا يتحدث بلغة الحسم العسكري الكامل بقدر ما يستخدم التصعيد لصناعة نافذة تفاوض بشروط أكثر قسوة. لكن المفارقة أن هذه المقاربة نفسها ترفع سقف الحرب في اللحظة التي تزعم فيها أنها تقرّب نهايتها.

ثانيًا، اختيار الجسر ليس تفصيلاً تقنياً. الرواية الأميركية، كما نقلها موقع أكسيوس وصحيفة وول ستريت جورنال، تقول إن الجسر استُخدم أو خُطط لاستخدامه في نقل صناديق وقطع صاروخية ومسيّرات إلى مواقع إطلاق غربي إيران، أي أنه هدف ذو وظيفة عسكرية لوجستية.

لكن حتى مع هذا التبرير، تظل الضربة شديدة الحساسية لأنها أصابت بنية تحتية عامة تربط العاصمة بضاحيتها الغربية، وهو ما جعل موقع أكسيوس يصفها بأنها أول استهداف أميركي كبير للبنية التحتية المدنية في هذه الحرب، وأنها قد تكون مقدمة لضربات تطال الطاقة والمياه والنقل. هنا تحديداً تتغير طبيعة الصراع: ليس فقط تعطيل قدرات إيران الهجومية، بل رفع كلفة الحياة اليومية والقدرة على إدارة الدولة.

صحيفة تايمز البريطاانية وضعت الضربة داخل مشهد أوسع: تهديد ترامب، تعقّد ملف هرمز، صعود أسعار النفط، والبحث الغربي عن آليات لإعادة فتح المضيق، أي أنه قرأ القصف بوصفه جزءاً من معركة إقليمية على الممرات والاقتصاد لا مجرد غارة تكتيكية.

موقع أكسيوس، بالمقابل، ركّز على الدلالة الأخطر: توسيع بنك الأهداف باتجاه منشآت مدنية يمكن أن تفتح الباب أمام ضرب الكهرباء والمياه والنقل.

أما صحيفة ديلي ميل فركّزت على الصورة الدرامية: “العصر الحجري”، مشاهد الانفجار، عدد القتلى والجرحى، والبعد الدعائي في تباهي ترامب بالضربة.

رابعًا، القصف يكشف أن ترامب يريد اختصار الزمن. فقد قال إن العمليات قد تُنجز أهدافها خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، فيما نقلت التغطيات أن “المزيد سيتبع”.

هذه اللغة تعني أن الإدارة تراهن على صدمة متسارعة: ضربات أقسى في وقت أقصر، على أمل أن تُقنع طهران بأن مسار الاستنزاف الداخلي أخطر من مسار التفاوض. لكن هذا الرهان يواجه مشكلة كلاسيكية: حين يهاجم طرفٌ بنيةً تحتية عامة، قد ينجح في إيصال رسالة قوة، لكنه يمنح خصمه أيضاً رواية تعبئة وطنية عن “استهداف المدنيين والدولة”، وهو ما بدأته طهران بالفعل في ردّها الدبلوماسي والإعلامي.

خامسًا، الضربة تحمل كلفة استراتيجية مزدوجة على واشنطن. فمن جهة، قد تحقق مكسباً عملياتياً محدوداً إذا عطّلت ممراً يستخدم في الإمداد العسكري. لكن من جهة أخرى، هي تمنح إيران ذريعة لتوسيع الرد، وقد بالفعل ربطت طهران بين الضربات على منشآتها والبنية التحتية في المنطقة، وسط تهديدات متصلة بالمضيق وهجمات انتقامية طالت أهدافاً في الخليج وإسرائيل، بينما قفزت أسعار النفط مع تنامي المخاوف من اتساع الصراع. هذا يعني أن الضربة، حتى لو بدت ناجحة عسكرياً، قد تكون مكلفة اقتصادياً وسياسياً إذا دفعت الأسواق والممرات البحرية إلى مزيد من التوتر.

سادسًا، أخطر ما في الحدث أنه يطمس الخط الفاصل بين “الهدف العسكري” و”الهدف المدني ذي الاستخدام المزدوج”. هذا الخط كان دائماً هشاً في الحروب الحديثة، لكن استهداف جسر بهذا الحجم قرب العاصمة، والاحتفاء العلني به من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يرسل إشارة بأن الإدارة لم تعد تتحرج من إشهار منطق العقاب البنيوي: إذا لم تتجاوب طهران سياسياً، فقد تُضرب أعصاب الدولة لا فقط أذرعها المسلحة. هذا بالضبط ما جعل التغطيات تتحدث عن احتمال انتقال الحرب إلى الكهرباء والمياه والنقل، وهي مرحلة تكون فيها الرسالة السياسية أكبر من القيمة العسكرية المباشرة للهدف.

إعادة تعريف كلفة الرفض الإيراني

قصف الجسر يقول إن ترامب لم يعد يكتفي برسالة “إضعاف إيران”، بل انتقل إلى رسالة أكثر قسوة: إعادة تعريف كلفة الرفض الإيراني. هو يحاول أن يقنع طهران بأن رفض الصفقة لن يطيل الحرب فقط، بل سيحوّلها إلى حرب على البنية التي يقوم عليها الاقتصاد والتنقل والرمزية الوطنية.

لكن مثل هذه المقاربة لا تصنع بالضرورة استسلاماً سريعاً؛ بل قد تصنع، في المقابل، حرباً أكثر اتساعاً، وأكثر كلفة على الأسواق، وأكثر خطورة على الملاحة الإقليمية. وبذلك، فإن ضربة الجسر قد تُقرأ كتكتيك ناجح على المدى القصير، لكنها قد تتحول استراتيجياً إلى لحظة رفعت سقف الحرب أكثر مما قرّبت الصفقة.

ويخلص التقرير إلى أن ما يريده ترامب ليس مجرد قصف جسر، بل تحول في منطق الحرب نفسها: من استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى استخدام البنية التحتية المدنية أو شبه المدنية كأداة ضغط نفسي وسياسي لإجبار طهران على التفاوض. هذا هو جوهر الرسالة التي حاول الرئيس الأميركي إرسالها: التفاوض تحت الأنقاض، لا تحت السقف الدبلوماسي التقليدي.

المصادر / صحيفة التايمز – ديلي ميل- وول ستريت جورنال- موقع أكسيوس

اترك تعليقاً