أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
أخبار

القنابل لم تحسم حرب إيران.. هل يفعلها الاقتصاد؟

القنابل لم تحسم حرب إيران.. هل يفعلها الاقتصاد؟

بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب، لم تنجح القوة العسكرية في فرض نهاية للصراع مع إيران، ولم تتمكن طهران بدورها من الخروج منه منتصرة دون تكلفة باهظة. وبينما تنقل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثقل المواجهة من القصف المباشر إلى الحصار الاقتصادي المشدد، تكشف تقارير وتحليلات أميركية عن معركة داخلية تجري في أروقة القرار الإيراني بين تيارين: أحدهما يرى أن الوقت حان لتحويل الصمود العسكري إلى اتفاق سياسي، وآخر يعتقد أن إطالة المواجهة هي السلاح الأمثل لإنهاك واشنطن.

وفي الخلفية، يدفع الإيرانيون ثمناً متزايداً من التضخم ونقص الوقود وفقدان الوظائف، بينما تتسرب فاتورة الحرب إلى العالم عبر ارتفاع أسعار النفط واضطراب الطيران والغذاء. والمفارقة أن أسواق الأسهم الأميركية تعافت بقوة، ما جعل الحرب تخلق رابحين وخاسرين بعيداً عن ساحات القتال.

تحول واشنطن نحو الحرب الاقتصادية

تتمثل أبرز نقطة في التطورات الأخيرة في تحول واشنطن نحو الحرب الاقتصادية بعدما عجزت الضربات العسكرية عن تحقيق غاياتها السياسية. فقد أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت عن تدشين حملة “المنبوذ الاقتصادي” — واصفاً إياها بـ«يوم إنزال اقتصادي» — وتقوم على تشديد العقوبات على إيران وتوسيع العقوبات الثانوية لتشمل الدول والمؤسسات الاستثمارية التي تستمر في التعامل معها.

لكن تحليلاً نشره الكاتب والباحث الأميركي جونا شيب في موقع «إنتليجنسر» التابع لمجلة نيويورك يشكك في قدرة هذه الاستراتيجية على إجبار طهران على الاستسلام؛ إذ أثبتت إيران قدرتها على تحمل أضرار اقتصادية هائلة، في حين أن خيارات الإدارة الأميركية لرفع مستوى الضغط ليست بلا حدود، لأن استخدام أقسى الأدوات قد يرتد سلباً على الاقتصاد الأميركي والعالمي.

الصين العقبة الأكبر أمام المساعي الأميركية
الصين العقبة الأكبر أمام المساعي الأميركية

الصين والحدود الميدانية للضغط

تظل الصين العقبة الأكبر أمام المساعي الأميركية؛ إذ لم تظهر مصارفها الكبرى ضمن قائمة المؤسسات المستهدفة، رغم أنها تشتري معظم صادرات النفط الإيراني وتسهل التعاملات المالية لطهران. وقد رفضت بكين العقوبات وصفتها بـ”غير القانونية”، مؤكدة دفاعها عن مصالحها، وهو ما يجعل نجاح العقوبات الأميركية أمراً مستبعداً دون تعاون صيني.

في المقابل، هددت طهران الدول المجاورة التي قد تنضم إلى حملة الضغط الأميركية، ولوّحت بزيادة تعطيل الصادرات النفطية، مشيرة إلى قدرتها على إلحاق الأذى بالأسواق العالمية رغم أزمتها الاقتصادية الداخلية.

الرأي العام الداخلي والحسابات السياسية

لا تحظى الحرب بتأييد واسع داخل الولايات المتحدة، حتى بين قطاعات من أنصار الرئيس دونالد ترامب الذين أيدوه بناءً على تعهداته بالابتعاد عن الحروب الطويلة. وقد أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى اضطراب اقتصادي عالمي وارتفاع أسعار الوقود، مما يمارس ضغطاً متزايداً على المستهلك الأميركي.

وداخلياً في إيران، ورغم معاناة السكان من تضخم تجاوز 80%، وانكماش اقتصادي متوقع بنسبة 6.1% بحسب صندوق النقد الدولي، إلا أن كراهية السياسات الحكومية لا تعني القبول بالتأثير الخارجي؛ إذ أظهرت استطلاعات أن المشاركين يعتبرون الحراك الأميركي عدواناً عسكرياً لا تدخلاً إنسانياً. كما أن ظرف الحرب أتاح للسلطات الإيرانية مساحة أوسع لتشديد قبضتها الأمنية وقمع الاحتجاجات العمالية والمعيشية.

إيران تتعرض لضغط اقتصادي شديد، لكنها ما زالت تملك أوراقاً ( وكالة الأنباء الإيرانية)
إيران تتعرض لضغط اقتصادي شديد، لكنها ما زالت تملك أوراقاً ( وكالة الأنباء الإيرانية)

الانقسام في طهران: التوافق أم الاستنزاف؟

أبرز تقرير لشبكة «سي إن إن» بعداً حاسماً يتعلق بالصراع الداخلي حول كيفية إنهاء الحرب:

  • المعسكر البراغماتي: بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، ويدعو إلى استغلال موقف الصمود الحالي للوصول إلى اتفاق سياسي قبل تدهور القدرات الاقتصادية والبنية التحتية أكثر.
  • المعسكر المتشدد: يرى أن مجرد “عدم الهزيمة” يُعدّ انتصاراً. ولا يثق هذا التيار بترامب استناداً إلى تجربة الانسحاب من الاتفاق النووي، ويراهن على عامل الوقت لرفع تكلفة الحرب على واشنطن وإجبار الإدارة الأميركية على التراجع.

وتستخدم أدبيات هذا التيار دروس الحرب العراقية الإيرانية للتدليل على أن نتائج الحروب يحددها الطرف الأكثر قدرة على الصمود والاستنزاف، لا الأقوى عسكرياً.

الانتخابات النصفية وتكتيكات واشنطن

على الجانب الأميركي، تعكس ضبابية التفاصيل التنفيذية لحملة «المنبوذ الاقتصادي» تردد إدارة ترامب في استخدام أدوات قد تزعزع النظام المالي العالمي. وتشير تقارير إلى أن الهدف الضمني قد يقتصر على إدارة الصراع وإبعاد ملف الحرب عن صدارة الاهتمام الإعلامي حتى انقضاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وهنا تكمن المعضلة: إذ يبدو أن خصوم ترامب مستعدون للصمود والانتظار مدة أطول من الهامش الزمني المتاح له سياسياً.

التداعيات الاقتصادية عالمياً

وفقاً لمجلتي «فورتشن» و«الإندبندنت»:

  • النفط والغذاء: رغم عدم وقوع سناريو الانهيار المالي الكامل، ارتفع خام برنت وسجلت أسعار الأسمدة زيادات بنسبة 44%، ما يهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في دول آسيا وأفريقيا.
  • الطيران والسفر: ارتفعت تكاليف وقود الطائرات بنسبة 70% مقارنة بالعام الماضي، مما دفع الشركات إلى رفع أسعار التذاكر وتقليص الرحلات.
  • الرابحون: سرّعت الأزمة التحول نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، في حين استعادت أسواق المال الأميركية (وال ستريت) خسائرها بفضل طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ليتحمل المستهلك العادي كلفة التضخم بينما يحقق المستثمرون مكاسب مادية.

كما بدأت دول تعتمد بشدة على نفط الخليج في تسريع مشاريع الطاقة المتجددة والطاقة النووية والتكرير المحلي والطاقة الشمسية. أي أن حرباً بدأت حول إيران والنفط قد تكون، بصورة غير مباشرة، قد سرعت جهود بعض الدول لتقليل اعتمادها على النفط.

ماذا يعني كل ذلك؟

الصورة التي ترسمها هذه التقارير ليست حرباً يقترب فيها أحد الطرفين بوضوح من «النصر». إيران تتعرض لضغط اقتصادي شديد، لكنها ما زالت تملك أوراقاً، بينها قدرتها على التأثير في حركة النفط والملاحة. والولايات المتحدة تملك نظام العقوبات والدولار والقوة العسكرية، لكنها لا تستطيع استخدام كل هذه الأدوات بلا تكلفة على الأميركيين وحلفائها والاقتصاد العالمي.

ولهذا انتقلت المعركة تدريجياً من سؤال «من يملك القوة الأكبر؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يستطيع تحمل الألم مدة أطول؟». وهذا تحديداً ما يجعل الانقسام داخل طهران حاسماً؛ فالبراغماتيون يريدون تحويل الصمود إلى اتفاق قبل تفاقم الأزمة، بينما يعتقد المتشددون أن الوقت نفسه يمكن أن يتحول إلى سلاح ضد ترامب.

وفي المقابل، يرى تحليل «نيويورك» أن الانتخابات النصفية الأميركية أصبحت جزءاً من حسابات الحرب، وأن استراتيجية العقوبات قد تهدف جزئياً إلى إظهار أن هناك تقدماً من دون العودة إلى حرب شاملة.

 وبعد ستة أشهر، لم تعد المعركة بين واشنطن وطهران عسكرية فقط؛ إنها حرب أعصاب واقتصاد وزمن، وقد يتحدد موعد نهايتها بقدر ما يحدث داخل طهران وواشنطن، لا بما يحدث في ساحة القتال وحدها.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.