في وقت تتجه فيه دول أوروبية إلى توثيق تحالفاتها بفعل الحروب والاضطرابات الجيوسياسية، اختار الآيسلنديون مساراً مختلفاً. فقد رفضوا، بفارق ضئيل، إعادة فتح مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مفضلين الاحتفاظ باستقلالية بلادهم، ولا سيما السيطرة على ثروتها السمكية، على وعود الاستقرار الاقتصادي والأمني التي طرحها مؤيدو التقارب مع بروكسل.
وبحسب النتائج التي أوردتها وسائل إعلام آيسلندية، صوّت 52.8% بـ«لا» مقابل 47.2% بـ«نعم»، بفارق نحو 12,600 صوت. وبلغت المشاركة 82.5%، وهي نسبة مرتفعة تعكس حجم الانقسام الذي أثارته القضية.
ريكيافيك قالت «نعم».. والأرياف حسمت النتيجة
كشفت النتائج عن انقسام جغرافي لافت. فقد مالت العاصمة ريكيافيك والمناطق المحيطة بها إلى استئناف المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، بينما رجحت كفة الرفض في المناطق الريفية.
وهذا الانقسام يساعد على تفسير النتيجة؛ ففي المناطق البعيدة عن العاصمة تحتل صناعة الصيد مكانة اقتصادية واجتماعية كبيرة، وكان الخوف من فقدان السيطرة على المياه والثروة السمكية أحد أقوى أسلحة حملة «لا».
🚨Iceland Voters rejected a proposal to join European Union🚨
Iceland’s voters rejected a proposal to restart EU membership talks, more than a decade after previous negotiations ended.#Iceland #EuropeanUnion #Voters pic.twitter.com/fBtDeYKFSx
— Global News 🚨 (@Jarvis945) August 30, 2026
لماذا يخشى الآيسلنديون الاتحاد الأوروبي؟
بالنسبة إلى المعارضين، القضية تتجاوز بروكسل إلى سؤال أعمق يتعلق بالسيادة الوطنية.
فآيسلندا بنت جزءاً مهماً من ازدهارها الحديث على ثروتها البحرية، وخاضت بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي ما عُرف بـ**«حروب القد»** مع بريطانيا، ونجحت في توسيع منطقتها الاقتصادية البحرية إلى 200 ميل.
لذلك، ينظر كثير من الآيسلنديين إلى السيطرة على مناطق الصيد باعتبارها جزءاً من استقلال البلاد، وليس مجرد ملف اقتصادي.
وتقول المعارضة إن قواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بمصايد الأسماك قد تقلص مستقبلاً حرية آيسلندا في إدارة مياهها. أما مؤيدو الانضمام فيرون أن هذه المخاوف مبالغ فيها، وأن تاريخ الصيد في المياه الآيسلندية قد يمنح البلاد وضعاً تفاوضياً قوياً.
الاقتصاد كان حجة معسكر «نعم»
على الجانب الآخر، ركز مؤيدو استئناف المفاوضات على غلاء المعيشة والتضخم والفوائد المرتفعة.
ويبلغ سعر الفائدة لدى البنك المركزي الآيسلندي نحو 8%، مقابل 2.25% لدى البنك المركزي الأوروبي. ولذلك يرى مؤيدو التقارب مع الاتحاد أن العضوية، واحتمال تبني اليورو مستقبلاً، يمكن أن يمنحا البلاد مزيداً من الاستقرار النقدي ويخففا كلفة الاقتراض.
ولا تزال ذاكرة الأزمة المالية العالمية حاضرة بقوة. فقد دفعت الأزمة التي ضربت القطاع المالي الآيسلندي البلاد إلى التقدم بطلب الانضمام إلى الاتحاد عام 2009، قبل تجميد المفاوضات لاحقاً وإنهائها.
ترامب وغرينلاند أعادا أوروبا إلى النقاش
لم تكن الأسماك والاقتصاد وحدهما في خلفية الاستفتاء. فقد أضافت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعداً جيوسياسياً جديداً للنقاش.
تهديداته تجاه غرينلاند، القريبة من آيسلندا، إلى جانب استخدام الرسوم الجمركية أداة للضغط على حلفاء واشنطن، دفعت بعض الآيسلنديين إلى التساؤل عما إذا كان الاعتماد على التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة لا يزال كافياً.
وقالت رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير قبل التصويت إن العالم تغير كثيراً خلال العام ونصف العام الماضيين، مشيرة إلى استخدام واشنطن الرسوم الجمركية «أداة للإكراه التجاري وسلاحاً».
وكانت حجتها أن الاتحاد الأوروبي قد يمنح دولة صغيرة مثل آيسلندا مظلة أقوى في مواجهة الحروب التجارية والتنافس المتزايد في القطب الشمالي.
دولة في الناتو.. بلا جيش
للمفارقة، آيسلندا عضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لكنها العضو الوحيد الذي لا يمتلك جيشاً دائماً.
ولهذا رأى بعض مؤيدي «نعم» في الاتحاد الأوروبي طبقة إضافية من الحماية والاستقرار في عالم أصبح أقل قابلية للتنبؤ، خصوصاً بعد حرب أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط وتصاعد المنافسة على القطب الشمالي.
لكن هذه المخاوف لم تكن كافية لتغيير موقف غالبية الناخبين.
لماذا تزعج النتيجة بروكسل؟
بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لم تكن آيسلندا مجرد مرشح جديد للعضوية. فهي دولة ثرية ومستقرة وديمقراطية، كما أن انضمامها كان سيعزز حضور الاتحاد في منطقة القطب الشمالي في وقت تتزايد فيه أهميتها الأمنية والاقتصادية.
ولهذا وصفت «الإيكونوميست» النتيجة بأنها عقبة غير مرحب بها أمام مساعي توسيع الاتحاد الأوروبي.
لكن المجلة تلفت إلى مفارقة مهمة: رغم الحروب ومخاوف الأمن وتصريحات ترامب، فإن التصويت الآيسلندي لم يُحسم أساساً بالجغرافيا السياسية.
الأسماك والسيادة والاقتصاد اليومي كانت أقرب إلى الناخب من الصراع بين القوى الكبرى.
وهنا تكمن دلالة الاستفتاء: عندما طُلب من الآيسلنديين الاختيار بين مزيد من الاندماج مع أوروبا والاحتفاظ بأكبر قدر من حرية القرار، اختارت أغلبية ضئيلة البقاء على المسافة نفسها من الاتحاد الأوروبي، مع استمرار ارتباط البلاد بالسوق الأوروبية عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
وبذلك لم يقل الآيسلنديون «لا» لأوروبا بقدر ما قالوا: نريد التعاون معها، لكن من دون التخلي عن المساحة التي نملك فيها القرار بأنفسنا.







