من خزانات الوقود في الزاوية غرباً إلى سيارة مفخخة في بنغازي شرقاً، عادت هشاشة المشهد الليبي إلى الواجهة بصورة حادة. ففي غضون أيام قليلة، تعرضت منشآت نفطية وكهربائية حيوية لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة، بينما قُتل مسؤول عسكري بارز في قوات شرق ليبيا المعروفة باسم «الجيش الوطني الليبي» التي يقودها المشير خليفة حفتر بتفجير في الشرق.
ولا تبدو المشكلة محصورة في الجانب الأمني؛ إذ بدأت التداعيات تمتد إلى إنتاج الطاقة والكهرباء وأسعار النفط العالمية، في وقت تتعثر فيه محاولات إنهاء الانقسام السياسي المستمر منذ أكثر من عقد.
ماذا يحدث في الزاوية؟
تقع الزاوية على بعد نحو 40 إلى 47 كيلومتراً غرب طرابلس، لكنها أكبر بكثير من مجرد مدينة ساحلية. فهي إحدى أهم عقد الطاقة في ليبيا، إذ تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، ومنشآت لتخزين الوقود، ومحطة تصدير، ومحطة كبيرة لتوليد الكهرباء.
ولهذا تكتسب سلسلة الهجمات الأخيرة أهمية استثنائية.
وبحسب المؤسسة الوطنية للنفط، تعرضت مصفاة الزاوية لخمس هجمات منذ الأحد. واستهدفت المسيّرات خزانات للديزل والوقود، وأدت إحداها إلى اندلاع حريق ضخم استمر لساعات طويلة. كما أصابت مسيّرة خزاناً كان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من الوقود، ما أدى إلى انهياره ودفع السلطات إلى إعلان حالة طوارئ قصوى في المنشأة.
وامتدت الضربات لاحقاً إلى قطاع الكهرباء. ففي أحدث هجوم، استُهدفت محطة جنوب الزاوية، ما تسبب في خروجها من الخدمة وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة جنوب المدينة.
الأخطر أن الهجمات بدأت تؤثر في القدرة على صيانة منظومة الكهرباء. فمحطة الزاوية تبلغ قدرتها الإجمالية نحو 1300 ميغاواط، لكن أكثر من 700 ميغاواط منها أصبحت غير متاحة، فيما أوقفت شركة GE الأميركية أعمالها وسحبت فرقها الفنية بسبب تدهور الوضع الأمني.
وتحذر شركة الكهرباء الليبية من أن استمرار الهجمات قد لا يؤدي فقط إلى انقطاعات محلية، بل يمكن أن يهدد استقرار الشبكة الوطنية ويفتح الباب أمام انقطاعات أوسع للكهرباء.
من يقف وراء الهجمات؟
حتى الآن، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هجمات المسيّرات، وهي نقطة مهمة ينبغي عدم تجاوزها عند تفسير الأحداث.
لكن الهجمات تأتي وسط تصاعد التوتر بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة وقوى مسلحة محلية في الزاوية، ومن بينها قوات يقودها محمد بحرون.
وينقل تقرير أسوشيتد برس عن المحلل جلال حرشاوي، المرتبط بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، قوله إن بحرون يتعرض لضغوط متزايدة من الحكومة، وإن قواته قد تلجأ إلى ما وصفه بـ”إجراءات يائسة”.
لكن هذا يبقى تحليلاً وليس دليلاً على المسؤولية عن الضربات.
وفي الخلفية، شهدت الزاوية ومحيطها خلال الأيام الماضية اشتباكات بين جماعات مسلحة امتدت إلى مدينة صرمان، وأوقعت قتلى وجرحى وتسببت في فرار سجناء، وهو ما يكشف مدى هشاشة الوضع الأمني في المنطقة.
اُغتيل اللواء فوزي المنصوري، مدير المخابرات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، في انفجار سيارة مفخخة خارج منزله في بنغازي بشرق ليبيا. pic.twitter.com/7HYt3H7DMU
— Arab-Military (@ashrafnsier) August 11, 2026
ضربة أخرى في الشرق.. اغتيال مسؤول استخباراتي
وبينما كانت الأنظار تتجه إلى حرائق الزاوية، شهد شرق ليبيا تطوراً أمنياً خطيراً من نوع آخر.
ففي بنغازي، قُتل اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية في قوات المشير خليفة حفتر، بعدما انفجرت سيارة محملة بالمتفجرات بالقرب من سيارته في حي السيدة عائشة.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجير أيضاً.
أهمية الحادث تكمن في أن المنصوري ليس ضابطاً عادياً، بل مسؤول استخباراتي رفيع في ما يعرف بالجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر ويسيطر، إلى جانب الحكومة الموازية في الشرق، على مساحات واسعة من شرق وجنوب البلاد.
وهكذا جاءت أحداث الأيام الأخيرة لتعيد إظهار الخطر الأمني في جانبي الانقسام الليبي معاً: مسيّرات تضرب البنية التحتية في الغرب، وتفجير يستهدف شخصية عسكرية بارزة في الشرق.
النفط يدخل دائرة الخطر
حتى الآن، قالت المؤسسة الوطنية للنفط إن إمدادات الوقود والمخزونات لم تتأثر بصورة جوهرية، وإن العمل في المصفاة استؤنف بعد بعض الهجمات. لكن استمرار الضربات يغير الحسابات.
فقد حذرت المؤسسة من إمكانية إعلان القوة القاهرة إذا تواصل استهداف منشآت الطاقة في الزاوية، وهو إجراء قد يسمح بتعليق التزامات تعاقدية إذا أصبحت الظروف الخارجة عن السيطرة تمنع استمرار العمليات.
وتزداد أهمية ذلك لأن ليبيا أنتجت في يوليو نحو 1.35 مليون برميل من النفط الخام يومياً، ما يجعل أي اضطراب واسع في إنتاجها أو صادراتها عاملاً مؤثراً في سوق الطاقة.
الأسواق بدأت تشعر بالخطر
انعكس القلق الليبي بالفعل على أسعار النفط الأربعاء، بالتزامن مع استمرار الغموض بشأن مضيق هرمز.
ارتفع خام برنت إلى نحو 89.18 دولاراً للبرميل، فيما بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 83.57 دولاراً.
وهنا تتداخل أزمتان في وقت واحد: مخاطر تعطل الإمدادات الليبية، وعدم اليقين بشأن حركة ناقلات النفط عبر هرمز.
وبحسب التقرير المرفق، تعمل إيران على تشريع يمنحها صلاحيات أكبر لمنع السفن العسكرية والتجارية التابعة لدول تعتبرها “معادية” من دخول الخليج عبر المضيق من دون موافقتها. وإذا استمرت أزمة هرمز بالتزامن مع تصاعد الهجمات على المنشآت الليبية، فقد تواجه سوق النفط مصدرين للقلق في آن واحد.
لكن الأزمة أعمق من المسيّرات والنفط
الهجمات الأخيرة تكشف في الواقع مشكلة ليبيا الأساسية منذ سقوط الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي عام 2011: وجود دولة واحدة على الخريطة، لكن سلطات ومؤسسات ومراكز قوة متعددة على الأرض.
فالبلاد لا تزال منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وإدارة موازية برئاسة أسامة حماد في الشرق، مدعومة من مجلس النواب وقوات حفتر.
وبين الطرفين تنتشر جماعات مسلحة اكتسبت على مدى سنوات نفوذاً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً كبيراً.
وهذا ما يجعل منشآت النفط والكهرباء ليست مجرد مرافق اقتصادية؛ بل تتحول في أوقات الصراع إلى أوراق نفوذ وضغط بين القوى المتنافسة.
مساران دوليان.. والليبيون يفقدون الثقة
وتعليقا على الوضع في ليبيا، أشار معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في مقال كتبته الخبيرة والباحثة المختصة في الشأن الليبي تهاني المغربي إلى وجود مسارين متوازيين لمحاولة توحيد البلاد: خارطة طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومبادرة أميركية يقودها مسعد بولس. وتهدف الخطة الأممية، من حيث المبدأ، إلى إيجاد إطار للانتخابات، وتوحيد المؤسسات عبر حكومة انتقالية موحدة، وإطلاق حوار أوسع حول الأمن والاقتصاد والمصالحة.
لكن المشكلة أن هذه الجهود لم تحقق حتى الآن اختراقاً سياسياً حاسماً. وتقول المقالة إن المرحلتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية تعثرتا بفعل تضارب المصالح وضعف قدرة الأمم المتحدة على فرض تقدم سياسي على الأرض.
والأكثر إثارة للاهتمام أن الثقة الشعبية بهذه المبادرات نفسها تتراجع. فبحسب التحليل، ينظر عدد متزايد من الليبيين إلى الاجتماعات والزيارات الدولية للنخب السياسية باعتبارها استعراضاً للنفوذ أكثر منها طريقاً فعلياً نحو بناء الدولة، خصوصاً عندما لا تترجم إلى انتخابات أو مؤسسات موحدة أو تحسين في الخدمات.
كما يحذر التحليل من أن استمرار التركيز على الصفقات والعلاقات بين العائلات والشبكات السياسية النافذة، بدلاً من بناء مؤسسات منتخبة وإشراك المواطنين، سيؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة الشعبية بجهود توحيد ليبيا.
لماذا تبدو التطورات الحالية خطيرة؟
المشكلة ليست في حريق خزان نفط أو محطة كهرباء بمفردهما، بل في تزامن أربعة عوامل: عودة الهجمات المسلحة، واستهداف البنية التحتية الاستراتيجية، واستمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وتعثر المسار السياسي.
وهذا يجعل السؤال الأكبر بعد هجمات الزاوية واغتيال المنصوري في بنغازي هو: هل تشهد ليبيا موجة أمنية عابرة، أم أن البلاد تدخل مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ والثروة والطاقة؟
حتى الآن لا توجد أدلة كافية للقول إن الشرق والغرب يتجهان إلى حرب شاملة جديدة، ولا توجد جهة أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات بما يسمح بربط الأحداث في الزاوية وبنغازي ضمن مخطط واحد. لكن ما تكشفه التطورات بوضوح هو أن التوازن الليبي لا يزال شديد الهشاشة، وأن النفط والكهرباء يمكن أن يتحولا سريعاً من شريانين للاقتصاد إلى ساحتين للصراع السياسي والعسكري.
المصادر / وكالات – معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى







