ترامب عند نقطة الحسم… ضربة مدمّرة أم صفقة في اللحظة الأخيرة؟
ترامب يرفع سقف التهديد إلى أقصاه ويُبقي قرار الضربة في يده شخصيًا (البيت الأبيض)
مع اقتراب المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا تبدو الأزمة مع إيران مجرّد جولة جديدة من التصعيد، بل اختبارًا حادًا لطبيعة القرار الأميركي نفسه: هل تُستخدم التهديدات القصوى لانتزاع تنازل في اللحظة الأخيرة، أم أن واشنطن تقترب فعلًا من ضربة واسعة قد تدفع المنطقة إلى طور أكثر خطورة؟ في هذه اللحظة، تبدو السياسة وكأنها تتحرك على حدّين في آن واحد: دبلوماسية تُترك مواربة، وخيار عسكري يُعرض باعتباره جاهزًا للتنفيذ.
يكشف موقع أكسيوس في مقال للمحللين باراك ديفيد ومارك كاوتو زاوية “ما وراء القرار” داخل البيت الأبيض، ويرسمان صورة لترامب باعتباره ليس فقط صاحب المهلة، بل أيضًا الأكثر تشددًا داخل دائرته، في وقت يدفع بعض فريقه التفاوضي نحو إعطاء المحادثات فرصة إضافية إذا ظهرت مؤشرات جدية من الجانب الإيراني. وبحسب الرواية نفسها، فإن خيار الضربات الواسعة على البنية التحتية جاهز، لكن باب التمديد لم يُغلق بالكامل إذا بدا أن تسوية ما تتشكل في اللحظة الأخيرة.
أما وكالة أسوشيتد برس فتقدم زاوية مختلفة: ليست من داخل غرف القرار بقدر ما هي من قلب الميدان وآثار التهديدات على الأرض. في روايتها، كان التصعيد قد انعكس بالفعل على طهران عبر غارات، وعلى الداخل الإيراني عبر دعوات لتشكيل “سلاسل بشرية” حول محطات الكهرباء، وعلى الإقليم عبر هجمات متبادلة ومخاوف من اتساع دائرة النار. وهنا تنتقل القصة من كونها أزمة تفاوض إلى كونها أزمة مجتمعات وبنية تحتية ومدنيين وأسواق طاقة.

هرمز ورقة إكراه
المشترك بين الروايتين هو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل صار ورقة الإكراه الأساسية في الصراع. فـأسوشيتدبرس تركز على أن خنق الملاحة عبر المضيق يضغط على الاقتصاد العالمي ويرفع كلفة المعيشة والطاقة، فيما تُظهر تغطية أكسيوس أن إعادة فتحه أصبحت شرطًا أميركيًا مركزيًا في أي تفاهم، إلى جانب ملفات أخرى مثل التهدئة الأوسع والتنازلات الإيرانية. المعنى هنا أن الأزمة لم تعد عسكرية فقط؛ إنها أيضًا معركة على من يملك تعريف “الخطوة الأولى” نحو خفض التصعيد.
ومن زاوية التفاوض، تبدو الصورة أعقد من منطق “عرض وقبول”. أكسيوس تتحدث عن رد إيراني من عشر نقاط وصفه مسؤول أميركي بأنه “حدّي” أو “متشدد”، لكن البيت الأبيض لم يتعامل معه كرفض نهائي بل كمناورة تفاوضية قابلة للتعديل. في المقابل، تُظهر أسوشيتدبرس أن طهران رفضت أحدث مقترح أميركي لوقف إطلاق النار، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء من باكستان ومصر وتركيا. هذا يعني أن المفاوضات ليست متوقفة، لكنها أيضًا لم تصل إلى نقطة إنتاج اختراق واضح.
اللافت في تغطية أكسيوس أن قرار ترامب يُقدَّم بوصفه شخصيًا إلى حد بعيد: هو من يحدد إن كان سيؤجل أو يضرب، حتى لو كانت هناك أصوات حوله تدعو إلى التريث. أما أسوشيتدبرس فتركز على نمط أوسع في سلوك ترامب: مهلات متكررة، ثم تمديد، ثم لهجة أشد، ثم حديث موازٍ عن أن المفاوضات “تسير بشكل جيد”. هذا التباين لا يعني بالضرورة غياب استراتيجية، لكنه يشير إلى أن التهديد ذاته صار جزءًا من أداة التفاوض، لا مجرد مقدمة تلقائية للحرب.
القدرة على رفع الكلفة
في المقابل، لا تظهر إيران في هذه التغطيات كطرف يملك تفوقًا عسكريًا مباشرًا، بل كطرف يراهن على القدرة على رفع الكلفة: تعطيل المضيق، توسيع الضغط على جيرانها، وإظهار استعداد شعبي ورسمي للصمود. AP تنقل رسائل تعبئة داخلية، من دعوات لحماية محطات الكهرباء إلى حديث الرئيس الإيراني عن ملايين “المتطوعين”، بينما تضيف أن الحرس الثوري لوّح بحرمان الولايات المتحدة وحلفائها من نفط وغاز المنطقة لسنوات إذا نُفذت الضربات الموعود بها. هذه ليست معادلة نصر عسكري بقدر ما هي معادلة استنزاف وردع متبادل.
هناك أيضًا بُعد قانوني وأخلاقي يزداد ثقلاً. فأسوشيتد برس تنقل تحذيرات من الأمم المتحدة وفرنسا وخبراء قانونيين بأن استهداف البنية التحتية المدنية، مثل الجسور ومحطات الكهرباء، قد يرقى إلى جريمة حرب إذا لم يكن متوافقًا مع قواعد القانون الدولي الإنساني. وأعادت AP هذا النقاش في مادة مستقلة خصصت لمسألة قانونية التهديدات الأميركية نفسها. هذا الجانب لا يوقف بالضرورة القرار العسكري، لكنه يرفع كلفته السياسية والدبلوماسية على واشنطن إذا مضت فيه.
اقتصاديًا، تشير أسوشيتد برس إلى أن الأزمة لم تعد فرضية مستقبلية؛ فأسعار خام برنت تجاوزت 108 دولارات للبرميل، بزيادة تقارب 50% منذ بدء الحرب، في ظل استمرار خنق الملاحة عبر هرمز والهجمات على بنى الطاقة في الخليج. وهذا يفسر لماذا لا يُنظر إلى ملف العقوبات والنفط فقط من زاوية الضغط على إيران، بل أيضًا من زاوية الحاجة إلى استقرار السوق العالمية. لذلك بدت بعض الإشارات إلى احتمال تخفيف محدود للعقوبات النفطية جزءًا من براغماتية تهدف إلى تهدئة السوق بقدر ما تهدف إلى إنجاز تفاوضي.
صورة مزدوجة
ويخلص موقع أكسيوس ووكالة أسوشيتد برس إلى أن هناك صورة مزدوجة: من جهة، رئيس أميركي يرفع سقف التهديد إلى أقصاه ويُبقي قرار الضربة في يده شخصيًا؛ ومن جهة أخرى، ساحة ميدانية وإقليمية توحي بأن أي تنفيذ واسع لن يكون حدثًا عسكريًا محدودًا، بل نقطة انتقال إلى أزمة أشمل تمس المدنيين والطاقة والقانون الدولي.
بعبارة أخرى، ليست المسألة الآن ما إذا كانت الحرب ممكنة، بل ما إذا كان آخر ما تبقى من التفاوض قادرًا على منع انتقالها إلى مستوى أكثر تدميرًا.