أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
سياحة وسفر

جمعت إرث بيزنطة والعثمانيين.. قلعة الأبراج السبعة في إسطنبول تعود إلى الحياة

جمعت إرث بيزنطة والعثمانيين.. قلعة الأبراج السبعة في إسطنبول تعود إلى الحياة

على أطراف أسوار إسطنبول القديمة تقف قلعة يدي كوله (Yedikule Hisarı)، أو «قلعة الأبراج السبعة»، شاهدة على نحو 1700 عام من تاريخ المدينة. فقد كانت حصناً، وخزانة للإمبراطورية العثمانية، وسجناً للنبلاء والسفراء، ثم تحولت إلى أطلال مهملة، قبل أن تبدأ عملية واسعة لإعادتها إلى الحياة.

وبحسب تقرير لشبكة سي إن إن، لا تزال القلعة، رغم أهميتها التاريخية، تستقبل عدداً من الزوار يقل كثيراً عن معالم إسطنبول الشهيرة مثل قصر طوب قابي وصهريج البازيليك، لكن مشروع الترميم متعدد المراحل الذي انطلق عام 2020 بدأ يعيدها تدريجياً إلى خريطة المدينة السياحية والثقافية.

ورشة الآثار في قلعة يدي كوله للأطفال تجربة تجمع بين الاكتشاف والتعليم والترفيه وسط موقع تاريخي حقيقي
ورشة الآثار في قلعة يدي كوله للأطفال تجربة تجمع بين الاكتشاف والتعليم والترفيه وسط موقع تاريخي حقيقي ( بلدية فاتح)

1. قصة عمرها 1700 عام

تعود جذور الموقع إلى القرن الرابع الميلادي، عندما جعل الإمبراطور قسطنطين الكبير مدينة بيزنطة عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية وأطلق عليها اسم القسطنطينية.

وكانت أسوار القسطنطينية من أكثر الأنظمة الدفاعية تطوراً في العالم القديم، ولا يزال جزء منها قائماً داخل يدي كوله.

ومن أهم معالم الموقع البوابة الذهبية، وهي قوس نصر ضخم ثلاثي المداخل شُيّد من الرخام ويبلغ ارتفاعه نحو 12 متراً. وكانت البوابة ممراً احتفالياً يخرج منه أباطرة بيزنطة إلى حملاتهم العسكرية ويعودون عبره بعد الانتصارات.

وكانت البوابة أكثر فخامة مما تبدو عليه اليوم، إذ زينتها تماثيل برونزية وأبواب مذهبة، فيما تشير الروايات التاريخية إلى وجود تمثال ضخم لعربة تجرها أربعة أفيال فوقها.


2. محمد الفاتح يضيف فصلاً عثمانياً

بعد فتح القسطنطينية، أمر السلطان محمد الثاني «الفاتح» عام 1458 ببناء القلعة مستفيداً من أجزاء الأسوار البيزنطية القديمة، وأضاف إليها ثلاثة أبراج وأسواراً جديدة.

وهكذا أصبحت يدي كوله مبنى يجمع في تكوينه المعماري بين مرحلتين تاريخيتين: البيزنطية والعثمانية.

وعلى مدى نحو أربعة قرون، لم تكن القلعة مجرد منشأة عسكرية، بل كانت مجمعاً متكاملاً يضم ثكنات ومسجداً وآباراً ومدرسة وكنيستين صغيرتين.

وفي القرن التاسع عشر، ضمت حتى مكاناً لإيواء الأسود التي كانت موجودة سابقاً في قصر طوب قابي.

3. طريق واحد يفصل بين عصرين

من أكثر التفاصيل إثارة داخل القلعة الطريق الحجري الذي يشق ساحتها.

فالجزء الممتد من المدخل إلى المسجد يحمل بقايا طريق عثماني يعود إلى نحو 600 عام، بينما يعود الجزء الآخر إلى طريق روماني عمره نحو 1600 عام.

ولهذا يصف مؤرخون يدي كوله بأنها تراث مشترك لإمبراطوريتين، إذ تتداخل في المكان نفسه آثار روما الشرقية وبيزنطة مع آثار الدولة العثمانية.

4. خزنة الإمبراطورية العثمانية

رغم تسميتها بالقلعة، فإن إحدى أهم وظائف يدي كوله لم تكن الدفاع العسكري، وإنما حماية ثروة الدولة العثمانية.

استخدم محمد الفاتح الموقع لحفظ الخزانة الإمبراطورية ووثائق الدولة المهمة، حتى إن المرشد السياحي توران أوفلاز يشبه دورها في ذلك الوقت بـ**«البنك المركزي» والخزنة الأكثر أمناً في الإمبراطورية**.

وكانت جدران بعض أبراجها تبلغ سماكتها نحو ثلاثة أمتار، فيما تولت وحدات من الإنكشارية حراستها على مدار الساعة.

وضمت الخزانة مقتنيات ثمينة جُلبت من الحملات العسكرية في فارس وسوريا ومصر، بينها سيوف ودروع وأقواس ومعدات حربية وسروج خيل وكتب ومخطوطات نفيسة.

لكن في القرن السادس عشر نُقلت الخزانة إلى قصر طوب قابي، لتبدأ مرحلة مختلفة وأكثر قتامة من تاريخ القلعة.

5. من خزنة للأموال إلى سجن سياسي

بعد نقل الخزانة، تحولت يدي كوله إلى سجن استُخدم لاحتجاز شخصيات سياسية ونبلاء ودبلوماسيين من مناطق ودول مختلفة، بينها بولندا وروسيا وفرنسا والمجر.

ومن أشهر مباني السجن «برج النقوش»، حيث عاش بعض المعتقلين لأشهر في غرف صغيرة شبه مظلمة.

وترك السجناء آثارهم على جدرانه، فنقشوا أسماءهم ومدنهم وتواريخ اعتقالهم، وأحياناً شكاواهم ومعاناتهم.

وكتبت هذه النقوش بلغات عدة، بينها اللاتينية والمجرية والفرنسية والإيطالية، وهو ما جعل البرج أشبه بـأرشيف دبلوماسي محفور في الحجر.

6. السجناء أوراق تفاوض

خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، احتُجز في يدي كوله عدد كبير من المجريين والبولنديين، في وقت كانت فيه المجر وبولندا من القوى المنافسة للدولة العثمانية.

ولم يكن جميع هؤلاء مجرد أسرى حرب، بل تحول بعضهم إلى أوراق مساومة سياسية ودبلوماسية.

فكان بالإمكان الاحتفاظ بالأسرى لحماية أسرار عسكرية أو استخدامهم في المفاوضات، ثم إطلاقهم مقابل فدية كبيرة أو اتفاق سياسي.

7. إعدامات صنعت سمعة القلعة المظلمة

شهدت يدي كوله أيضاً نهايات مأساوية لشخصيات تاريخية.

من بينها ديفيد كومنينوس، آخر حكام إمبراطورية طرابزون على البحر الأسود. وبعد سقوط طرابزون في يد محمد الفاتح عام 1461، اعتُقل لاحقاً للاشتباه بتآمره مع قوى أجنبية، وأُعدم عام 1463 مع ثلاثة من أبنائه وأقارب آخرين.

كما ارتبطت القلعة بقصة قسطنطين برانكوفينو، أمير ولاشيا في رومانيا الحالية، الذي نُقل مع عائلته إلى يدي كوله عام 1714. وتعرض أفراد العائلة للتعذيب، ثم أُعدم الأمير وأبناؤه الأربعة.

8. لغز البئر الدموية

من أكثر أساطير يدي كوله شهرة قصة «كانلي كويو» أو «البئر الدموية».

وتقول الرواية الشعبية إن البئر كانت متصلة ببحر مرمرة عبر ممر سري، وإن رؤوس بعض السجناء الذين أُعدموا كانت تُلقى فيها لتجرفها المياه إلى البحر.

لكن المؤرخين لا يملكون دليلاً قاطعاً على مكان هذه البئر، بل إن المؤرخ خيري فهمي يلماز يؤكد عدم وجودها داخل «برج النقوش»، خلافاً للرواية الشعبية.

وتوجد بالفعل آبار تاريخية في القلعة، لكن تحديد أي منها كان «البئر الدموية» — إن كانت الرواية صحيحة أصلاً — لا يزال موضع خلاف.

9. السلطان الشاب الذي انتهى سجيناً

ترتبط القلعة كذلك بالسلطان العثماني عثمان الثاني، المعروف بـ«عثمان الشاب».

تولى الحكم عام 1618 وهو في الرابعة عشرة من عمره، وبعد حملة عسكرية غير ناجحة ضد بولندا دخل في صراع مع الإنكشارية وسعى إلى الحد من نفوذهم.

لكنهم انقلبوا عليه وعزلوه، واحتُجز لفترة وجيزة في يدي كوله قبل مقتله.

وفي مفارقة تاريخية، أُعدم لاحقاً داخل القلعة نفسها الصدر الأعظم قره داود باشا، أحد المتورطين في مقتل السلطان الشاب.

10. لم يكن جميع السجناء خلف القضبان

على الرغم من السمعة القاتمة للقلعة، فإن ظروف الاحتجاز لم تكن واحدة للجميع.

فقد تمتع بعض السجناء الأجانب بحرية نسبية، وكان بإمكانهم التحرك داخل القلعة، بل والإقامة في منازل بالأحياء المحيطة بها.

ومن أشهرهم الفرنسي فرانسوا بوكفيل، أحد مبعوثي نابليون، الذي سُجن في يدي كوله بين عامي 1799 و1801.

وحول بوكفيل فترة سجنه إلى تجربة فكرية؛ مارس الطب وعالج الجنود، وواصل الكتابة والمراسلات، وتعلم التركية المستخدمة آنذاك وطوّر معرفته باللغة اليونانية الحديثة.

11. من السجن إلى السينما

بحلول منتصف القرن العشرين، تراجعت الذاكرة المرتبطة بماضي يدي كوله كسجن وموقع للإعدامات.

وأصبحت القلعة موقعاً مفضلاً لتصوير أفلام “يشيل تشام”، الاسم المرتبط بالعصر الذهبي للسينما التركية والذي يُشبَّه عادة بهوليوود.

لكن مع تراجع صناعة يشيل تشام في سبعينيات القرن الماضي، تدهورت القلعة أيضاً وتحولت أجزاء من محيطها إلى مناطق مهملة.

تستضيف حفلات موسيقية وعروض سينمائية في الهواء الطلق
   القلعة تستضيف تستضيف حفلات موسيقية وعروض سينمائية في الهواء الطلق ( بلدية فاتح في إسطنبول)

12. القلعة تعود إلى الحياة

بدأ فصل جديد عام 2020 مع إطلاق مشروع ترميم واسع ومتعدد المراحل.

وبحسب بلدية فاتح في إسطنبول، تنفذ فرق متخصصة عمليات ترميم برج الخزانة، بإشراف واستشارة المجلس العلمي لقلعة يدي كوله، بهدف الحفاظ على البرج ونقله بوضعه التاريخي إلى الأجيال المقبلة.

وقبل تنفيذ أي تدخل ترميمي، يخضع المبنى للفحص والدراسة لتحديد احتياجاته باستخدام أساليب علمية، ثم تُنفذ الأعمال وفقاً للنتائج، مع الحرص على الحفاظ على النسيج التاريخي والأصلي للبرج.

وتُجرى الأعمال وفق مفهوم “الترميم المفتوح”، ما يسمح للزوار بمواصلة زيارة القلعة والتعرف إليها بالتزامن مع استمرار عمليات الترميم.

وفي الوقت نفسه، تواصل القلعة أداء دور ثقافي وفني، إذ تستضيف حفلات موسيقية وعروض سينمائية في الهواء الطلق ومعارض وندوات وأنشطة للأطفال.

ومع اكتمال أعمال ترميم برج الخزانة، ستكون القلعة، التي تتمتع بوضع متحف، قد قطعت مرحلة إضافية مهمة في جهود الحفاظ عليها وضمان انتقال إرثها التاريخي إلى الأجيال المقبلة.

ويرى المرشد توران أوفلاز أن يدي كوله استعادت مكانتها باعتبارها «ختم إسطنبول»؛ فالكلمة العثمانية Mühür تعني الختم الذي كان السلاطين يستخدمونه لتوثيق مراسلاتهم.

ومن أعلى البوابة الذهبية يمكن، بحسب وصفه، مشاهدة إسطنبول الحديثة من جهة، ومواجهة صمت يمتد لنحو 1500 عام من الجهة الأخرى.

وهنا تكمن خصوصية يدي كوله: مكان واحد تتراكم فيه طبقات روما وبيزنطة والدولة العثمانية وإسطنبول الحديثة، حتى تبدو القلعة سجلاً حجرياً لذاكرة المدينة أكثر من كونها مجرد حصن قديم.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

الجزر اليونانية تتصدر وجهات صيف 2026
سياحة وسفر

الجزر اليونانية تتصدر وجهات صيف 2026

في ذروة موسم السفر الصيفي، تواصل الجزر اليونانية ترسيخ مكانتها كواحدة من أكثر الوجهات جذباً للسياح حول العالم. Experience the beauty and charm of…

منذ 3 months أوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.