تناول موقع “ذا كونفرسيشن” المشهد الإعلامي في العراق، وقال إنه شهد خلال العقود الماضية تحولاً جذرياً؛ فمن منظومة شديدة المركزية كانت الدولة تسيطر فيها على الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية، إلى فضاء واسع تتنافس داخله اليوم قوى سياسية ودينية ومسلحة، إلى جانب وسائل إعلام وصحفيين مستقلين.
وتنطلق الكاتبة جو أديتونجي في مقالها المنشور أمس الأربعاء من استخدام نظام صدام حسين السينما والإعلام في تقديم روايته عن العراق وعن نفسه، قبل أن ينتقل إلى السؤال الأوسع: من يملك اليوم القدرة على صياغة صورة العراق ورواية قصته؟
صدام والسينما.. بناء صورة سياسية
بعد توليه الرئاسة عام 1979، ارتبط اسم صدام حسين بإنتاج فيلم «الأيام الطويلة»، الذي أدى فيه ابن عمه صدام كامل دور صدام الشاب، وتناول مشاركته في محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم عام 1959.
وقدّم الفيلم صدام بصورة بطولية، من بينها مشهد يظهره وهو ينتزع رصاصة من ساقه بنفسه. لكن الصحفي والكاتب سعيد أبو الريش وصف هذه الرواية في سيرته عن صدام بأنها مبالغ فيها بدرجة كبيرة، مستنداً إلى طبيب قال إنه عالجه من إصابات سطحية فقط.
ويذكر أبو الريش أيضاً أن المخرج البريطاني تيرنس يونغ، الذي سبق أن أخرج فيلمي جيمس بوند «دكتور نو» و«من روسيا مع الحب»، استعان به النظام للمشاركة في تحرير الفيلم.
«المسألة الكبرى» وثورة العشرين
جاء بعد ذلك الفيلم التاريخي الضخم «المسألة الكبرى» (Clash of Loyalties) عام 1983، بتمويل عراقي، ليروي أحداث ثورة عام 1920 ضد الحكم البريطاني.
وترى كاتبة المقال أن المشروع سعى إلى إقامة رابط سياسي ورمزي بين حزب البعث والثوار العراقيين الذين واجهوا البريطانيين.
واستقطبت الميزانية الكبيرة ممثلين أجانب، أبرزهم البريطاني أوليفر ريد، الذي لعب دور ضابط استخبارات بريطاني. واشتهر ريد خلال التصوير بسلوك أثار مشكلات مع المسؤولين العراقيين، حتى إن بعضهم طالب بإبعاده عن البلاد.
وكان الطموح، وفق أحد المشاركين في الإنتاج، تأسيس صناعة سينمائية مدعومة من الدولة تنتج أفلاماً وطنية ضخمة موجهة أيضاً إلى الجمهور الدولي.
إعلام تحت سيطرة الدولة
لم يقتصر التحكم في الصورة على السينما. فقبيل الغزو الأميركي وسقوط نظام صدام حسين عام 2003، يقول المقال إن العراق لم يكن يضم سوى عدد محدود من الصحف ومحطات الإذاعة والقنوات التلفزيونية، وكانت جميعها خاضعة لسيطرة الدولة.
وتستشهد الكاتبة بمترجم عراقي رافقها خلال زيارتها للعراق، استعاد ذكرياته عن التلفزيون في طفولته، ولا سيما برنامج “كي لا ننسى” الذي كان يعرض مشاهد من الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988.
انفجار إعلامي بعد 2003
تغير المشهد بسرعة كبيرة بعد سقوط النظام.
فخلال عام واحد تقريباً، ظهرت عشرات المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية وأكثر من 200 صحيفة ومجلة، بحسب البيانات التي يستشهد بها المقال.
ولم تستمر جميع تلك المؤسسات؛ إذ اختفى عدد كبير منها خلال فترة قصيرة. لكن النموذج السابق القائم على احتكار الدولة للإعلام لم يعد.
ويشير المقال إلى وجود أكثر من 100 قناة تلفزيونية تبث اليوم بلغات عدة، بينها العربية والكردية والتركمانية والسريانية.

الأحزاب والمؤسسات الدينية والفصائل تدخل الإعلام
غير أن تعدد المؤسسات الإعلامية لم يؤدِ بالضرورة إلى نشوء فضاء مستقل بالكامل.
فقد طورت الأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية ومراكز نفوذ أخرى، بينها جماعات مسلحة، شبكاتها ومنصاتها الإعلامية الخاصة.
وتقدم الكاتبة مثالاً من زيارته إلى كربلاء خلال زيارة أربعينية الإمام الحسين في أغسطس/آب 2026، حيث اطلعت على النشاط الإعلامي لبعض المؤسسات الدينية الشيعية.
وتقول إنها زارت القسم الإعلامي في العتبة العباسية، حيث شاهدت أرشيفاً رقمياً واسعاً يضم أفلاماً ووثائقيات وبرامج حوارية ودينية.
وتشير إلى أن المحتوى الخاص بتغطية زيارة الأربعين تستخدمه عشرات القنوات التلفزيونية داخل العراق وخارجه، في مثال على الحجم الذي وصلت إليه المؤسسات الإعلامية المرتبطة بالمراكز الدينية.
التعدد لا يعني بالضرورة حرية أكبر
يخلص المقال إلى أن زيادة عدد وسائل الإعلام لا تعني تلقائياً زيادة الحقيقة أو حرية الصحافة.
وتستشهد الكاتبة جو أديتونجي بترتيب العراق في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن «مراسلون بلا حدود»، لتقول إن المشكلة لم تعد احتكار جهة واحدة للإعلام كما في عهد صدام، وإنما توزع القوة الإعلامية بين مراكز نفوذ متعددة ومتنافسة.
وبحسب المقال، يعكس هذا الواقع الإعلامي بنية السلطة الأوسع في العراق، حيث تتوزع القوة السياسية والأمنية بين مؤسسات الدولة والأحزاب والجماعات المسلحة والمؤسسات الدينية وغيرها.
من الاحتكار إلى التنافس على الرواية
الفرق الأساسي، وفق قراءة المقال، هو أن صدام حسين كان يسيطر على جهاز إعلامي مركزي يسعى إلى فرض رواية واحدة للدولة والسلطة، بينما أصبحت الساحة العراقية اليوم موطناً لعدد كبير من الروايات المتنافسة.
وتشمل هذه الأصوات الأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والجماعات المسلحة، إلى جانب الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المستقلة التي تحاول الحفاظ على مساحة لها داخل هذا المشهد.
وبذلك، فإن التحول الذي حدث بعد 2003 ليس مجرد انتقال من “إعلام مقيد” إلى “إعلام متعدد”، وإنما من احتكار مركزي للرواية إلى تعدد مراكز إنتاجها والتنافس عليها.
لكن الكاتبة تضع فاصلاً مهماً بين التعدد الإعلامي وحرية الإعلام: فوجود عشرات القنوات والمنصات يمنح الجمهور خيارات أكثر مما كان متاحاً في السابق، لكنه لا يعني بالضرورة أن المؤسسات الصحفية أصبحت أكثر استقلالاً عن القوى السياسية والدينية والمسلحة.
وهنا يبرز السؤال الذي يحاول المقال طرحه: بعد أن انتهى احتكار الدولة لرواية قصة العراق، من يروي هذه القصة اليوم، ومن يملك المنابر والموارد التي تجعل روايته أكثر حضوراً؟