في الذكرى الحادية عشرة لرحيله، نستعيد مسيرة الفنان المصري نور الشريف من زاوية مختلفة: ليس بوصفه نجماً كبيراً فقط، بل ممثلاً أدرك أن الشهرة تمنح صاحبها قوة، وأن قيمة هذه القوة تتحدد بالطريقة التي يستخدمها بها.
يرى مقال نشرته مجلة بوابة الشرق الفرنسية (po4or) أن مسيرة نور الشريف كانت مرتبطة بتحولات المجتمع المصري والعربي على مدى عقود. فقد اختار أدواراً لامست قضايا مثل القمع السياسي، والهزيمة، والانفتاح الاقتصادي، وتغير الطبقات الاجتماعية، والفساد، وفلسطين، والتطرف الديني، والصراع بين الفرد والسلطة أو المجتمع.
ولذلك، لم تكن شخصياته مجرد أدوار منفصلة، بل كثيراً ما كانت تعكس أزمات زمنها وتناقضاته.
من الكرنك إلى سواق الأتوبيس
يشير المقال إلى أن نور الشريف كان قادراً على بناء مسيرته كـ«نجم أول» تقليدي، لكنه اختار مراراً أدواراً أكثر تعقيداً.
في فيلم «الكرنك» عام 1975، دخل إلى عالم القمع السياسي وجراح جيل كامل، بينما تناول «أهل القمة» التحولات الاجتماعية التي رافقت سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر.
أما «سواق الأتوبيس» لعاطف الطيب، فقدم شخصية تتحول مشكلاتها الشخصية إلى انعكاس لتحولات اقتصادية وعائلية وأخلاقية أوسع، وكانت علاقته بعاطف الطيب من أهم الشراكات في مسيرته.
ناجي العلي.. الدور الذي تحول إلى موقف
يعتبر المقال فيلم «ناجي العلي» من أهم المفاتيح لفهم شخصية نور الشريف الفنية.
فهو لم يكتفِ بتجسيد شخصية رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، الذي اغتيل في لندن عام 1987، بل شارك أيضاً في إنتاج الفيلم.
وهنا تكمن أهمية التجربة، بحسب المقال: فقبول دور سياسي حساس هو قرار فني، لكن المشاركة في تمويل وصناعة العمل تعني أن الفنان يضع جزءاً من مكانته ونجوميته في خدمة مشروع قد يحمل مخاطر مهنية وسياسية.
الفيلم، الذي أخرجه عاطف الطيب وكتبه بشير الديك، تناول حياة ناجي العلي ونفيه وعلاقته بفلسطين وانتقاداته للأنظمة العربية، وأثار عند عرضه جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً.
مع يوسف شاهين.. من الذات إلى ابن رشد
تناول المقال أيضاً تعاون نور الشريف مع المخرج يوسف شاهين.
في «حدوتة مصرية» عام 1982، أدى شخصية يحيى شكري مراد، وهي الشخصية التي تمثل شاهين نفسه إلى حد كبير، ما تطلب من نور الشريف أن يدخل عالم المخرج الشخصي وأن يقلد إيقاعه وتناقضاته وطريقته في التعبير.
ثم عاد للتعاون معه بعد 15 عاماً في فيلم «المصير» عام 1997، حيث جسد شخصية الفيلسوف ابن رشد، في عمل يتمحور حول العقل في مواجهة التعصب والتطرف.
ويرى المقال أن تكرار هذه الأنماط عبر السنوات رسم خطاً واضحاً في مسيرته: إنسان في مواجهة القمع، فرد أمام التحولات الاقتصادية، فلسطيني ينتقد السلطة، فنان يراجع مجتمعه، وفيلسوف يدافع عن العقل.
التلفزيون لم يكن محطة أقل أهمية
يشدد المقال على أن فهم نور الشريف من خلال السينما الجادة وحدها سيكون ناقصاً، لأن التلفزيون كان جزءاً أساسياً من حضوره.
وشخصية عبد الغفور البرعي في “لن أعيش في جلباب أبي” رسخته بقوة في الذاكرة العربية، إذ لم تكن قصة صعود رجل من الفقر إلى الثراء فحسب، بل تناولت أيضاً العائلة والمال وصعود الطبقات والفجوة بين الآباء والأبناء.
كما قدم أعمالاً تلفزيونية بارزة مثل «عمر بن عبد العزيز» و«عائلة الحاج متولي» و«الدالي» و«الرحايا» و«عرفة البحر».
ويعتبر المقال أن قوته كانت في أنه لم يبنِ «عمقه» بعيداً عن الجمهور، بل بناه أمام ملايين المشاهدين.
الإنتاج منحه حرية أكبر
لم يكتفِ نور الشريف بالتمثيل، بل شارك في إنتاج أفلام عدة، منها «ضربة شمس» و«حبيبي دائماً» و«آخر الرجال المحترمين» و«ناجي العلي».
ويرى المقال أن دخوله مجال الإنتاج لم يكن مجرد توسع مالي، بل وسيلة لزيادة استقلاليته ومنحه قدرة أكبر على تحديد نوع الأعمال التي يريد أن يرتبط اسمه بها.
وبذلك انتقل من ممثل ينتظر ما يُعرض عليه، إلى فنان يستطيع أحياناً خلق الظروف التي تسمح للعمل نفسه بأن يرى النور.
النجم الذي لم يسمح للنجومية بابتلاعه
كان نور الشريف يمتلك كل صفات النجم العربي الكبير، لكنه لم يثبت نفسه في قالب واحد.
فقد لعب دور الشاب الرومانسي، ورجل الشارع، والمثقف، والأب، وصاحب النفوذ، والشخصية التاريخية، والرجل المهزوم أو الهش.
وبحسب المقال، فإن سر استمراره لم يكن فقط في عدد الأدوار، بل في قدرته المستمرة على تغيير الصورة التي كوّنها الجمهور عنه.
كما يقر الكاتب بأن مسيرته لم تكن كلها «مشروعاً فكرياً»، وأن فيها أعمالاً تجارية وخيارات متفاوتة المستوى، لكن قيمتها تظهر في اللحظات التي استخدم فيها نجاحه الشعبي للدفاع عن أعمال أكثر جرأة ومغامرة.
الوجه كمسؤولية
يصل المقال في نهايته إلى فكرته الأساسية: أن نور الشريف أدرك تدريجياً أن الوجه الذي يعرفه ملايين الناس لا يعود ملكاً لصاحبه وحده.
فالنجومية تمنح قوة، وهذه القوة تتحول إلى مسؤولية تجاه الشخصية، والجمهور، والعصر نفسه.
ولهذا لا يقيس المقال إرث نور الشريف بعدد أفلامه ومسلسلاته فقط، بل بالعلاقة التي بناها بين:
الشعبية والجدية، الشهرة والاختيار، التمثيل والوعي.
وخلاصة المقال أن بعض الفنانين يستخدمون الأدوار الكبيرة لبناء أسطورتهم، بينما فعل نور الشريف العكس أحياناً:
استخدم قوة أسطورته ونجوميته لكي يمنح بعض الأدوار الصعبة فرصة أن توجد أصلاً.









