هل تقترب واشنطن وطهران من صفقة تحت النار؟
زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني إلى طهران ساهمت في تقليص التباينات في بعض الملفات (وكالة تسنيم)
أفاد مسؤول إيراني رفيع بأن قدرًا من التقدم تحقق في الاتصالات مع الولايات المتحدة، رغم بقاء خلافات كبيرة بين الطرفين، وذلك مع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة الممتدة لأسبوعين في 22 أبريل/نيسان.
وقال المسؤول إن زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران ساهمت في تقليص التباينات في بعض الملفات، ورفعت الآمال بتمديد وقف إطلاق النار وعقد جولة جديدة من المحادثات، إلا أن الخلافات الجوهرية ما تزال قائمة، خصوصًا في الملف النووي.
وبحسب المسؤول الإيراني، فإن مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى مدة القيود النووية التي يفترض أن تقبل بها طهران، لا يزالان من أكثر القضايا تعقيدًا، ولم يُتوصل بعد إلى حل بشأنهما.
وفي المقابل، أشادت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت بالدور الباكستاني، ووصفت المحادثات مع إيران بأنها “منتجة”، مشيرة إلى أن الجولة المقبلة مرجح أن تُعقد مجددًا في إسلام آباد.
ووفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول إقليمي، فإن جوهر الخلاف يدور حول مطلب أميركي يقضي بأن تتوقف إيران عن التخصيب لمدة 20 عامًا، في حين تريد طهران الاحتفاظ بحق التخصيب ولو بمستوى معين، مع استعدادها لتعليق البرنامج لمدة خمس سنوات فقط. وتؤكد إيران باستمرار أن برنامجها النووي مدني، رغم اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لها بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي.
في غضون ذلك، لوّح الجيش الإيراني بإغلاق الممرات التجارية في البحر الأحمر والخليج وبحر عمان إذا واصلت الولايات المتحدة حصارها البحري للموانئ الإيرانية.
مفاوضات تتحرك ببطء.. وحصار يضغط بسرعة
أولًا: التقدم موجود.. لكنه لم يلامس العقدة الحقيقية بعد
المعطيات المتداولة من رويترز وأسوشيتد برس، إلى جانب أجواء التفاؤل الحذر في البيت الأبيض، تشير إلى أن قنوات التفاوض لم تُغلق، بل ربما استعادت شيئًا من الزخم بوساطة باكستانية واضحة. لكن هذا التقدم يبدو حتى الآن إجرائيًا أكثر منه جوهريًا.
فجوهر الخلاف لا يتعلق بتفاصيل ثانوية، بل بمسائل تمس قلب التوازن الاستراتيجي بين الطرفين:
- واشنطن تريد تجميدًا طويلًا للتخصيب يضمن إبعاد إيران عن العتبة النووية.
- طهران تريد الحفاظ على حق سيادي مبدئي في التخصيب، حتى لو قبلت بقيود مؤقتة.
وهنا تكمن المعضلة:
الولايات المتحدة تبحث عن ضمانات بعيدة المدى، بينما تسعى إيران إلى تقييد زمني أقصر لا يُفرغ مشروعها النووي من مضمونه السياسي والتقني.

ثانيًا: المفاوضات لا تتحرك في بيئة دبلوماسية هادئة.. بل تحت ضغط الخنق
في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن اقتراب اتفاق إطار أو احتمال تمديد الهدنة، تكشف الوقائع أن التفاوض لا يجري في مناخ تهدئة حقيقية، بل تحت ضغط مزدوج:
- ضغط عسكري
- وضغط اقتصادي
فواشنطن، وفق تحليل شبكة سي إن إن الأميركية، انتقلت من الحرب الحركية إلى الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري، في محاولة لفرض ما عجزت القوة العسكرية عن فرضه سريعًا. الفكرة الأميركية بسيطة في ظاهرها:
إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها واستيراد احتياجاتها الأساسية، فإنها ستواجه اختناقًا ماليًا ومعيشيًا يدفعها في النهاية إلى القبول بالشروط الأميركية.
لكن هذا الرهان، رغم وجاهته النظرية، ينطوي على مخاطرة سياسية واستراتيجية كبيرة.
ثالثًا: طهران قد ترد بمنطق البقاء
تحذير سي إن إن هنا مهم للغاية. فالمقاربة الأميركية تفترض أن إيران ستتصرف وفق حسابات “منطقية” من منظور اقتصادي:
خسائر أكبر تعني تنازلات أسرع.
غير أن تجربة الشرق الأوسط، كما يشير التحليل، تقول إن هذا الافتراض ليس مضمونًا. دول وأنظمة كثيرة في المنطقة، بل وحتى قوى كبرى خارجها، أظهرت استعدادًا لتحمّل خسائر بشرية واقتصادية هائلة إذا كان البديل هو تراجع استراتيجي يُهدد بقاء النظام أو صورته.
ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: هل سيتألم الاقتصاد الإيراني؟
بل: هل سيترجم هذا الألم إلى تنازل سياسي؟
حتى الآن، لا يوجد ما يضمن ذلك. فطهران قد ترى أن التراجع في ملف التخصيب أو الصواريخ تحت ضغط الحصار سيُقرأ داخليًا وخارجيًا باعتباره هزيمة سياسية لا مجرد تسوية تقنية.
رابعًا: الحصار الأميركي
بحسب موقع أكسيوس، فإن الولايات المتحدة تعتقد أن الحصار البحري قادر على تصفير صادرات النفط الإيرانية تقريبًا، وهو ما يعني حرمان طهران من عشرات أو مئات ملايين الدولارات يوميًا، مع احتمال توقف الإنتاج لاحقًا بسبب امتلاء مرافق التخزين.
هذا السيناريو، إن تحقق، سيضع إيران تحت ضغط هائل. لكن المشكلة أن النفط الإيراني ليس شأنًا إيرانيًا خالصًا. فكل اضطراب واسع في الخليج، ومضيق هرمز تحديدًا، ينعكس على:
- أسعار النفط
- أسواق الغاز
- سلاسل الإمداد
- اقتصادات آسيا وأوروبا
بمعنى آخر، الحصار سلاح فعال لكنه غير معزول الأثر. وكلما طال أمده، ارتفعت كلفته ليس على إيران فقط، بل على الاقتصاد العالمي أيضًا.
خامسًا: من التفاوض على النووي إلى تهديد التجارة العالمية
أخطر ما في المشهد أن إيران لا تكتفي بالرد السياسي، بل تلوّح بتوسيع ساحة الأزمة إلى الممرات البحرية الإقليمية. التهديد بإغلاق طرق التجارة في البحر الأحمر والخليج وبحر عمان يعني أن أي تعثر في المفاوضات قد يتحول من أزمة نووية إلى أزمة طاقة ونقل دولية.
وهنا يتضح أن الصراع لم يعد فقط حول:
- عدد سنوات وقف التخصيب
- أو مستوى اليورانيوم المسموح به
بل بات أيضًا يتعلق بمن يملك القدرة على رفع كلفة الصراع على العالم كله.
فالولايات المتحدة تستخدم الحصار لخنق إيران، وإيران تهدد بإظهار أن خنقها لن يمر من دون اختناق أوسع للأسواق والملاحة الدولية.
سادسًا: التفاؤل الأميركي مفهوم.. لكنه ما يزال سابقًا لأوانه
أجواء البيت الأبيض، كما تعكسها تصريحات ليفيت، تميل إلى التفاؤل، وربما تستند إلى قناعة بأن الحصار بدأ يعطي مفعوله، وأن الوساطة الباكستانية فتحت ثغرة سياسية يمكن البناء عليها.
لكن التفاؤل لا يغيّر حقيقة أن الفجوة بين 20 سنة وخمس سنوات ليست تفصيلًا فنيًا، بل تعبير عن هوة عميقة في فهم كل طرف لماهية التسوية المقبولة:
- واشنطن تريد اتفاقًا يضمن تغييرًا استراتيجيًا طويل الأمد
- طهران تريد اتفاقًا لا يسلبها أوراق قوتها الأساسية
ولهذا فإن الحديث عن “تقدم” صحيح، لكن الحديث عن اختراق حاسم ما يزال مبكرًا.
المشهد الحالي يوحي بأن المفاوضات تتحرك، لكنها لم تتجاوز بعد العقدة النووية الأساسية. في المقابل، يتصاعد رهان الحصار الأميركي بوصفه أداة ضغط لانتزاع تنازلات أسرع من طهران.
غير أن هذا الرهان يحمل مفارقة واضحة:
فكلما ازداد الضغط على إيران، ارتفعت احتمالات التصعيد الإقليمي، سواء عبر تهديد الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر، أو عبر اتساع دائرة التوتر مع قوى دولية متضررة من اضطراب الطاقة.
لذلك، فإن السؤال الأهم الآن ليس فقط ما إذا كانت المفاوضات ستستأنف في إسلام آباد، بل ما إذا كان الطرفان قادرين على تحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار سياسي مستدام قبل أن يتحول الحصار إلى شرارة أزمة أكبر.
هناك تقدم دبلوماسي، نعم.
لكن الفجوة لا تزال عميقة، والوقت يضيق، والحصار قد يكون أداة ضغط فعالة… أو مدخلًا إلى انفجار أوسع.