رغم صعود الصين اقتصادياً وتصاعد الدعوات العالمية لتقليل الاعتماد على الدولار، لا تزال العملة الأميركية تحتفظ بمكانتها باعتبارها العمود الفقري للنظام المالي العالمي.
لكن هل يمكن أن يتراجع هذا النفوذ؟ في كتابه الجديد “النقود عبر الحدود: تاريخ العملات العالمية من كرويسوس إلى العملات المشفرة”، يقدم المؤرخ الاقتصادي البارز باري آيكنغرين قراءة تاريخية لمسار العملات المهيمنة عبر آلاف السنين، ليخلص إلى أن هيمنة الدولار ليست أبدية، لكنها أيضاً لن تنتهي بين ليلة وضحاها.
هيمنة العملات ليست جديدة في التاريخ
يستعرض الكتاب تاريخ العملات الدولية منذ اليونان القديمة، موضحاً أن العالم اعتاد عبر العصور على وجود عملة مهيمنة تسهّل التجارة الدولية.
ومن أبرز المحطات التاريخية:
- عملة “البومة” الأثينية كانت أول عملة اكتسبت انتشاراً دولياً بفضل ثبات وزنها ونقاوتها، إلى جانب مكانة أثينا التجارية.
- الدينار الروماني ظل عملة واسعة الاستخدام داخل الإمبراطورية الرومانية وخارجها.
- الصوليدوس البيزنطي هيمن على التجارة بين أوروبا وآسيا لقرون.
- خلال عصر النهضة، أصبحت الفلورين الذهبية لمدينة فلورنسا العملة المفضلة بفضل ازدهارها المالي والمصرفي.
- ثم جاءت الريال الإسباني ليصبح أول عملة ذات انتشار عالمي حقيقي، قبل أن ينتقل الثقل إلى الغيلدر الهولندي مع صعود أمستردام كمركز مالي عالمي.
- وفي القرن الثامن عشر، ورث الجنيه الإسترليني هذه المكانة مع اتساع الإمبراطورية البريطانية وتحول لندن إلى العاصمة المالية للعالم.
ويلاحظ المؤلف أن جميع هذه العملات اشتركت في سمات متشابهة، أبرزها:
- قوة الاقتصاد.
- الاستقرار السياسي.
- الثقة بالمؤسسات.
- ازدهار التجارة الدولية.
- النفوذ الجيوسياسي.
-

صعود الدولار بدأ فعلياً بعد إنشاء الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عام 1913
كيف أصبح الدولار سيد النظام المالي؟
يرى آيكنغرين أن صعود الدولار بدأ فعلياً بعد إنشاء الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عام 1913، ثم تسارع بعد الحرب العالمية الأولى مع تراجع النفوذ البريطاني.
أما نقطة التحول الكبرى فجاءت في اتفاقية بريتون وودز عام 1944، حين رُبط الذهب بالدولار، وربطت معظم العملات العالمية بالدولار، مما رسّخ مكانته كعملة الاحتياط الأولى في العالم.
واليوم لا يزال الدولار يتمتع بأرقام يصعب منافستها:
- يدخل في نحو 90% من معاملات سوق العملات الأجنبية.
- يشكل الحصة الأكبر من احتياطيات البنوك المركزية حول العالم.
- يُستخدم في نحو 40% من التجارة العالمية.
“الامتياز الباهظ”.. المكسب الأكبر لواشنطن
يصف المؤلف مكانة الدولار بأنها تمنح الولايات المتحدة ما يسمى “الامتياز الباهظ”.
ويتمثل هذا الامتياز في أن:
- الحكومات والمستثمرين حول العالم يقبلون على شراء السندات الأميركية.
- تستطيع الحكومة الأميركية الاقتراض بفوائد أقل من معظم الدول.
- يحافظ الدولار على قوته بفضل الطلب العالمي المستمر عليه.
لكن لهذه القوة جانباً سلبياً أيضاً؛ إذ يجعل الدولار القوي الصادرات الأميركية أعلى سعراً وأقل قدرة على المنافسة، في حين تصبح الواردات أرخص للمستهلك الأميركي.
العقوبات الأميركية دفعت العالم لإعادة التفكير
يشير الكتاب إلى أن العقوبات المالية التي فرضتها واشنطن على روسيا بعد حربها على أوكرانيا عام 2022 دفعت العديد من الدول إلى التفكير في تقليل اعتمادها على الدولار.
ويقول المؤلف إن استبعاد روسيا من النظام المالي العالمي أثار تساؤلات لدى دول أخرى حول مخاطر الاعتماد المفرط على العملة الأميركية، خاصة إذا دخلت مستقبلاً في خلافات مع الولايات المتحدة.
هل يستطيع اليورو أو اليوان الحلول محل الدولار؟
رغم الحديث المتكرر عن نهاية هيمنة الدولار، يرى آيكنغرين أن أياً من المنافسين الحاليين لا يملك المقومات الكافية.
اليورو
يبقى ثاني أهم عملة دولية، لكنه يعاني من انقسام سوق السندات بين دول منطقة اليورو، ما يحد من قدرته على منافسة الدولار.
اليوان الصيني
رغم قوة الاقتصاد الصيني، لا يزال يعاني من:
- قيود على حركة رؤوس الأموال.
- تدخل حكومي واسع.
- محدودية استقلالية البنك المركزي.
وهي عوامل تقلل ثقة المستثمرين العالميين.
العملات المشفرة
يرى المؤلف أنها لم تتحول فعلياً إلى عملات تستخدم في الحياة اليومية، بل ما تزال أدوات استثمار عالية التقلب أكثر منها وسيلة للدفع.
لماذا تستمر العملات المهيمنة لفترات طويلة؟
من أهم استنتاجات الكتاب أن العملات الدولية لا تفقد مكانتها بمجرد تراجع القوة الاقتصادية للدولة التي تصدرها.
فالتاريخ يبين أن العملات المهيمنة غالباً ما تواصل سيطرتها لعقود، وأحياناً لقرون، بعد تراجع النفوذ السياسي أو الاقتصادي للدول التي أصدرتها، لأن الثقة والبنية المالية العالمية تتغيران ببطء شديد.
الخلاصة
يخلص باري آيكنغرين إلى أن هيمنة الدولار ليست أبدية، لكنها أيضاً ليست على وشك الانتهاء.
فحتى مع صعود الصين وتزايد الحديث عن نظام مالي متعدد العملات، لا يرى المؤلف أن هناك عملة تمتلك حالياً القدرة على وراثة الدولار. ولهذا يصفه بعبارة لافتة:
“الدولار سيبقى، لبعض الوقت على الأقل، أنظف قميص متسخ في الخزانة.”
أي أنه قد لا يكون العملة المثالية، لكنه لا يزال الخيار الأكثر ثقة مقارنة بجميع البدائل المطروحة.









