أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
عمارة وديكور

أربعة أسماء وعمارة واحدة.. ما حكاية المبنى الدائري في شارع الرشيد؟ 

أربعة أسماء وعمارة واحدة.. ما حكاية المبنى الدائري في شارع الرشيد؟ 

سعدون الجنابي/ مترجم وباحث وكاتب عراقي

في قلب شارع الرشيد، حيث تتزاحم واجهات المحال القديمة وتتشابك ذاكرة بغداد مع ضجيج الشورجة، ترتفع عمارة بيضاء لا تخطئها العين. قاعدة مربعة تعلوها طوابق دائرية، كأن مهندسها أراد أن يضع قطعة من بغداد المدورة فوق أكثر شوارع العاصمة ازدحاماً.

كان ذلك في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين كانت بغداد تعيش اندفاعاً نحو الحداثة، وتعيد رسم ملامحها العمرانية. هناك قرر عبود لطيف طبارة، صاحب معمل سجائر غازي، أن يشيد عمارة تحمل اسمه، فاستعان باثنين من أبرز المعماريين العراقيين في تلك المرحلة، عبد الله إحسان ورفعت الجادرجي.

أبدع المهندس عبد الله إحسان في تصميم العمارة، ونجح مع المهندس رفعت الجادرجي في تنفيذها بأبهى صورة، فأتمّا بناءها وافتُتحت رسمياً عام 1959. صُمِّمَت البناية من جزأين: السفلي مربع متساوي الأضلاع، والعلوي دائري. وقام ببنائها “خلفات” وأسطوات بغداد من مختلف المناطق، ولا سيما منطقة الفضل.

وكان الأسطوات -وهم يرتقون من طابق إلى آخر مع ارتفاع الطوابق العليا- يبدون للمارة في شارع الرشيد بمنطقة الشورجة كأنهم يمسكون سقف السماء، أو يحلقون في أجوائها كالطيور!

لقطة لطيف العاني
وممن ساهم في إشاعة أهمية العمارة وتصميمها الهندسي، المصور الفوتوغرافي الرائد الراحل لطيف العاني، الذي وثّقها بعدستِهِ عام 1959 عقب إنجازها وافتتاحها رسمياً؛ إذ صوّرها برؤية تعكس الفكر التصميمي الذي ذهب إليه المهندسان.

وقد حظيت صورته بتقدير إيجابي كبير من الفنانين والمصورين الفوتوغرافيين والمثقفين والصحفيين العراقيين، كما نالت العمارة بتصميمها الفذ اهتمام المهندسين والمعماريين العراقيين والعرب والأجانب، وبخاصة الخبراء الهندسيين الأجانب، كما سنعرض لاحقاً.

ومما يُذكر أن المصور الفوتوغرافي البارع هيثم فتح الله عزيزة، صاحب مطبعة الأديب البغدادية -والذي طبع الطبعة الأولى من كتابي “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد” عام 2019 عن مشاهداتي لمعالم الشارع في الخمسينيات، ثم طبع الطبعة الثانية المنقحة والمزيدة عام 2025- هو من اقترح استخدام صورة الرائد الراحل لطيف العاني غلافاً للكتاب؛ لأني كنت أبحث عن صورة بغدادية فنية لم تُستخدم سابقاً غلافاً لأي كتاب. فاتصل أخي هيثم بصديقنا المشترك لطيف العاني وطلب منه الإذن والموافقة على استخدام صورة عمارة عبود، فوافق لطيف بلا تردد.

وهنا نصل إلى رمزية تصميم العمارة؛ إذ أنقل ما علمته من أخي لطيف العاني -رحمه الله- أنه سمع من المصمم المهندس عبد الله إحسان أن الجزء العلوي المدور يرمز إلى تصميم مدينة بغداد المدورة، وهو رأيٌ قرأته أيضاً ضمن ما كُتب عنها من قِبَل مهندسين ومقاولين معظمهُم داخل العراق وخارجه.

وأضاف أخي لطيف -رحمه الله- أنه رغم أن المصمم المهندس الراحل عبد الله إحسان صمم الجزء العلوي مدوراً ليتناغم مع منارة جامع مرجان القريبة جداً من العمارة، ولكي يتناغم أيضاً مع تصميم مصرف الرافدين المدور المقابل للجامع والعمارة، فقد تحقّق بذلك هندسياً التناغم الحرفي العالي للناظرين عند الإنجاز.

التكاملية في الصورة
وقد نجح الراحل لطيف العاني في تجسيد كل هذه الأفكار بصورة رائعة؛ جسّد فيها الجزء السفلي المدور لعمارة مصرف الرافدين، ومنارة جامع مرجان وقبابه المدورة، مع عمارة عبود المدورة، لتتحقق التكاملية في الصورة التي أصبحت غلافاً للطبعة الأولى من كتابي “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد” عام 2019.

والمفرح أنني تابعت المادة المصورة في الفيديوهات التلفزيونية عن شارع الرشيد، ولاحظت أن مصوري التلفزيون العراقي والعربي والعالمي، عند تصويرهم عمارة عبود، يستخدمون الزاوية نفسها لإظهار إبداع المصمم العراقي. بل إن خبراء الهندسة في المتحف البريطاني اختاروا لقطة الراحل لطيف العاني ملصقاً (بوستراً) لندوتهم الهامة عن استخدامات الأشكال الهندسية في التصاميم العمرانية الإبداعية.

رسم إنفوجرافيك يوثق التصميم المعماري لعمارة عبود الشهيرة في بغداد وتاريخها وأسماءها المختلفة منذ عام ١٩٥٩.

عمارة مسّها الجنّ فعدّد أسماءها…

والأغرب أن هذه العمارة أسماها البغاددة بعدة أسماء؛ بل إن البعض تناقش معي عند نشر كتابي حول اسمها الحقيقي الذي وثقته، وحاججوني بأن اسمها ليس “عمارة عبود”. وأقول للجميع: إن الأصل هو أن الأرض والعمارة يعود ملكيتهما إلى عبود طبارة، صاحب معمل سجائر غازي ذي العلبة المربعة، وكان مقر المعمل في منطقة العبخانة؛ أي إن اسمها الأصلي هو: عمارة عبود.

بعد وفاة عبود ورثتها ابنته “أدفيش عبود”، ولأنها كانت تروم الهجرة إلى المملكة المتحدة، باعتها إلى هاشم البهبهاني؛ لذا سماها بعض البغاددة “عمارة البهبهاني”، وتناسوا اسم عمارة عبود. وبعد فترة، عزم البهبهاني أمره على شراء عمارة العطور المجاورة لعمارة عبود لكونها عمارة مستقيمة البناء، فباع عمارة عبود إلى الحاج إبراهيم سعد وأولاده، فبدأنا نرى البعض يطلق عليها “عمارة سعد وأولاده”… وتناسوا أيضاً اسم عمارة عبود.

وبعد ذلك، قام الحاج سعد ببيع العمارة إلى عبد العزيز الذكير -المالك الأخير وهو من تجار البصرة- فأخذ البعض يتداول اسم العمارة على أنها “عمارة الذكير”. والأصل أن اسم العمارة في ذاكرة البغاددة ووثائق أمانة العاصمة (أمانة بغداد) ووزارة البلديات، وما ذكرته في كتابي، هو عمارة عبود… وستبقى للأبد عمارة عبود.

أخيراً، يُذكر أن البعض ادّعى أن اسم العمارة هو “عمارة الدامرجي”… وأقول لهم: هذا كلام غير صحيح؛ بل إن أحد أبناء الدامرجي كنتُ وإياه مدعويْنِ إلى عشاء أقامته السفارة العراقية في العاصمة واشنطن قبل عام، وكان كتابي في المراحل الأخيرة ليصبح جاهزاً للطبعة الثانية المنقحة والمزيدة.

وكان معنا السيد القنصل العراقي الدبلوماسي الصديق علي الجاف، وذكر حينها أن كتاب سعدون الجنابي سيصدر بالطبعة الثانية. فأراد ابن الدامرجي اختباري وسألني عن اسم العمارة نفسها مدار حديثنا، فقلت له: “عمارة عبود”. فقال لي مازحاً: “يعني ليست عمارة الدامرجي؟”، فأجبته: “نحن البغاددة نقول: قابل بيتكم عمارة الدامرجي! إجابتي لك: كلا.. لأن عمارة الدامرجي تقع في نهاية يسار شارع السموأل المقابل لجامع مرجان قبل شارع النهر”. فضحك وقال للحضور: “يا جماعة، الأخ سعدون طلع فعلاً بغدادي أصلي!”. وأنا وثّقت هذه الحادثة في كتابي “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد” الطبعة الثانية المنقحة والمزيدة.

أما كيف فسر أصحاب الاختصاص من المهندسين والمعماريين والخبراء الأجانب تصميم عمارة عبود المربعة والمدورة، فأعيد ما ذكره لي الراحل الكبير الأستاذ لطيف العاني؛ إذ قال لي:

“في شهر آذار/ مارس 2021، أصبحت الصورة التي التقطتها عام 1959 لعمارة عبود مادة للبحث الأكاديمي، خاصة فيما يخص التصميم الهندسي وعمارة البيئة وتأثير ذلك على التطور الحضاري للبلد.

واختاروا تلك اللقطة لتكون الملصق الرسمي لندوة تدرس التصاميم العمرانية في الشرق الأوسط والعالم، مستندين إلى حقيقة أن ذلك التأثير يتضاعف إذا كان للبلد حضور معماري هائل وبصمة في الإرث الحضاري والأثري المعماري.

ودرسوا هندسة تصاميم عماراتها الحديثة المشيدة في عواصم عدد من دول المنطقة عبر مرحلتين: تحت السيطرة الاستعمارية ومرحلة الاستقلال. واختاروا للدراسة دولاً مثل: مصر، وإيران، وأمريكا، والعراق، ودولاً آسيوية وأفريقية أخرى كالهند وغانا. وتركز البحث تحديداً على دولتين: إيران والعراق.”

وللرصيد التراثي الهائل للعراق قبل مرحلة الاستعمار البريطاني وبعد استقلاله، ودراستهم لعشرات المعالم في وسط بغداد وشارع الرشيد من عمارات متعددة، لم يتردد منظمو الندوة التي عُقدت في أهم متحف بالعاصمة البريطانية لندن (متحف التيت غاليري) من اختيار عمارة عبود في شارع الرشيد بمنطقة الشورجة وسط بغداد؛ باعتبار تصميم العمارة علامة بارزة على علو كعب المهندس العراقي في التصميم المعماري، وانعكاساً للتطور الحضاري والتقدم العلمي في حداثة هندسة العمارة بالعراق.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

كيف تعيد المياه رسم مدن المستقبل؟
عمارة وديكور

كيف تعيد المياه رسم مدن المستقبل؟

مع اشتداد موجات الحر والفيضانات والجفاف، لم تعد المياه في المدن مجرد مشكلة تتولاها شبكات الصرف والمهندسون. مقال نشره موقع «آرك ديلي» المتخصص في…

منذ 3 weeksأوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.