بانتهاء مهمة التحالف الدولي وخروج آخر القوات الأميركية من العراق، تُطوى صفحة عسكرية امتدت، بصور مختلفة، لأكثر من عقدين منذ غزو عام 2003. لكن مغادرة الجنود لا تعني بالضرورة انتهاء الصراع على شكل الدولة العراقية؛ إذ تنتقل الأسئلة من وجود القوات الأجنبية إلى قدرة بغداد على ضبط السلاح، ومنع عودة تنظيم داعش، وإدارة علاقتها المعقدة مع إيران والولايات المتحدة، وسط مخاوف أمنية خاصة في إقليم كردستان العراق.
وفيما تصف الحكومة العراقية الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2026 بأنه بداية مرحلة جديدة عنوانها السيادة وقوة مؤسسات الدولة ووحدة القرار، ترى قراءات غربية أن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل تستطيع بغداد تحويل انتهاء الوجود العسكري للتحالف إلى سيادة فعلية للدولة على القرار الأمني والسلاح؟
نهاية مهمة استمرت 12 عاماً
أعلنت الولايات المتحدة والتحالف الدولي رسمياً، الأربعاء، انتهاء عملية «العزم الصلب» في العراق، بعد 12 عاماً من المهمة التي بدأت عام 2014، عندما اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية مساحات واسعة من العراق وسوريا.
وكانت القوات الأميركية قد غادرت العراق نهاية عام 2011 بعد الغزو والاحتلال الذي بدأ عام 2003، لكنها عادت عام 2014 ضمن تحالف دولي بطلب من السلطات العراقية لمواجهة التنظيم.
ومع خسارة التنظيم سيطرته الإقليمية وتحوله إلى خلايا متفرقة، اتفقت بغداد وواشنطن عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف تدريجياً. وأكد البنتاغون أن مغادرة القوات والمعدات قاعدة أربيل الجوية تمثل الانتقال من مهمة عسكرية للتحالف إلى جهد أمني تقوده القوات العراقية.
لكن انتهاء المهمة العسكرية لا يعني قطع التعاون الأمني بين البلدين. فالولايات المتحدة تقول إنها ستواصل تقديم التدريب المحدد والدعم الاستخباراتي للقوات العراقية، فيما تنتقل العلاقة الأمنية إلى صيغة ثنائية أكثر اعتيادية.

بغداد: مرحلة السيادة الكاملة
قدمت الحكومة العراقية الحدث من زاوية مختلفة تركز على استعادة القرار الوطني.
وقال رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، خلال مراسم انتهاء مهمة التحالف، إن العراق يدخل مرحلة تقوم على «سيادة العراق، وقوة مؤسساته، وجاهزية قواته، ووحدة قراره، والشراكات المتوازنة مع أصدقائه».
كما شدد على مبدأ بالغ الأهمية بالنسبة إلى المرحلة المقبلة: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة».
وبذلك تربط الحكومة بين ملفين: انتهاء الوجود العسكري الأجنبي من جهة، وحصر السلاح بيد الدولة من جهة أخرى.
السلاح.. الاختبار التالي
وهنا تبدأ، بحسب الإيكونوميست، ما يمكن وصفه بـ”المعركة الجديدة من أجل العراق”.
فالمجلة ترى أن تنظيم داعش لم يعد يمثل القوة العسكرية التي كان عليها في 2014، بينما أصبحت قضية الجماعات المسلحة المقربة من إيران أحد أبرز التحديات أمام الحكومة العراقية.
وكانت بغداد قد ربطت في مرحلة سابقة موعد 30 سبتمبر/أيلول بعملية نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة فعلياً لقرار الدولة. لكن وكالة أسوشيتد برس تقول إن عدداً محدوداً من الفصائل الأقل نفوذاً وافق على تسليم أسلحته، في حين رفضت جماعات أكثر قوة التخلي عن ترسانتها أو وضعت شروطاً لذلك. وتقول الوكالة إن الموعد المتعلق بعملية نزع السلاح أصبح يمتد حتى يونيو/حزيران 2027.
لذلك قد يكون التحدي بالنسبة إلى بغداد أصعب من مجرد إخراج القوات الأجنبية: هل تستطيع الدولة تطبيق مبدأ حصر السلاح بمؤسساتها على جميع القوى من دون استثناء؟
إيران حاضرة في المعادلة
تركز الإيكونوميست وواشنطن بوست بصورة خاصة على ما سيعنيه الانسحاب بالنسبة إلى النفوذ الإيراني.
وترى واشنطن بوست أن خروج القوات الأميركية قد يغير توازن القوى داخل العراق لمصلحة طهران، بالنظر إلى العلاقات التي بنتها إيران على مدى سنوات مع قوى سياسية وفصائل مسلحة عراقية. لكن هذا يبقى تقديراً تحليلياً للصحيفة وليس نتيجة محسومة للانسحاب.
وتشير الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة تعتبر التعامل مع الفصائل المتحالفة مع إيران بعد انسحابها مسؤولية عراقية في المقام الأول، بينما ترى الإيكونوميست أن طهران لن تتخلى بسهولة عن النفوذ الذي راكمته داخل العراق.
في المقابل، لا يعني خروج القوات الأميركية انتهاء العلاقة العراقية-الأميركية، إذ تقول واشنطن إن التعاون سيستمر في مجالات مكافحة الإرهاب والتدريب والاستخبارات، إلى جانب العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية.
الفصائل تحتفل.. لكنها لا تعد بالتخلي عن السلاح
بالنسبة إلى الفصائل العراقية، يمثل خروج القوات الأميركية تحقيقاً لمطلب رفعته منذ سنوات.
ونقلت أسوشيتد برس عن مسؤول أمني في كتائب حزب الله وصفه الانسحاب بأنه بداية لـ«السيادة الكاملة». لكن التصريحات الصادرة عن بعض الجماعات تكشف في الوقت نفسه عن خلاف محتمل مع الحكومة حول الخطوة التالية، أي مستقبل أسلحتها.
وهذه المفارقة قد تصبح واحدة من أهم قضايا مرحلة ما بعد التحالف: فالقوى التي طالبت بخروج القوات الأجنبية تحت شعار السيادة ستواجه الآن سؤالاً داخلياً عن معنى السيادة نفسها، وما إذا كانت تستوجب خضوع جميع الأسلحة والقرارات العسكرية لسلطة الحكومة.

قلق مختلف في كردستان العراق
لكن صورة الانسحاب ليست واحدة في جميع أنحاء العراق.
ففي إقليم كردستان العراق، برزت مخاوف مرتبطة بالفراغ الذي قد تتركه القوات الأميركية، ولا سيما بعد سحب أنظمة الدفاع الجوي الأميركية.
وقالت وزارة البيشمركة، بحسب أسوشيتد برس، إن الإقليم تعرض لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة خلال الصراع الأميركي-الإيراني الأخير، معتبرة أن خروج القوات الأميركية في الظروف الإقليمية الحالية من دون توفير منظومة دفاع يمثل مصدر قلق.
ومن هنا يظهر اختلاف في النظرة إلى الحدث: ففي حين ترى بغداد فيه انتقالاً إلى السيادة الكاملة وتحتفل به الفصائل المقربة من إيران باعتباره نهاية للوجود الأميركي، ينظر إليه بعض المسؤولين الأكراد من زاوية المخاطر الأمنية التي قد تظهر بعد المغادرة.
ماذا عن داعش؟
تؤكد وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أن تنظيم داعش لم يعد «تهديداً عسكرياً منظماً» كما كان في السابق، لكنه لم يختف تماماً.
ولهذا ستبقى القوات الأمنية العراقية والبيشمركة مسؤولة عن ملاحقة خلاياه ومنعه من إعادة بناء نفسه، بينما ستواصل الولايات المتحدة تقديم بعض أشكال التدريب والدعم الاستخباراتي.
وتشير واشنطن بوست إلى أن جزءاً من النشاط الأميركي المرتبط بمكافحة التنظيم سينتقل إلى الأردن، حيث ستتركز عمليات المتابعة الأميركية بعد الانسحاب من العراق.
وهذا يعني أن ما انتهى في 30 سبتمبر ليس الحرب الدولية على تنظيم الدولة بحد ذاتها، وإنما الوجود العسكري للتحالف داخل العراق بصيغته السابقة.
من معركة الوجود الأجنبي إلى معركة الدولة
يحمل خروج القوات الأميركية دلالة رمزية وسياسية كبيرة بالنسبة إلى العراق، لكنه لا يقدم إجابات تلقائية عن المشكلات التي تراكمت خلال أكثر من عقدين.
فالتحدي الذي يبدأ بعد 30 سبتمبر/أيلول ليس فقط منع عودة تنظيم داعش، وإنما تحديد من يمتلك قرار الحرب والسلم داخل العراق، ومن يسيطر على السلاح، وكيف ستوازن بغداد علاقاتها بين واشنطن وطهران، وكيف ستحمي أراضيها من امتداد الصراعات الإقليمية إليها.
ولهذا تختلف قراءة الحدث باختلاف الزاوية: الحكومة العراقية تصفه بانتقال نحو السيادة والمسؤولية الأمنية الكاملة؛ البنتاغون يراه انتقالاً من مهمة حرب إلى شراكة أمنية ثنائية؛ الفصائل المتحالفة مع إيران تحتفل بنهاية الوجود العسكري الأميركي؛ فيما تحذر قراءات غربية ومسؤولون أكراد من مخاطر أمنية وسياسية محتملة.
وبعد أكثر من عقدين كان فيهما السؤال العراقي يدور مراراً حول وجود القوات الأجنبية، قد يصبح السؤال الأهم في المرحلة المقبلة أكثر داخلية:
هل تستطيع الدولة العراقية أن تجعل نهاية مهمة التحالف بداية لسيادة مؤسساتها على جميع القوى والسلاح والقرار الأمني؟