أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
ثقافة وفن

بيدر البصري.. حين لم تعد المسافة بين العرب والغرب حاجزاً

بيدر البصري.. حين لم تعد المسافة بين العرب والغرب حاجزاً
بيدر البصري حملت التراث العربي من دون اختزاله في الفولكلور

لم تسلك مغنية الأوبرا العراقية بيدر البصري الطريق الأقصر للوصول إلى الجمهور، ولم تبحث عن الشهرة عبر المسار الأكثر سهولة. اختارت طريقاً أصعب، تكون فيه الموهبة وحدها غير كافية، ولا يُنتزع فيه المكان إلا بالتدريب والدقة والانضباط.

هكذا تقدم مجلة بوابة الشرق الفرنسية تجربة بيدر البصري، وهي ابنة الملحن العراقي الراحل حميد البصري والفنانة شوقية العطار،: فنانة وقفت في المسافة الفاصلة بين الموسيقى العربية والغربية، لكنها لم تتعامل معها باعتبارها حدوداً ينبغي عبورها، بل حولتها إلى مساحة فنية خاصة بها.


من دمشق إلى لاهاي

بدأت البصري دراستها للغناء الأوبرالي في دمشق، قبل أن تواصل تدريبها في المعهد الملكي للموسيقى في لاهاي بهولندا.

كان بإمكانها أن تجعل من هذا التعليم الغربي محطة نهائية، وأن تندمج بالكامل في القواعد الموسيقية الجديدة، أو أن تسلك الطريق المعاكس وتبقى داخل الأغنية العربية، مخاطبة جمهوراً يعرف مسبقاً مفرداتها وأسماءها وتراثها.

لكنها لم تفعل هذا ولا ذاك.

تعلمت تقنيات الغناء الكلاسيكي الغربي، من دون أن تتخلى عن الذاكرة الموسيقية العربية التي حملتها معها. وهنا بدأ يتشكل السؤال الذي رافق تجربتها: كيف يمكن لصوت واحد أن يحمل المدرسة الأوبرالية الغربية، وفي الوقت نفسه يحتفظ بالحس العاطفي للأغنية العربية؟

لم تحاول بيدر حل هذا التناقض باختيار طرف على حساب الآخر، بل جعلته جزءاً من تجربتها.

حين دخل الصوت العربي إلى الأوبرا

برز ذلك بوضوح عام 2022، عندما قدمت الأوبرا الوطنية الهولندية عمل هنري بورسيل الشهير «ديدو وإينياس» في قاعة باراديسو، بمشاركة أوركسترا الحجرة الهولندية.

لم تكن الموسيقى العربية فقرة جانبية منفصلة عن العمل، بل دخلت في بنائه نفسه.

ظهرت بيدر البصري بين فصول الأوبرا إلى جانب عازف العود سيف الخياط وعازفة الإيقاع نورا طيلة، في تدخل موسيقي هدف إلى استحضار الصلة بقرطاج في شمال أفريقيا، حيث تدور أحداث الأوبرا.

وهنا، بحسب المجلة، تغير موقع الفنانة العربية: لم تعد موجودة فقط لكي تمثل ثقافة أو هوية، وإنما أصبح صوتها ولغتها الموسيقية جزءاً من تفسير العمل نفسه.

ولفتت التجربة أيضاً انتباه النقد الهولندي، إذ رأت منصة «بلاس دو لوبيرا» أن مشاركة البصري والموسيقيين العرب أضافت بعداً متوسطياً إلى الأوبرا.


الهوية ليست زياً فنياً

كثيراً ما يوصف الفنانون العرب العاملون في الغرب بأنهم «جسر بين الثقافات»، لكن تجربة بيدر، وفق المقال، تبدو أكثر تعقيداً من هذه العبارة المألوفة.

فهي لا تنتقل ببساطة من ضفة إلى أخرى، بل تحاول إنشاء مساحة تستطيع فيها اللغتان الموسيقيتان العيش معاً من دون أن تذوب إحداهما في الأخرى.

ويتجلى ذلك أيضاً في تعاونها مع أوركسترا أمستردام الأندلسية، وفي البرامج التي تستعيد أعمال أم كلثوم وفيروز وأسمهان ووردة.

حين تعود إلى الأغنية العربية بعد دراسة الغناء الكلاسيكي، فإنها لا تعود بالصوت نفسه؛ وحين تدخل فضاء الموسيقى الغربية، لا تدخل إليه بعد التخلي عن ذاكرتها العربية.

وهكذا تتحول الهوية من مجرد علامة للتعريف بالفنان إلى أداة فنية.


من هولندا إلى كارنيغي هول

ثم جاءت نيويورك.

في يناير/كانون الثاني 2019، ظهرت بيدر البصري على خشبة قاعة ستيرن في كارنيغي هول بنيويورك، ضمن الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لميلاد المؤلف الموسيقي الويلزي السير كارل جينكينز، في برنامج تضمن عمل «الأم الحزينة»، إلى جانب العرض الأميركي الأول لعمله «أديموس السيمفوني».


وبعد عام، عادت إلى القاعة نفسها للمشاركة في عمل «ارحمني: أغاني الرحمة والخلاص»، الذي قُدّم للمرة الأولى في أميركا الشمالية.

لكن المقال لا يتعامل مع كارنيغي هول باعتباره «ميدالية» في مسيرتها بقدر ما يسأل: ماذا كانت تفعل هناك؟

فاللافت، وفق المجلة، أن حضورها لم يكن مجرد إضافة «شرقية» إلى إنتاج غربي كبير، وإنما دخل صوتها في البنية الموسيقية للأعمال وفي تقييم النقاد للأداء.

وهنا يظهر الفارق بين أن يكون الفنان مرئياً، وبين أن تكون له مكانة فنية واضحة داخل العمل.


الطريق الأطول إلى الجمهور

كان بإمكان بيدر البصري أن تختار طريقاً أسرع إلى الشهرة في العالم العربي: الأغنية والتلفزيون والصورة ووسائل التواصل الاجتماعي وجمهور واسع يتحدث لغتها ويفهم مرجعياتها الموسيقية مباشرة.

لكنها استثمرت جزءاً كبيراً من رحلتها في بيئة مختلفة، كان عليها فيها أن تتعلم قبل أن تُعرف، وأن تقف أمام جمهور قد لا يعرف قصتها ولا يسبق اسمها صوتها.

ربما أبطأ ذلك انتشارها، لكنه منحها، كما يصف المقال، شيئاً أكثر ندرة:

أن تُسمع قبل أن تُشرح.

لا شرقية تماماً.. ولا غربية

في النهاية، لا تختصر تجربة بيدر البصري في حكاية «مغنية عراقية نجحت في الغرب».

فالتجربة، بحسب بوابة الشرق، تتعلق بعملية تحويل مستمرة: الاستفادة من التعليم الموسيقي الغربي من دون التحول إلى نسخة منه، وحمل التراث العربي من دون اختزاله في الفولكلور، وتحويل الاختلاف نفسه إلى لغة فنية.

لم تصبح بيدر غربية كي تغني الموسيقى الغربية، ولم تحبس نفسها داخل تعريف عربي ضيق من أجل إثبات أصالتها.

اختارت أن تتعلم لغتي العالمين إلى الحد الذي يسمح لها بأن تبقى نفسها في كليهما.

وربما تختصر العبارة الأخيرة في المقال هذه الرحلة بأفضل صورة:

العالمية ليست أن تكون في كل مكان، بل أن تصل إلى مكان جديد من دون أن تتحول إلى شخص آخر.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.