أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
ثقافة وفن

من الأساطير إلى نوبل.. ما سرّ تميّز الشاعرة آن كارسون؟

من الأساطير إلى نوبل.. ما سرّ تميّز الشاعرة آن كارسون؟
الأكاديمية السويدية أشادت بأعمال كارسون «الجريئة والمبتكرة»، وبـ«حوارها المرح مع التراث الكلاسيكي»

أوج24 | 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026

وحش من الأساطير اليونانية يتحوّل إلى مراهق يبحث عن الحب، ومرثية لأخ راحل تصبح علبة تضم صوراً ورسائل وصفحات مطوية، وقصيدة عن انفصال عاطفي تتسع لتكون حكاية ومقالة نقدية في الوقت نفسه. هذه بعض ملامح عالم الشاعرة الكندية آن كارسون، التي أُعلن الخميس، الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، فوزها بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، تقديراً لأعمالها الجريئة والمبتكرة وتجديدها أشكال الأدب المعاصر عبر الحوار مع التراث الكلاسيكي.

ومن الصعب حصر صورة كارسون في وصف واحد: شاعرة وباحثة ومترجمة، تستدعي العالم القديم لتكتب عن الحب والفقد والوحدة والهوية، وتختبر باستمرار ما يمكن أن تحتويه القصيدة.

من دراسة اليونانية إلى تجديد الشعر

وُلدت كارسون في تورونتو عام 1950، ودرست الأدب واللغات الكلاسيكية في جامعة تورونتو، ثم عملت في تدريس اليونانية القديمة. وجمعت طوال مسيرتها بين البحث الأكاديمي والترجمة والكتابة الإبداعية.

وتشكّل هذه الخلفية مفتاحاً لفهم أعمالها؛ فاهتمامها بالكلمات يبدأ من أصولها ومعانيها، ثم ينتقل إلى ما تستطيع أن تفعله في تجربة إنسانية معاصرة. الأسطورة عندها قابلة لإعادة التخيّل، والنص القديم يمكن أن يصبح مدخلاً إلى مشاعر يعرفها قارئ اليوم.

صدر كتابها الأول «إيروس: الحلو المرّ» عام 1986، مستنداً إلى عملها الأكاديمي. وهو دراسة أدبية في مفارقة الرغبة: كيف يمكن للحب أن يولّد المتعة والألم معاً؟ وتنطلق فيه من الشاعرة اليونانية سافو، لتصل إلى تجربة لا تزال مألوفة عبر العصور.

وفي عام 2001 أصبحت أول امرأة تفوز بجائزة تي. إس. إليوت عن «جمال الزوج»، الذي يتناول انهيار علاقة زوجية، ويختبر من خلالها الصلة بين الجمال والحقيقة. كما حصلت على زمالتي غوغنهايم وماك آرثر.

لماذا تبدو صعبة وقريبة في آن واحد؟

وصفتها إليسا غابرت، كاتبة عمود الشعر في «نيويورك تايمز»، بأنها «أكثر الشعراء الصعبين سهولةً في القراءة». ويلخّص هذا الوصف مفارقة أساسية في أعمال كارسون: معرفة كثيفة وتجريب جريء، يقابلهما حس فكاهي ولغة تستطيع الاقتراب مباشرة من المشاعر.

ففي كتاب «رجال في أوقات الفراغ» الصادر عام 2000، تتجاور تأملات في الحرب والزمن، تستحضر ثوسيديديس وفرجينيا وولف، مع قصائد عن الحيوانات والانفصال العاطفي ورسائل إميلي ديكنسون. وقد يبدو النص مقالةً أكاديمية، ثم ينتهي إلى قصيدة، أو يضم إحالات تصبح جزءاً من بنائه الأدبي.

وترى غابرت أن كارسون قادرة على إظهار الشعرية في القصة والمحاضرة والمسرحية، وعلى دفع القارئ إلى إعادة التفكير في القصيدة نفسها: أين تبدأ؟ وما الذي يجعل سطراً ما شعراً؟

ويقدّم «أحاديث قصيرة» الصادر عام 1992 وجهاً آخر لهذه الكتابة. فنصوصه مقاطع نثرية شديدة التكثيف، تتناول موضوعات متباعدة، من أوفيد والمطر إلى فان غوخ. وتستطيع في بضعة أسطر الانتقال من ملاحظة عابرة إلى سؤال مقلق أو مفارقة ساخرة.

الماضي بوصفه مساحة للاكتشاف

في قراءتها المنشورة بمجلة «ذا أتلانتيك»، تلفت إيما سارابو إلى أن كارسون تعيد صياغة الشعر والأساطير القديمة، من دون التعامل مع الماضي باعتباره دليلاً جاهزاً للحاضر.

وتستشهد برأي الناقد والت هانتر، الذي يرى أن قوة كارسون تكمن في جذب القارئ إلى غرابة التاريخ، بدلاً من طمأنته بما يبدو مألوفاً فيه.

ومن هذه الزاوية، تصبح العودة إلى اليونان القديمة فرصة لتغيير وجهة النظر. فالشخصية التي تظهر وحشاً في رواية البطل قد تمتلك حياة داخلية تستحق الإصغاء، والشذرات الناقصة قد تفتح أسئلة يعجز النص المكتمل عن إثارتها.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن كارسون تمزج البحث الكلاسيكي والشعر الغنائي والترجمة التجريبية، وتعيد تخيّل الأساطير والفلسفة اليونانية من منظور شخصي ونسوي معاصر.
Anne Carson sitting on a large tree stump in a garden. She is wearing a gray blazer, black pants, striped socks, and bright red shoes and eye glasses. The background features lush green foliage.

«سيرة ذاتية للأحمر».. حياة أخرى للوحش

تمثّل روايتها الشعرية «سيرة ذاتية للأحمر» الصادرة عام 1998، والتي باعت نحو مئة ألف نسخة في الولايات المتحدة، أحد أبرز المداخل إلى عالمها، والعمل الذي وسّع شهرتها.

تستند الرواية إلى شذرات للشاعر اليوناني ستيسيخوروس عن غيريون، الوحش المجنّح الذي يقتله هيراكليس في الأسطورة ويستولي على ماشيته. وكان الشاعر القديم قد قدّم غيريون بتعاطف، ثم مضت كارسون أبعد في إعادة تخيّله.

في روايتها، يصبح غيريون فتى أحمر اللون ذا جناحين، ينشأ في بيئة أسرية مؤذية، ويجد في التصوير الفوتوغرافي وسيلة للتعبير عن نفسه. ويقع في حب هيراكليس، الشاب الذي تترك طريقة تعامله مع العلاقة آثاراً عاطفية مؤلمة عليه.

وهكذا ينتقل مركز الحكاية إلى تجربة الشخصية التي كانت تُختزل في كونها وحشاً: رغبتها، وهشاشتها، ومحاولتها فهم نفسها والعالم.

ويتناوب النص بين أسطر قصيرة وطويلة، في بناء يحافظ على حضور الشعر داخل الحكاية. وبحسب قراءة غابرت، يذكّر هذا الإيقاع القارئ باستمرار بأنه أمام قصيدة، حتى عندما يتابع أحداث رواية.

الحب والفقد.. حين تصبح القراءة جزءاً من التجربة

في «المقالة الزجاجية»، المنشورة ضمن مجموعة «الزجاج والسخرية والله» عام 1995، تزور امرأة أمها بعد انتهاء علاقة عاطفية، وتصطحب معها كتاباً لإميلي برونتي. وتتداخل القراءة مع محاولة فهم الخسارة، فيما تتشابك الطبيعة والوحدة والذاكرة مع عالم الكاتبة الإنجليزية.

ويعدّ أندرس أولسون، رئيس لجنة نوبل، القصيدة مثالاً بارزاً على تجديد كارسون للشعر المعاصر؛ إذ تتداخل فيها اللغة الغنائية والسرد والنقد، من دون حدود ثابتة تفصل بينها.

أما «نوكس» الصادر عام 2010، فيذهب أبعد في اختبار العلاقة بين الكتابة والفقد. فقد أنجزته كارسون بعد وفاة أخيها مايكل، الذي كانت قد انقطعت صلتها به.

نُشر العمل في علبة تحتوي على صفحات مطوية كالأكورديون، تجمع الصور والرسائل والرسومات وقصاصات النصوص، إلى جانب اشتغالها على مرثية الشاعر الروماني كاتولوس لأخيه.

وفي قراءة ألكسندر هوارد المنشورة في «ذا كونفرسيشن»، يبرز سؤال مؤلم في قلب الكتاب: هل تكفي الوثائق لفهم من فقدناهم؟ يمكن جمع أثر الإنسان وحفظه، لكن ذلك لا يبدّد بالضرورة الغموض الذي خلّفه رحيله. ويتيح شكل «نوكس» للأدلة والأسئلة التي بلا إجابات أن تتجاور على الصفحة.

كيف تمنح الغياب شكلاً؟

يظهر الاهتمام بما فُقد أيضاً في ترجمتها لأعمال سافو، «إن لم يكن، فالشتاء» الصادرة عام 2002. فالأقواس والمساحات البيضاء تُظهر مواضع النصوص المفقودة، ويقرأ المتلقي الكلمات التي بقيت إلى جانب الفراغ الذي تركته الكلمات الغائبة.

وبذلك يصبح النقص جزءاً من التجربة الأدبية، ويظل القارئ واعياً بأن ما وصل إليه من العالم القديم شذرات نجت من الزمن.

وفي «نورما الخاطئة» الصادر عام 2024، تواصل كارسون التجريب عبر 25 نصاً مصحوباً بصور، تتنقل بين موضوعات متباعدة، من التمثيل القانوني لمعتقلي غوانتانامو إلى آثار الأقدام في الثلج. وتضم المجموعة أشكالاً متنوعة، بينها الشعر والترجمة والسرد القصير، وتترك للقارئ مهمة اكتشاف العلاقات المحتملة بينها.

وعلى المستوى الشخصي، كشفت كارسون في مقالة نشرتها عام 2024 في «لندن ريفيو أوف بوكس» إصابتها بمرض باركنسون، وتحدثت عن تدهور خط يدها وتأثير ذلك في متعتها القديمة بتدوين الدفاتر؛ تفصيل يكتسب دلالة خاصة لدى كاتبة يشغلها الأثر المكتوب وشكله المادي.

ثلاثة مداخل إلى عالم كارسون

لمن يريد البدء بقراءتها، يقترح أندرس أولسون ثلاثة أعمال: «المقالة الزجاجية»، التي تصل الانفصال العاطفي بالقراءة والتأمل؛ و«سيرة ذاتية للأحمر»، التي تمنح الأسطورة حياة معاصرة؛ و«نوكس»، الذي يحوّل المرثية إلى تجربة تُقرأ وتُرى وتُلمس.

وتكشف هذه الأعمال، على اختلافها، كيف تجعل كارسون المعرفة الأدبية جزءاً من تجربة حميمة. فقد تبدأ من شاعر يوناني أو مرثية لاتينية، ثم تصل إلى سؤال قريب: كيف نعيش الحب حين يؤلم، وماذا نعرف حقاً عمّن فقدناهم؟

المصادر: نيويورك تايمز – وول ستريت جورنال – ذا أتلانتيك – ذا كونفرسيشن-  موقع جائزة نوبل

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.