هل أصبحت الحروب بلا جدوى؟

يوليو 7, 2026
96

الكاتب يرى أن الترابط بين الانتصار العسكري والنجاح السياسي بدأ يتلاشى بصورة متزايدة

في مقال تحليلي لافت في مجلة فورين بوليسي، يطرح أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن إم. والت سؤالاً يصفه بأنه كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات: هل أصبحت الحروب في القرن الحادي والعشرين وسيلة غير فعالة لتحقيق الأهداف السياسية؟ ويستند في طرحه إلى سلسلة من الصراعات الحديثة، من أوكرانيا إلى غزة وإيران، ليخلص إلى أن التفوق العسكري لم يعد يضمن تحقيق المكاسب السياسية، وأن كثيراً من الحروب باتت تنتهي بتكاليف باهظة ونتائج محدودة أو عكسية.

الحرب وسيلة لتحقيق السياسة… لكن هل ما زالت كذلك؟

ينطلق والت من مقولة المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز إن “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. ويشرح أن الهدف من الحرب ليس تحقيق انتصار عسكري بحد ذاته، بل الوصول إلى غاية سياسية واضحة. لذلك فإن أي نجاح في ساحة المعركة يفقد قيمته إذا لم يحقق النتائج السياسية المرجوة.

ويرى أن المشكلة في الحروب الحديثة هي أن هذا الترابط بين الانتصار العسكري والنجاح السياسي بدأ يتلاشى بصورة متزايدة.

الحرب لم تختفِ… لكنها فقدت معناها

يوضح الكاتب أنه لا يعتقد أن العالم دخل عصر السلام، فالحروب لا تزال مستمرة، لكنه يرى أنها أصبحت أقل جدوى وأكثر عبثية.

ويشير إلى أن كثيرين عبر التاريخ توقعوا اختفاء الحروب مع تطور الحضارة أو التكنولوجيا، لكنهم أخطأوا، لأن العالم شهد بعد ذلك حربين عالميتين وصراعات متواصلة. لذلك فهو لا يقول إن الحرب انتهت، بل إنها أصبحت وسيلة أقل قدرة على تحقيق أهدافها.

سجل الولايات المتحدة: حروب كثيرة ونتائج محدودة

يستعرض والت التاريخ العسكري الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية، ويخلص إلى أن واشنطن خاضت معظم حروبها ضد دول ضعيفة، وليس ضد قوى عظمى، ومع ذلك لم تحقق نجاحات سياسية مستدامة.

ويصنف النتائج على النحو التالي:

  • الحرب الكورية انتهت إلى تعادل.
  • حرب فيتنام شكلت هزيمة واضحة.
  • حرب الخليج الأولى عام 1991 كانت الاستثناء الوحيد تقريباً، لأنها امتلكت أهدافاً محدودة وتحظى بتحالف دولي واسع.
  • التدخل في الصومال انتهى بانسحاب مهين.
  • حرب كوسوفو لم تحقق حسماً كاملاً.
  • حربي العراق وأفغانستان تحولت إلى “حروب لا نهاية لها” وانتهتا بخسائر بشرية ومالية وسياسية كبيرة.
  • أما الحرب على إيران، فيعتبرها الكاتب كارثة استراتيجية يحاول مؤيدوها إنكار نتائجها.

ويخلص إلى أن معظم هذه الحروب جعلت الولايات المتحدة أقل أمناً وأكثر استنزافاً مما لو لم تخضها أصلاً.

روسيا تكرر الأخطاء نفسها

يرى والت أن الاتحاد السوفيتي أخطأ عندما غزا أفغانستان عام 1979، لأن الحرب ساهمت في استنزافه وتسريع انهياره.

ويعتقد أن روسيا كررت الخطأ نفسه في أوكرانيا، إذ توقع الرئيس فلاديمير بوتين نصراً سريعاً، لكنه وجد نفسه بعد سنوات من الحرب وقد دفع ثمناً بشرياً واقتصادياً ضخماً مقابل مكاسب إقليمية محدودة.

كما يشير إلى أن موسكو لم تحقق أهدافها أيضاً في سوريا أو في دعم بعض الأنظمة الأفريقية.

إسرائيل تحقق انتصارات تكتيكية لكنها تخسر سياسياً

يخصص الكاتب جزءاً مهماً من مقاله لإسرائيل، ويرى أنها تحقق نجاحات عسكرية متكررة، لكنها لا تستطيع تحويلها إلى مكاسب استراتيجية دائمة.

ويقول إن الحرب في غزة لم تؤدِ إلى القضاء على حركة حماس، كما أن العمليات العسكرية في جنوب لبنان لم تنه وجود حزب الله، بل أدت، بحسب رأيه، إلى زيادة عزلة إسرائيل الدولية وإلحاق الضرر بعلاقاتها مع حلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.

كما يرى أن استمرار الحرب يعطل فرص التطبيع مع عدد من دول المنطقة، وهو ما يعتبره أكثر أهمية لمستقبل إسرائيل من استمرار العمليات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يحمّل الكاتب حركة حماس مسؤولية هجوم السابع من أكتوبر 2023، ويصفه بأنه جريمة حرب، معتبراً أنه لم يقرب الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة.

أمثلة أخرى على حروب بلا نتائج

يضرب الكاتب أمثلة عديدة يرى أنها تؤكد الفكرة نفسها، منها: الغزو العراقي للكويت والحرب العراقية الإيرانية وحرب السودان واليمن وليبيا واشتباكات الهند وباكستان وحروب الكونغو.

ويعتبر أن جميع هذه الصراعات ألحقت أضراراً جسيمة بأطرافها دون أن تحقق أهدافاً سياسية واضحة.

لماذا تنجح الصين؟

على النقيض من ذلك، يشير والت إلى أن الصين فضلت تجنب الانخراط في الحروب الكبرى، وركزت على:

  • بناء الاقتصاد.
  • التقدم العلمي والتكنولوجي.
  • التجارة العالمية.
  • الاستثمار الخارجي.
  • النفوذ الدبلوماسي.

ويرى أن هذه الاستراتيجية منحت بكين نفوذاً عالمياً أكبر بكلفة أقل كثيراً من كلفة الحروب.
رسم بياني يوضح أسباب تراجع فعالية الحروب الحديثة وفشل القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية مستدامة.

لماذا أصبحت الحروب أقل فاعلية؟

يحدد الكاتب أربعة أسباب رئيسية.

أولاً: السلاح النووي

يرى أن امتلاك القوى الكبرى للسلاح النووي جعل تحقيق انتصارات حاسمة أمراً شبه مستحيل، لأن أي محاولة لإسقاط دولة نووية قد تؤدي إلى تصعيد كارثي، ما يفرض على الجميع الاكتفاء بأهداف محدودة.

ثانياً: صعود النزعة القومية

يقول إن الشعوب أصبحت أكثر استعداداً للقتال دفاعاً عن أوطانها، وهو ما واجهته الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان، وواجهته روسيا في أوكرانيا، كما يفسر استمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ثالثاً: العولمة

يؤكد أن الدول لم تعد بحاجة إلى احتلال الأراضي للحصول على الثروات، إذ يمكنها الوصول إلى الموارد عبر التجارة والاستثمار.

ويضرب مثالاً بأن السيطرة على تايوان، رغم أهميتها الاقتصادية، لن تضيف سوى نسبة محدودة إلى الناتج المحلي الصيني، بينما ستكون كلفة الحرب هائلة.

رابعاً: تطور التكنولوجيا العسكرية

يشير إلى أن الطائرات المسيّرة، والأسلحة الدقيقة، والعبوات الناسفة، ووسائل الاستطلاع الحديثة، جعلت الدفاع عن الأراضي أسهل كثيراً من احتلالها.

ويضرب مثالاً بأن الولايات المتحدة امتلكت تفوقاً جوياً كاملاً في العراق وأفغانستان، لكنها لم تستطع فرض نتائج سياسية مستقرة، كما أن روسيا، رغم تفوقها العددي، لا تزال تتكبد خسائر كبيرة في أوكرانيا مقابل مكاسب ميدانية محدودة.

الخلاصة

يخلص ستيفن والت إلى أن الحروب الهجومية أصبحت أقل قدرة على تحقيق أهدافها السياسية وأكثر كلفة من أي وقت مضى. وبرأيه، لا يعني ذلك أن الدول يمكنها الاستغناء عن الجيوش أو الردع العسكري، فالدفاع عن النفس سيظل ضرورة، لكن الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إعادة تشكيل العالم أو إسقاط الخصوم بسرعة أصبح، في نظره، وهماً أثبتت تجارب الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل وغيرها أنه لا يصمد أمام الواقع.

ويختم بتحذير واضح: كلما ادعى سياسي أو خبير أن إسقاط دولة أخرى سيكون سهلاً وسريعاً، فإن التاريخ الحديث يقدم أسباباً قوية للتشكيك في هذا الادعاء.

المصدر: فورين بوليسي

حول هذه القصة

كفة التعاطف الأمريكي تميل الآن نحو الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، خصوصاً بعد أحداث غزة

الأميركيون يغيّرون مواقفهم.. استطلاعات تكشف دعماً غير مسبوق للفلسطينيين

هل انتهى عصر الدبابات؟

التقرير يرى أن تجاهل بعض الحروب والصراعات يخلق "نقاط عمياء" في فهم السياسة الدولية الحالية

حروب غيّرت العالم ونسيها الغرب.. لماذا لا تزال الصين تتذكر حروب الأفيون؟

اترك تعليقاً