الطيور تبني أعشاشها من أسلاكها.. المسيّرات الضوئية تكشف ثغرات الأسلحة الذكية

مايو 28, 2026
99

في السنوات الأولى من الحرب الأوكرانية، بدت الطائرات المسيّرة وكأنها تعيد رسم شكل الحروب الحديثة بالكامل.

تقارير غربية ومراكز أبحاث تحدثت حينها عن “ثورة عسكرية” تقودها التكنولوجيا غير المأهولة، فيما اعتبر البعض أن أوكرانيا تحولت إلى “مختبر حي” لأسلحة المستقبل.

وفي تقرير تحليلي للكاتب دان غرايزر، وهو باحث أول ومدير برنامج في مركز ستمسون  الأميركي المتخصص في قضايا الأمن الدولي والدفاع والسياسة الخارجية، نشره موقع ريسبونسبل ستيت كرافت، رأى فيه  أن التطورات الأخيرة في ساحة المعركة الأوكرانية بدأت تكشف حدود هذه التكنولوجيا، بل وتثير شكوكاً جدية حول المبالغة في الاعتماد على الأسلحة غير المأهولة بوصفها مستقبل الحروب.

ويشير التقرير إلى أن ظهور المسيّرات المرتبطة بكابلات الألياف الضوئية في أوكرانيا يحمل دلالات أعمق بكثير مما يبدو ظاهرياً، لأنه يكشف هشاشة أنظمة التحكم والاتصال التي تعتمد عليها الطائرات المسيّرة الحديثة.

“الطيور تبني أعشاشها من أسلاك المسيّرات”

استهل الكاتب تقريره بصورة رمزية لافتة، بعدما نشرت صحيفة بريطانية تقريراً بعنوان:

“الطيور في أوكرانيا تبني أعشاشها من أسلاك المسيّرات”.

ورغم الطابع الطريف للعنوان، يرى التقرير أن المشهد يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الحرب الحديثة.

فمنذ بداية الحرب قبل أكثر من أربع سنوات، حظيت الطائرات المسيّرة باهتمام هائل، وامتلأت وسائل الإعلام بتحليلات تتحدث عن “مستقبل الحروب” وعن كون أوكرانيا ساحة اختبار للأسلحة الغربية المتطورة.

لكن الواقع الميداني – بحسب التقرير – أظهر أن هذه المسيّرات ليست “ثورية” بالقدر الذي رُوّج له.

لماذا عادت المسيّرات إلى “الأسلاك”؟

يوضح التقرير أنه في عام 2024 بدأت القوات الروسية باستخدام طائرات هجومية صغيرة مزودة ببكرات أسطوانية تحتوي على كابلات ألياف ضوئية طويلة تربط المسيّرة مباشرة بمشغلها.

ويهدف هذا الاتصال السلكي إلى منع التشويش الإلكتروني، بعدما أصبحت الحرب الإلكترونية أحد أخطر التهديدات للطائرات المسيّرة التقليدية التي تعتمد على الاتصال اللاسلكي.

لكن الكاتب يرى أن العودة إلى الكابلات لا تمثل “قفزة تكنولوجية متقدمة”، بل على العكس، تُعد اعترافاً ضمنياً بضعف أنظمة التحكم عن بُعد.

وبحسب التقرير، فإن أي نظام غير مأهول يظل معتمداً على نقطة ضعفه الأساسية:

الاتصال بين السلاح والمشغّل.

ويقول الكاتب إن مشاهد الأراضي الأوكرانية المغطاة بأسلاك الألياف الضوئية تكشف مدى هشاشة تلك الشبكات التي يُفترض أنها تمثل مستقبل الحرب.

دورة السلاح والسلاح المضاد

التقرير يقارن ما يحدث اليوم بتاريخ طويل من تطور الأسلحة.

فعندما ظهرت الدبابات لأول مرة في الحرب العالمية الأولى، بدت وكأنها سلاح لا يمكن إيقافه، وأثارت الرعب في صفوف الجنود. لكن الجيوش سرعان ما طورت أسلحة مضادة للدبابات، لتتحول الدبابة لاحقاً إلى مجرد أداة عسكرية اعتيادية ضمن الترسانة الحديثة.

والأمر نفسه – بحسب التقرير – ينطبق على المسيّرات.

فكل سلاح جديد يغير شكل المعركة مؤقتاً، إلى أن يظهر رد مضاد يعيد التوازن.

ويرى الكاتب أن المسيّرات ستدخل في النهاية ضمن هذه “الدورة التقليدية” بين السلاح ووسائل تعطيله.

شكوك حول مشاريع “الجيش الذكي”

ويذهب التقرير إلى أبعد من الحرب الأوكرانية، محذراً من أن التجربة الحالية تثير تساؤلات كبيرة حول مشاريع عسكرية مستقبلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة.

فالعديد من المخططين العسكريين – خصوصاً في الولايات المتحدة – يعملون على تطوير قوات تعتمد على:

طائرات غير مأهولة.

سفن ذاتية التشغيل.

مركبات برية روبوتية.

أنظمة قتالية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

لكن المشكلة الأساسية، بحسب التقرير، هي أن جميع هذه الأنظمة تعتمد على شبكات اتصال مستقرة وآمنة.

وفي حال تمكن الخصم من تعطيل تلك الشبكات، فإن القوة العسكرية بأكملها قد تصبح مشلولة.

“الطيف الكهرومغناطيسي”.. ساحة الحرب الحقيقية

يرى الكاتب أن السيطرة الكاملة على الطيف الكهرومغناطيسي – أي نطاق الترددات اللاسلكية المستخدمة لنقل البيانات – أمر غير مضمون في زمن الحرب.

ولهذا، يحذر من أن أي جيش يبني استراتيجيته بالكامل على الأنظمة المتصلة رقمياً قد يواجه مشكلات خطيرة عندما تتعرض تلك الشبكات للتشويش أو الانقطاع.

ويضرب التقرير مثالاً بمقاتلات F-35 المستقبلية التي يُفترض أن تعمل إلى جانب طائرات مسيّرة مرافقة تُعرف باسم “الجناح الوفي”.

فإذا تعطلت الاتصالات بين الطيار والطائرات غير المأهولة، فقد تستمر المسيّرات بتنفيذ مهمة أصبحت غير مناسبة للواقع الميداني الجديد، بينما يضطر الطيار البشري إلى تغيير خططه بشكل عاجل.

الحرب ما زالت “بشرية”

ورغم التطور السريع للتكنولوجيا العسكرية، يؤكد التقرير أن الحروب تبقى في جوهرها صراعاً بين إرادات بشرية، وأن أي تفوق تقني سيقابله دائماً سعي من الطرف الآخر لإيجاد وسيلة مضادة.

ويرى الكاتب أن تقليل المخاطر على الجنود عبر استخدام الأنظمة غير المأهولة يبقى هدفاً مشروعاً ومهماً، لكنه يحذر من “رهن الأمن العسكري” لتقنيات يسهل تعطيلها أو التشويش عليها.

ويختم التقرير بفكرة رمزية لافتة:

إذا كانت الطيور في أوكرانيا تبني أعشاشها من أسلاك المسيّرات، فإن ذلك ربما يكون أفضل تذكير بأن أكثر أسلحة العصر تطوراً قد تتحول سريعاً إلى مجرد بقايا متناثرة في ساحة المعركة.

حول هذه القصة

حزب الله يكثف "الحرب غير المتناظرة" لتعويض الفارق في القوة النارية مع إسرائيل (جيمناي)

سلاح الألياف الضوئية: مسيّرات حزب الله الجديدة تخترق الدفاعات الإسرائيلية

السماء لم تعد للأقوى.. 10 حقائق تكشف كيف تغيّر المسيّرات قواعد الحرب

الجنود الروس اطلقوا اسم “بابا ياغا” على هذه الطائرات، في إشارة إلى الساحرة المخيفة في الأساطير السلافية (منصات التواصل)

ساحرة الليل.. كيف تحولت مسيّرات أوكرانيا المرعبة إلى سلاح روسي؟

اترك تعليقاً